عدن نيوز - عدن برس - 19-4-2008
تقرير المصير.. المخرج السلمي الوحيد المتبقي
بقلم/ أمين اليافعي
القاهرة لندن " عدن برس " خاص : 15 – 4 – 2008
اجرت صحيفة "الخليج" الإماراتية يوم الخميس الموافق 10/4/2008م
حواراً مطولاً مع قيادات سياسية يمنية حزبية ومستقلة، وكان الغرض
من هذا الحوار الوقوف على ملابسات الأحداث الجارية في الجنوب
خلال الفترة الماضية، بدءً بالمسببات الأولية لهذه الأحداث وما
نتج عنها من تبعات كخروج المسرحين والمتقاعدين عن صمتهم الطويل،
ونزوحهم إلى الشارع للاعتصام، ومروراً بما نتج عن هذا النزوح من
تبعات أخرى كالتفاف كل أبناء الجنوب حولهم وخروجهم هم الآخرين عن
صمتهم الطويل تجاه قضيتهم الأم ( أو بما يُعرف بالقضية الجنوبية)
التي تحوي في طياتها كل المشكلات والاختلالات منذ حرب 94م،
وصولاً إلى التفاعل الداخلي والإقليمي والدولي الذي رافق عملية
الخروج، ثم تبعات هذا التفاعل.. وقد شمل الحوار ممثلين عن
المعارضة والحكومة ( أبو بكر باذيب الأمين العام المساعد للحزب
الاشتراكي، الدكتور محمد السعدي الأمين العام المساعد لحزب
التجمع اليمني للإصلاح، عبدالله غانم رئيس الدائرة السياسية
لحزب المؤتمر الشعبي العام)..
ما أثار اندهاشي في هذا الحوار هو غياب القضية الجنوبية ـ المخصص
لها الحوار ـ بصورتها الحالية عن حديث الممثلين للسلطة
والمعارضة، وتناول أسبابها وأهدافها بصورة عبثية وكأنها عبارة عن
مناكفات حزبية كالتي عادةً ما تبرز إلى السطح قبل كل استحقاقات
سياسية!.. وإن لاحت بعض المرات القليلة في أحاديثهم، تلوح عن أفق
سديمي وهي في بداياتها الأولى قبل أن تمر بمراحل وافرازات عدّة
وفارقة. .
وباعتقادي أن غياب التصور الصحيح للقضية وعدم الإحاطة الشاملة
بشكلها النهائي ـ كما نشهد ذلك من خلال هذا الحوار ـ هو جوهر
المشكلة التي يعانيها طرفيّ السلطة والمعارضة فيؤدي ذلك إلى غياب
تعاملهم السليم معها على أرض الواقع وإخفاقاتهم المستمرة في
مواقفهم العملية المتخذة.
فمنذ اشتعالها الكبير وفي خلال فترة وجيزة وبصورة أدهشت المنظمين
أنفسهم، وخروجها عن النطاق الضيق المتمثل في قضية المتقاعدين
والمسرحين.. ظلت الأوساط السياسية ـ خصوصاً في الشمال ـ تنظر
إليها وتتعامل معها بحذر وعدم فهم للمحرك الحقيقي والهدف من
وراءها، وظلت تُساءل نفسها: هل هي مطالب حقوقية وسياسية تحت سقف
وحدوي أم هي المطالبة بالاستقلال والعودة إلى دولة الجنوب
العربي؟
وقد ظهر هذا الحذر وعدم الفهم جلياً في ارتباك رؤيتها حيال
القضية في البداية، واللوذ بالصمت أحياناً، وأحياناً أخرى
بالتخبط في تبني مواقف غير واضحة تجاهها! وبدت وكأنها تنتظر صوت
"جهيزة" يأتي من الجنوب بالفرج ليقطع قول كل خطيب، ويخرجها من شر
الارتباك والمعمعة ( خصوصاً وقد ظلت هذه الساحة في حالة ترقب
دائم لاحتجاج لا محالة منه كما يؤكد لقب "الانفصالي" الذي لصق
بأبناء الجنوب منذ الحرب بغض النظر عن موقفهم من الوحدة).
ولم تستغرق عملية الانتظار وقتاً طويلاً حتى خرج علينا مرشح
الرئاسة عن اللقاء المشترك فيصل بن شملان في مقابلته الشهيرة مع
صحيفة النداء (بتأريخ 21 فبراير 2008م) بعد عدة أشهر من زحزحة
القضية ليفك اللغز، وليطمئن صنعاء بتقديمه قراءة ـ اُعتبرت وافية
وشافية في ذات الوقت! ـ لطبيعة هذه الاحتجاجات ووحدوية الأهداف
التي يقف وراءها اللقاء المشترك، مشيراً ـ ليثبت عملياً صواب
رأيه ـ إلى مهرجانٍ معيّن دعا إليه تيار إصلاح مسار الوحدة (ذو
التوجه الانفصالي كما يصفه الكثير بالرغم من كون اسمه الاسم
الوحيد بين أقرانه من الأحزاب والتيارات اليمنية في جنوب اليمن
وشماله الذي يشتمل على مفردة "وحدة"!) في المكلا، فلم يحضر هذا
المهرجان أحد!
ولم يكتف بن شملان في مقابلته بالوقوف عند قراءته للأحداث في
حدود الاحتجاجات، بل حاول القيام بتفنيد تنظيرات تيار إصلاح مسار
الوحدة، ونفي التَميُّز المدني بين الجنوب والشمال والهوية
المتعددة للشطرين، والتحذير من مغبة الوضع في حال حدوث الانفصال
بتفتت اليمن ـ مستشهداً على ذلك من تأريخ اليمن الممتد ـ إلى
كنتونات صغيرة وفي حالة حروب مستمرة!..
وما إن قال المهندس فيصل بن شملان كلمة الفصل في مقابلته هذه حتى
انشق جدار الصمت في الشمال ليخرج علينا ـ من كل حدبٍ وصوب ـ
المأصلون والمنظّرون والمأطرون علّهم يُعوضوا ما فاتهم نتيجة
تأخرهم عن ركب القضية، وتبنيهم لموقفٍ ما منها.. فيدعو المشترك ـ
بعد أسبوعين من المقابلة ـ إلى مؤتمر جماهيري في قلب الأحداث
(محافظة الضالع) لإثبات واقعية التنظير الشملاني، ولإخراس ضميره
الذي يناوشه بالتأنيب لعدم مبادرته المبكرة تجاه القضية، وليبيض
وجه قيادته الكبيرة الحاضرة للمرة الأولى مهرجان يتبنى مطالب
جنوبية خالصة (بن شملان وياسين سعيد نعمان ومحمد الصبري وفتحي
العزب)..
لكن الرد "الضالعي" كان قاسياً تجاه المهرجان، فتم الحيلولة دون
قيامه، وطرد قيادته مع جماهيرها المُستجلبَة، ليسقط بذلك التنظير
الشملاني سقوطاً مدوياً!..
ومع هذا السقوط المدوي، ظلت الإشكالية في التعامل مع القضية
الجنوبية قائمة، فلم يتم قراءة الرد قراءة تجعل الأوساط السياسية
في صنعاء تعيد تقويم رؤيتها والتعامل مع القضية بالشكل السليم.
وبدل عن ذلك، خرجت عن إعلام المشترك أسراب من المنشورات تسفه
وتكفّر من حال دون قيام المهرجان الحاشد (على قولها)، وتعزو
المنع إلى مجموعة من المشاغبين والمخربين والمتآمرين! بالرغم من
وضوح الحقيقة لهم كالشمس، فالمشترك لم يتجرأ بالدعوة إلى مهرجان
آخر ( حاشدٍ كان أم غير حاشد) في أي منطقة جنوبية بعد هذا
المهرجان( حتى محافظة حضرموت التي ينتمي إليها بن شملان وتخلو من
مؤيدي الدعوات الانفصالية كما أكد في المقابلة، لم يُقام فيها
أي مهرجان باسم المشترك بعد هذه الواقعة!).
وباعتقادي أن هذه المواقف لم يتم استيعابها جيداً ( وربما تم
النظر إليها بنوع من التعالي!)، ولا لمواقفٍ كثيرةٍ كانت كفيلة
بوضع النقاط على الحروف في هذه القضية!.. فسالم صالح محمد مستشار
الرئيس ورئيس لجنة معالجة آثار حرب 94 عندما يُحدّث الرئيس عن
نظرة أبناء الجنوب للجنوبيين المحسوبين على سلطة صنعاء بأنهم
خائنون لقضاياهم، ويصفونهم بالطابور الخامس والعملاء دون أن يتم
التعامل بجدية مع نظرةٍ كهذه لن يزيد إلا اتساع المسافة بين مطلب
القضية الرئيسي والأبعاد التي يُحاول حصرها فيها، وسيحول ـ
بالتأكيد ـ دون المخرج السلمي المُرضي لجميع الأطراف.. كما أن
التعامل معها في إطار البُعد الاقتصادي والتنموي لن يسير بها في
الطريق الصحيح، فالأموال التي أنفقها الرئيس على شخصيات جنوبية
أثناء فترة أقامته في عدن، وتعينه لكثير منهم في ممناصبٍ قياديةٍ
كبيرةٍ.. والمشاريع التي يتحدث عنها الأخوة في الشمال بأنها
أصبحت ـ أغلبها ـ تتدحرج باتجاه سلة الجنوب ( وإن كان لي وجهة
نظر في هذا الموضوع، فالمشاريع التي تأتي من صنعاء لتُقام في
الجنوب، تستجلب معها كل طاقمها من أبسط عامل إلى الرئيس، وهي في
حقيقة الأمر لا تُقام إلا لترفيه الأثرياء القادمين من الشمال في
أجازاتهم؛ كما تفعل الآن المتنزهات في عدن، ويكتفي الجنوبيون
المسحوقون فقراً وبطالة بالفرجة على الكيفية التي تُصرف بها
ثرواتهم!).. هذه الأموال والمناصب والمشاريع لم تخفف من شدة
الاحتجاجات وحدة توجهها إن لم تفعل العكس تماماً!
ويُعد شطب صورة عبد الفتاح إسماعيل التي كانت ضمن اليافطة
الشهيرة لشهداء أحداث 86م (اليافطة التي تضم صور كل من علي عنتر
وصالح مصلح وعلي شائع وعبد الفتاح إسماعيل) بمهرجان الحبيلين
المليوني في الاحتفال بالذكرى الربعة والأربعين لعيد ثورة أكتوبر
واستبدالها برمز جنوبي آخر.. يُعد هذا الشطب أبرز المواقف التي
تُظهِر حجم التوجه الجنوبي المتنامي تجاه موقفه من الشمال.. فعبد
الفتاح إسماعيل ـ كما يعلم الجميع ـ رمز وصناعة جنوبية خالصة،
وكانت له شعبية طافحة في الجنوب لدرجة أن جميع الخلافات التي
نشبت في الجنوب سابقاً وحدث عنها تغييراً جوهرياً في رأس السلطة،
كانت الكفة تميل دائماً إلى الطرف الذي يوجد فيه عبد الفتاح
إسماعيل! ومع ذلك، وبحكم مولده في الشمال تم إسقاطه بسهولة، كم
تم إسقاط كل من حاول أن يعتلي منصة المهرجانات الاحتجاجية في
الجنوب وجذوره تعود إلى الشمال بـ"برع برع يا استعمار، ولا وحدة
بعد اليوم"!..
وهذه المواقف ـ الموغلة في العمق ـ لا تخبرنا عن وجود رفض جنوبي
لأي مواقف شمالية حتى ولو كانت هذه المواقف داعمةً للقضية؛ ففي
خطابات عدّة لقادة الحراك في الجنوب يتم فيها توجيه الشكر
والتقدير للمهرجات المساندة للقضية والتي تُعقد في مأرب وتعز
وغيرهما.. بقدر ما تخبرنا عن توجه حاد لفك أي ارتباط بالشمال على
أرض الجنوب ولو كان كلمة في مهرجان! وحتى يكون هذه "الانفكاك"
أكثر فاعلية، يجب أن يُبدأ أولاً بإسقاط الرموز الشمالية مهما
كان حجمها التاريخي!..
لكن الأوساط السياسية في صنعاء تحاول أن تراوغ على ما يقوله لها
هذا الواقع بإلغاء اللوم عادةً على مجموعة من المشاغبين
والمخربين والمتآمرين من الخارج حتى تتفادى بذلك من الاصطدام
بالحقيقة المرة القائمة حالياً في الجنوب والتي تنحو بشكل حاد في
اتجاه فك الارتباط والعودة إلى دولة ما قبل 22 مايو 1990. وهي
بكل ما لديها من طاقة إعلامية تحاول أن تعتم تماماً على مثل هذا
التوجه؛ فأي اعتراف به من قِبَلها ـ تبعاً لحساباتها الضيقة ودون
آبهة لرأي الشعب في الجنوب ـ والذي يرجح وجهة نظر تيار انشق
عنها، وكانت تهمشه وتزدريه، وتحلف بخيبة مسعاه، وخلو وفاضه من
المشيعين؛ هو اعتراف منها بفشل مشروعها كلياً والذي يقوم على
أساس هذه القضية سواء كان ذلك في الحزب الحاكم الذي يدّعي
بملكيته للوحدة ويبني مشروعه السياسي عليها ويعتمد في نجاحه على
استمرارها.. أو في المعارضة التي تدّعي هي الأخرى ملكية تمثيلها
للقضية الجنوبية، وقولها بأن حل مشكلات اليمن لا بد أن يبدأ بحل
القضية الجنوبية في الإطار الوحدوي.
لكن كما قلنا سابقاً،لم يُلغى بالاً لهذه المواقف مع كثرتها وعمق
دلالاتها، وسارت السلطة والمعارضة في مسلكٍ ضيق ووعر رسمه
التنظير الشملاني في مقابلته مع صحيفة النداء بالرغم من الفشل
الذريع الذي لقيه هذا التنظير على أرض الواقع في أقل من أسبوعين،
لتصبح القضية الجنوبية عندهم مجرد مناكفات حزبية، وساحة صائغة
لتصفية الحسابات.
ولم يلتفت أحدٌ منهم إلى الرأي العام في الجنوب، والمراحل التي
وصل إليها، واليأس من مجرد التفكير بوجود حل للأمور عبر الوحدة
على حد تعبير الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي أبو بكر
باذيب (وهو ممن يؤيدون حل القضية في الإطار الوحدوي).. لم يُعر
الرأي العام في الجنوب أدنى التفاتة، ولم تقف الأوساط السياسية
في صنعاء لتقييم حقيقة الوحدة القائمة بشكل حيادي ولو مرة واحدة!
فالوحدة نظرياً ـ خصوصاً عند أهل الجنوب ـ قد انتهت وانحلت
عقودها لأن أهدافها لن تتحقق قط! فلا حياة كريمة توفرت في ظلها،
ولا أمن واستقرار ورخاء حل، ولا دولة عزيزة منيعة قامت، بل تحول
اليمن إلى مغارة للإرهابيين والناصبين والمافيا، وتحول اليمنيون
إلى متسولة في كل بقاع الأرض!.. وكل ما يُدعى حالياً بأن الوحدة
قائمة على أساسه، ما هو إلا ادعاء رخيص باطنه "فيدي" باعتبار أن
حوالي 85% من ميزانية اليمن تأتي عن طريق ثروات الجنوب واليمن
بهذه الحالة الحرجة، فكيف إذا ذهب الجنوب بثرواته؟!
وفي النهاية، اعتقد أن أي طرف جاد يسعى لإيجاد مخرج سليم وسلمي
للقضية الجنوبية ـ وليس باستغلالها لصالح حسابات خاصة ـ ينبغي
عليه أن يتبع الخيط الوحيد المتبقي بالمطالبة في حق "تقرير
المصير" للجنوبيين. فحق تقرير المصير ـ كما قلنا في مقال سابق ـ
لا يعني إلغاء الوحدة بقدر ما يعني إعادة إصلاحها عن طريق رد
الكرامة لشعب الجنوب بعد الحرب والمهانة التي لحقت بهم، وإشعارهم
بأهمية رأيهم، ومشاركتهم في صناعة القرارات المهمة، وعلى الأقل،
لتذهب عنهم تهمة الانفصالية اللاصقة بهم دوماً ـ وما يترتب عليها
ـ باعتبار الفضل يعود لهم ـ للمرة الثانية ـ في تحقيق الوحدة في
حال تم الموافقة من قِبلهم على العيش في كنف دولتها..
أما منعه عنهم فلا يؤدي بهم إلا في اتجاه إشعارهم بعدم الثقة
بوحدويتهم، لذلك فهم سيتجهون بقوة نحو رفضها جملة وتفصيلا حتى لا
يعيشوا في ظل دولة وتهمة الخيانة ( أي الاتهام بالإنفصالية)
تُختم على جبينهم منذ اليوم الأول لبزوغهم إلى الحياة!..
وما دون ذلك من حلول سيبعد المناخ السلمي عن الحل الشامل لهذه
القضية كما أشرنا أنفا، وحتى اللجو إلى الحرب ـ التي أشار إليها
رئيس الدائرة السياسية لحزب المؤتمر الشعبي العام عبدالله غانم
في حديثه مع صحيفة الخليج سابق الذكر ـ في حال المطالبة
بالانفصال لن يكون خياراً كاسباً للسلطة وثقيلاً ـ في الوقت ذاته
ـ على المطالبين بالانفصال في دولة أصبح فيها استخدام السلاح
لانتزاع الحقوق أهون وأربح بكثير من استخدام الوسائل السلمية!
واتفاقية الدوحة الموقعة مع الحوثيين مقارنة مع الوضع المزري
لأهل الجعاشن مع شيخهم خير دليل.
والله من وراء القصد.