الدولة المدنية الأولى في التاريخ

محرر 25 مارس 2019
الدولة المدنية الأولى في التاريخ
حامد محمد علي
حامد محمد علي

عدن نيوز - مقالات:

يقول الفقيه الدستوري ورجل القانون المصري المعروف، الدكتور عبد الرزاق السنهوري: إن أول دولة مدنيّة في العالم تم إرساء قواعدها هي دولة أبي بكر الصديق، التي يسميها الدكتور محمد علي الصلابي بالدولة الصدّيقية.

وهذه القناعة لدى السنهوري جاءت استناداً إلى الطريقة التي تم بها اختيار الحاكم -الخليفة أبو بكر- أولاً، والأسس والمبادئ التي أرساها أو دعا إليها أبو بكر في كلمته الشهيرة ثانياً، التي ألقاها على الحاضرين في سقيفة بني ساعدة عند انتخابه، والتي جاء فيها: “لقد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة والكذب خيانة. إن العهد الذي بيني وبينكم كتاب الله وسنة رسوله”.

هذه العبارات المختصرة في كلماتها والمقتضبة في ألفاظها، والعميقة في دلالاتها والرصينة في معانيها ومحتواها، لو أضفنا إليها شكلاً وصيغة عملية الاختيار (البيعة) بتلك الطريقة الشفافة والواضحة التي جرت في السقيفة، فإنها تتضمن وتنطوي على المبادئ الأساسية التي تُبنى عليها الدولة المدنية بالمفهوم الحديث والمعاصر.

فمن عملية الاختيار (البيعة)، ومضمون العبارات الواردة في الكلمة نستطيع أن نستنبط ما يلي:

أولاً: أن انتخاب الحاكم (رئيس الدولة) وكذلك النخبة الحاكمة يتم من قبل المحكومين (الشعب) مباشرة أو من قبل من يمثّلهم (أهل الحل والعقد بمصطلح الفقه السياسي الإسلامي)، والبرلمان بالمصطلح الحديث والمعاصر.

ثانياً: أن العلاقة ببن الحاكم والمحكوم (السلطة والشعب) تُبنى على أساس المحاسبة، الذي يتضمن الثواب والعقاب (التثبيت والعزل) من جهة، وكذلك ضمان حرية الرأي والتعبير للشعب من جهة ثانية؛ بحيث يستطيع كل فرد من الشعب (الرعية) أو من ينوب عنهم التعبير عن قناعاته ورأيه في الحاكم أو السلطة وبيان موقفه منه، سلباً وإيجاباً.

ثالثاً: تعامل الحاكم مع المحكومين يكون على أساس الصدق والأمانة؛ سواء في اتخاذ القرارات والمواقف، أو التعاطي مع ثروات البلد وعائداته الاقتصادية ومجالات الصرف، وهذا ما يسمّى بالمصطلح الحديث بـ”الشفافية”.

رابعاً: أن مرجعیة الحكم والعمل السياسي وإدارة الدولة المدنية تتمثّل في وجود دستور يتضمن مبادئ عامة وقوانين تفصيلية تنظم العلاقة بين جميع الأطراف، وتحدد شكل الدولة، وتبيّن كيفية إدارة المؤسسات وتوزيع الواجبات والحقوق.

وقد تجلى ذلك بوضوح في عبارة “العهد الذي بيني وبينكم كتاب الله وسنة رسوله”، التي وردت في كلمة أبي بكر؛ ومن هنا نستدل على ضرورة وجود مرجعية للحكم (الدستور) التي شخصها أبو بكر لدولته بكتاب الله وسنة رسوله.

إذن نستنتج من الشرح المقتضب للعبارات والمفاهيم الواردة في الكلمة أو البلاغ المذكور أن الدولة التي أرادها خليفة رسول الله للمسلمين هي بحق دولة مدنية، قائمة على مبادئ راسخة وأسس متقدمة.

وذلك على خُطا دولة الرسول -صلى الله عليه وسلم- التي بُنيت وفق وثيقة المدينة التي جمعت كل المكونات؛ المسلمين واليهود والمشركين.

كل ما ذكرناه جعل الدكتور عبد الرزاق السنهوري وآخرين، يقارنون بين تلك الدولة والدولة المدنية المعاصرة، بل يعتبرونها أول دولة مدنية في التاريخ، مع الأخذ بعين الاعتبار الفارق الزمني الشاسع والتطور الهائل الذي شهدته مجالات الحياة المختلفة وأساليب العمل والإدارة.

رابط مختصر