الاقتصاد اليمني بين عبث الحوثيين وفشل الشرعية وخذلان التحالف

محرر 329 يوليو 2017
الاقتصاد اليمني  بين عبث الحوثيين وفشل الشرعية وخذلان التحالف

عدن نيوز – متابعات

يعكس تردي الاقتصاد اليمني وضع البلد الذي يعاني الاضطرابات منذ سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة في سبتمبر 2014 ، كما يعاني حربا مستمرة منذ مارس 2015 دخلت عامها الثالث بلا أفق وبلا حسم ، ولا يزال البنك المركزي معطلا والرواتب متوقفة والريال يتهاوى باستمرار وتتفاقم أزمات الاقتصاد يوما بعد آخر ، لأسباب تتعلق بعبث الحوثيين و فشل الحكومة وخذلان التحالف العربي لدعم الشرعية بقيادة السعودية ، بحسب خبراء اقتصاد.

ويؤكد الخبراء ، أن الاقتصاد اليمني هو الخاسر الأكبر من الحرب  ، وأنه من الطبيعي أن تعمل دول التحالف بقيادة السعودية على تقديم دعم مالي لإنقاذ الاقتصاد اليمني، باعتبار ذلك مسؤولية أخلاقية تجاه معاناة اليمنيين. 

ويقع اليمن منذ ما يقارب الثلاثة اعوام بين سلطتين إحداهما شرعية تعمل من العاصمة المؤقتة عدن (جنوبي البلاد) وأخرى للمتمردين من تحالف الحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح وتسيطر على العاصمة صنعاء.

أما بالنسبة إلى أبرز الصعوبات التي واجهها الاقتصاد اليمني، خلال العام الماضي، فقد تمثلت في أزمة السيولة والعجز عن دفع الأجور، وتوقف التحويلات المصرفية إلى الخارج وظهور مؤشرات المجاعة وانعدام الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين كالكهرباء والمياه والتعليم والصحة، بالإضافة إلى تراجع حركة الملاحة .

وفي مسار مواز، ارتفعت البطالة وتفاقم انعدام الأمن الغذائي. ويشهد اليمن أزمة إنسانية حادة، فنحو 18.8 مليون شخص في حاجة إلى مساعدة إنسانية عاجلة، بحسب تقارير منظمات الأمم المتحدة. 

عبث الحوثيين

لم تكن حرب جماعة الحوثيين المتمردة في اليمن للسيطرة على مؤسسات الدولة مسلحة فحسب، وإنما كانت هناك حرب أخرى ضد الاقتصاد الرسمي بهدف تدميره وخلق كيانات موازية تصبح مصدراً للأموال والإمدادات لفترات أطول.

ويقول خبراء في الاقتصاد إن الحوثيين عملوا على تكوين إمبراطورية مالية وكيان اقتصادي موازٍ، بعد تدمير القطاع الخاص النظامي لصالح قطاع آخر طفيلي كوّن ثرواته بموارد الدولة وعائدات السوق السوداء.

ويسيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء وعدة مناطق في البلاد، منذ انقلابهم على السلطة الشرعية قبل أكثر من عامين، وانهارت أغلب المؤسسات الاقتصادية للدولة وسط الصراع الدائر.

وأدى استنزاف الحوثيين موارد البلاد وتسخيرها للمجهود الحربي، إلى تهاوي احتياطي النقد الأجنبي إلى 987 مليون دولار (شاملة ودائع البنوك) في سبتمبر/أيلول الماضي مقابل 4.7 مليارات دولار في ديسمبر/كانون الأول 2014.

ولدى الحوثيين مصادرهم المالية الخاصة ويستمرون في الإنفاق على أنشطتهم الحربية وعناصرهم، رغم سحب البنك المركزي من تحت سيطرتهم، حيث يدير الحوثيون تجارة مزدهرة تتمثل في السوق السوداء للوقود، والتي تتم بإشرافهم وتدر عليهم أرباحاً طائلة.

كما تعمل جماعة الحوثيين على تمويل حروبها من خلال الجبايات والإتاوات وابتزاز التجار، من خلال طلب تبرعات مباشرة للمجهود الحربي باعتباره “واجباً وطنياً” أو من خلال عرقلة أعمالهم كما يحدث لتجار الوقود من خارج الجماعة، حيث يتم احتجاز سفنهم، ولا يتم الإفراج عنها إلا بمقابل مادي كبير يصل إلى ملايين الريالات، وفق تجار ومستثمرين.

فشل الشرعية

وبالمقابل فشلت الحكومة اليمنية في إدارة الملف الاقتصادي ، ولا يزال البنك المركزي معطلا بعد 9 أشهر من نقله الى العاصمة المؤقتة عدن ( جنوبي البلاد) ، وإزاء أزمات الاقتصاد واستمرار تهاوي العملة المحلية

ولم تقدم الحكومة أية معالجات ، وخرج رئيسها أحمد بن دغر ، نهاية فبراير الماضي،  مبشراً بعهد جديد وخطة خمسيه ،وقد تفاءل كثيرا وأعلن عن رؤية تتضمن قطاراً للنقل البري وإنشاء سكة حديد ، ولم يتحدث بكلمة واحدة عن الرواتب ومنها الرواتب المتأخرة منذ 9 أشهر.

وسجل الريال اليمني، منذ يناير الماضي، تراجعاً تاريخياً إلى 370 ريالا للدولار الواحد في العاصمة صنعاء 365 ريالاً للدولار في العاصمة المؤقتة عدن (جنوب البلاد)، بالمقارنة مع سعر الصرف الرسمي والذي يبلغ 250 ريالاً للدولار.

ويرجح خبراء مصرفيون أن يستمر تهاوي الريال في ظل غياب الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي، وتردي أوضاع القطاع المصرفي اليمني إلى مستويات كارثية يصعب معها استيعاب القطاع لأي سياسة نقدية محتملة تستهدف المحافظة على سعر صرف الريال عند مستوياته الحالية.

وقالت الحكومة اليمنية مرارا أنها تعمل على وقف انهيار العملة المحلية من خلال إجراءات مؤقتة بالتنسيق مع الصرافين والتعهد بضخ عملة صعبة للسوق، إلى جانب مساع خارجية تتمثل في طلب ودائع نقدية من دول الخليج وعلى رأسها السعودية لتعزيز موقف احتياطي النقد الأجنبي.

وأعلن الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، 19 فبراير ، عن موافقة الحكومة السعودية على وضع ملياري دولار وديعة نقدية في البنك المركزي اليمني لدعم العملة المحلية ، ولاحقاً أعلن عن استعداد السعودية تقديم مبلغ 8 مليارات دولار لدعم خطة الاعمار ، لكن مرت 5 أشهر ولا جديد.

وأكد الخبير الاقتصادي طارق عبد الرشيد لـ” المصدر أونلاين” ، أن السلطة الشرعية اليمنية تتحمل مسؤولية في فشل إنقاذ الاقتصاد بدرجة أساسية ، كونها  لم تعط المجال الاقتصادي الحد الأدنى من الاهتمام.. بل سعت في استخدامه كوسيلة ضغط ضمن وسائل المواجهة وإخضاع الطرف الأخر.

خذلان التحالف

وتقود السعودية تحالفاً عربياً لدعم الشرعية في اليمن منذ مارس/ آذار 2015، ولقد رصدت مليارات الدولار لعملياتها العسكرية في اليمن التي خلفت الكثير من الدمار والمعاناة ، لكن مقابل كلفة الحرب لم ترصد أية مبالغ مالية لإنقاذ الاقتصاد الذي شاركت في تدميره مع جماعة المتمردين الحوثيين وحلفاءهم من قوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح.

وكان مسؤولون في الحكومة يؤكدون أن دول التحالف لن تقدم أي دعم طالما ظل البنك المركزي خاضعاً لسيطرة المتمردين، وأنه في حال نقل البنك يمكن للسعودية ودول التحالف تقديم وديعة نقدية عاجلة لإنقاذ العملة المحلية وتحقيق الاستقرار المالي.

وقد تم نقل البنك المركزي ومرت 10 أشهر حتى نهاية يوليو ، ولم يحدث أي تقدم ولم يصل دعم التحالف ولا يزال البنك معطلاً ، وظلت هذه الدول تدعم استمرار الحرب وبناء ميليشيات موالية على الأرض ، ولم تقدم أي دعم مالي مباشر للاقتصاد اليمني.

واعتبر الخبير الاقتصادي طارق عبد الرشيد ، أن دول التحالف العربي خذلت اليمن ، كون الاقتصاد اليمني معطل ، تحديداً المصادر الأساسية للموارد، وليس لها غير الدعم الخليجي

وقال عبد الرشيد لـ”المصدر اونلاين” : يتضح اليوم تخلي دول الخليج عن مسؤوليتها الأخلاقية في تقديم الأموال لحكومة بن دغر لاسيما الأموال الموجهة للحيلولة دون انهيار الاقتصادي اليمني ، الحقيقة : أمر الاقتصاد اليمني لا يعنيهم ، وعمليا السعودية لم تبخل بتقديم المعونات لليمن، ولكنها في جانب كبير منها كانت معونات مراضاة لأطراف سياسة محسوبة عليها وليست معونات تنمية وإعادة إعمار.

و عطلت الحرب مظاهر الحياة في المدن اليمنية ، وقذفت بملايين اليمنيين إلى قاع الفقر ، سحقت الطبقة المتوسطة وشردت نحو ثلاثة ملايين يمني ، انعدمت الخدمات وتوقفت الأعمال ومصادر الدخل وسكتت أصوات الآلات في المصانع  مقابل ارتفاع أصوات الرصاص وازدهار تجارة السوق السوداء.

كما أفضت الحرب إلى توقف الإيرادات النفطية والرسوم الجمركية والضريبية، ما وضع المالية العامة والقطاع الحكومي للدولة الفقيرة أصلا، على حافة الانهيار ، وتراجعت الاحتياطيات الخارجية من 4.7 مليارات دولار في ديسمبر/ كانون الأول 2014 إلى 987 مليون دولار (شاملة ودائع البنوك) في سبتمبر/ أيلول 2016.

ويتساءل استاذ الاقتصاد بجامعة عدن يوسف سعيد ،  من خذل الآخر ، هل خذل التحالف الحكومة الشرعية أم العكس ، ويجيب :” أعتقد ان كلاهما خذلا الشعب اليمني.

وقال سعيد لـ” المصدر اونلاين ” :” دول التحالف لم تف بتعهداتها في إعادة الاعمار ودعم المصرف المركزي في عدن بما في ذلك دعم الاحتياطي النقدي ، ومن جانبها الحكومة الشرعية ظهرت كحكومة فاشلة وفاسدة بلا إرادة سياسية ولا تمتلك الوسائل اللازمة لمواجهة المشكلات الاقتصادية التي تعصف بالسواد الأعظم من الشعب”.

وكانت الحكومة اليمنية أكدت،  أنه لا يمكنها مواجهة الانهيار الاقتصادي والمالي في ظل الحرب ومعالجة الأزمات المعيشية بدون استئناف المانحين دعمهم واستكمال تنفيذ المشاريع المتوقفة في المناطق المستقرة أمنياً ، وطلبت الحكومة، في منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2016، من السعودية ودول التحالف تقديم دعم مباشر في شكل منح مالية بعد نقل البنك المركزي اليمني من صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى العاصمة المؤقتة عدن.

وأدت الحرب وسيطرة الحوثيين على مؤسسات الدولة إلى نتائج كارثية على الاقتصاد اليمني.، ويشير أحدث إصدار للبنك الدولي إلى أن عدد الفقراء زاد في اليمن من 12 مليونا قبل الحرب إلى أكثر من 20 مليونًا مع بداية عام 2016.

ويعيش حالياً أكثر من 21 مليون يمني تحت خط الفقر، و80% من السكان بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بحسب الإحصاءات الأخيرة الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. وأوضح البنك الدولي أن النشاط الاقتصادي في البلد تقلص بمقدار الربع.

وتعاني آلاف الأسر اليمنية وضعاً معيشياً صعباً، جراء تأخر صرف الرواتب، خصوصاً في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتضاعف هذه المعاناة الحربُ الطاحنة التي تشهدها البلاد منذ قرابة عامين.

رابط مختصر