وطن وشعب .. من الجيوب إلى الجُب

28 أكتوبر 2019
وطن وشعب .. من الجيوب إلى الجُب
محسن معيض ابو الحسنين
محسن معيض ابو الحسنين

قابلوا أباهم لتسويق مخططهم الذي اتفقوا عليه في مجلس عصبتهم ، أقبلوا يزفون شعارات العاطفة الجياشة تجاه هدفهم ، ويرفعون أمامه لافتات المسؤولية نحوه .

وهم قبل لقائه قد ناقشوا في مجلسهم طرق ومخارج التخلص منه ، فهو ـ بزعمهم ـ يقف حجر عثرة في طريق طموحهم لحيازة مركزهم في قلب السلطة ، وقيادة مجتمعهم , فأجمعوا هناك أن يقضوا عليه ، وأظهروا هنا حبهم وتفانيهم في خدمته وحفظه ، وأنه في ظلهم لن يمسه سوء مطلقا , فهم عصبة مخلصة قوية , لا ينقصهم الولاء لحقوق الأخوة ، ولا الوفاء لحق الانتماء .

وظلوا على رأس أبيهم يرددون ما توافقوا عليه . ونجح مخططهم ، وأصبحوا يملكون التفويض الرسمي والسند الاجتماعي ، الذي يبيح لهم تنفيذ مخططهم , دون منافسة من أحد في تقرير المصير ، وتقدير المسير .

وتحول الولاء الذي أدعوه تبعيةً ، وتبدل الوفاء الذي أظهروه نفعيةً ، ونقضوا تفويضهم وخذلوا الصف الاجتماعي , بدراهم معدودة وكراسي محدودة ووجاهة مردودة . وبعاطفة مزيفة وحماسة مقلدة مرروا تدبيرهم بسهولة , ولو توجس البعض في نفسه من صنيعهم حيرة .

هذه المنهجية وتلك الأيدلوجية هي المتبعة اليوم لدى عصب المكر ومكونات الشر في تسويق مخططاتهم التي تخدم مصالحهم فقط ، وتحقق أهداف متنفذي السلطات ورموز السياسات وحكام الدول , وتفتت كل قوة تحجزهم عن نيل مطامعهم في أرض وخيرات غيرهم من الشعوب والدول .

هذا ما طبقه السيسي في مصر واعدا شعبه ووطنه بالخير والتطور والأمن والسلام ، فقد أزال ما كان يهددهم من خطر وسوء عاقبة في ظل حكم الإخوان . ثم ضاعت في عهده الأرض والسماء ، وفقد الملح والماء ، وعم الفساد ، وفرطت العصبة في كل غال ونفيس ، من سمعة مصر النقية وكرامة أهلها التقية .

وهذا عين ما نفذه الحوثي لدخول صنعاء رافعا شعار الدفاع عن حقوق المواطن ، ورفع ما يثقل عليه من غلاء وجرعات ، ثم أصبح المواطن معه مهددا في حياته ومثقلا بالجراح والشتات .

وهذا ما قام به المجلس الانتقالي في جنوب اليمن ، حين دندن من قمة الهرم إلى قاعدته بحب الجنوب ورعاية أهله والدفاع عن هويته وحماية أرضه .

وفي ظله تفرق صف الجنوب وتشتت الحراك الثوري ، وما بين اغتيالات واعتقالات ، فقد الجنوب من خيرة أبنائه أضعاف ما فقد فيما سبق من سلطات ، وأصبحت هويته ممزقة بين مليشيات مسلحة ومناطقية متشددة . وأما ملكية الأرض وسيادة الوطن ، فحدث عنها ولا حرج عليك .

وما تبرأ الشرعيةُ من مثل ذلك ، ما قل منه أو كثر ، فبدلا من تحقيق شعار قادمون يا صنعاء ، أضاعت عدن ، وصار الانقلاب اثنين ، وما وصلت إليه مع الثاني من تشارك وتوافق سيصبح حقا مكتسبا بالضرورة مع الأول . ولا عزاء للمظلومين والمغيبين والشهداء .

ومثل ذلك ما يدلس به على شعوبهم وعلى غيرهم ، كثيرٌ من حكومات ورؤساء وملوك وأمراء دول معروفة , لم يعد يخفى على غالب أهلها خيانتهم ودجلهم . وإني لأثق أن كل ما تمر به الأمة اليوم هو أمر قد خطط له من عقود سبقت , وتم الإعداد له من سابق عهد .

ففي وطني لا أستسيغ مطلقا هذا التمزق لقيادات وأعضاء عصبة المؤتمر الشعبي العام , بين مختلف المكونات والأحزاب , فهم دون غيرهم موجودون بكثرة وقوة في دولة الحوثي وحكومة الشرعية وسلطة المجلس الانتقالي , وأجدني مقتنعا أنهم وإن أبدوا خصاما وأظهروا فراقا , إلا أنهم يبطنون بينهم تفاهما وتوافقا , وهدفا مرسوما محددا .

ووسط عصبة مؤدلجة محليا ومنظومة عنكبوتية دوليا , قد أجمعت أمرها وعزمت قرارها على استئصاله , يظل تجمعُ الإصلاح اليمني في فقه الموازنات سائرا , وفي قاعدة المصلحة والمفسدة دائرا , وفي تحري أهون الشرين وأخف الضررين محتارا , يساير هذا ويداري ذاك , يدعم موقفا هنا ويساند قرارا هناك , ساعيا دوما إلى رأب الصدع ولملمة الصف وعدم التفرد بموقف وقرار يبيح للعصبة أن تجعل منه مدخلا لتحقيق هدفهم نحوه .

أثق أنه مدرك لما يستهدفونه به , وما يخططونه من مكر له , ولذا يسعى وسط كل ذلك الموج المتلاطم الغادر للعوم , محافظا على صفه وناجيا بأبنائه من غرق مفاجئ يلحق به . ولكن إلى متى ؟!.

بقلم - محسن معيض ابو الحسنين
 
نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام الموقع ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، ولتحليل حركة الزيارات لدينا.. المزيد
موافق