عدن نيوز - خاص - 11-7-2007

القضية الجنوبية وحوار الأحزاب

سالم محمد حسين الضباعي


وثيقة " قضايا وضمانات وضوابط الحوار" التي جرى إقرارها والتوقيع عليها مؤخراً في صنعاء بين المؤتمر الشعبي العام التنظيم السياسي الحاكم والأحزاب المعارضة الممثلة في مجلس النواب وهي التجمع اليمني للإصلاح والحزب الاشتراكي اليمني والتنظيم الشعبي الوحدوي الناصري وحزب البعث العربي الاشتراكي فجرت العديد من المواقف والردود والملاحظات وتظل مرشحة للاستمرار في توليد المزيد منها خلال المرحلة المقبلة.
وفي تقديري فإن أهم وأبرز المواقف وردود الأفعال المرشحة للتصاعد هي تلك القادمة من أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية التي كانت تنضوي في كيان وطني ودولي ضامن لسيادتها واستقلالها هو دولة "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" أو ما يعرف بأدبياتنا السياسية بالشطر الجنوبي من الوطن وهو الكيان والدولة والشطر النظير لدولة "الجمهورية العربية اليمنية" والشطر الشمالي من الوطن وهما الكيانان والدولتان والشطران اللذان حققا عن طريق الحوار السلمي و بالإجراءات السلمية التوحد والتوحيد فيما بينهما لصالح إقامة كيان ودولة واحدة موحدة هي الجمهورية اليمنية التي جرى الأعلان عن قيامها في 22 مايو 1990م والذي أصبح العيد الوطني الذي تحتفل فيه البلاد كل عام.
وبالفعل فقد جاء البيان الذي تداعت له عشرات من الشخصيات البارزة والنشطة من ابناء الجنوب من الذين يؤمنون بوجود قضية توحدهم وتهمهم وتؤرقهم هي ( القضية الجنوبية ) التي برزت موضوعياً عقب حرب صيف 1994م الأهلية التي عصفت بالتوازنات السياسية والحقوقية التي نشأت مع تحقيق الوحدة وقيام الجمهورية اليمنية والتي مافتئت تتعمق وتتوسع عبر السنوات اللاحقة وغدت اليوم تذكي مشاعر معظم أبناء الجنوب وقد حمل البيان الذي نشرته صحيفة "الأيام" اليومية في عددها الصادر يوم السبت 23يونيو الماضي مرارة وعلقم حساسية القضية التي رأوا كيف جرى تناولها في سياق الوثيقة الخاصة بحوار الأحزاب بما يزيد من مشاعر الألم والأحباط لديهم ويضاعفها من موقف أحزاب المعارضة وقد وعد الموقعين على ذلك البيان بصياغة رؤيتهم حول القضية الجنوبية كقضية وطنية وسياسية لا يستقيم الوضع الوطني والسياسي دون معالجتها وحلها بصورة عادلة ومرضية .
ولا تقتصر ( القضية الجنوبية ) على طرحها في البيان الأخير المذكور أو على من وقعوا علية حيث كما أسلفنا أنها قد نشأت موضوعياً عقب حرب 1994م فيما بدأ تتناولها على الساحة الوطنية والسياسية والحزبية والأعلامية منذ ذلك الوقت أيضاً وإن بوسائل وأشكال وصياغات مختلفة ومتفاوتة وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد نشر الدكتور ابوبكر السقاف الأكاديمي والمفكر الوطني المعروف مقالة الشهير ( الاستعمار الداخلي ) في صحيفة "الأيام" مباشرة عقب تلك الحرب وعلى الصعيد السياسي والحزبي قال الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في رسالة وجهها للأخ الرئيس علي عبد الله صالح عشية التحضير للانتخابات النيابية الثانية وتحديداً يوم 22 سبتمبر 1996م وكان لايزال شريكا في السلطةً ومعه التجمع اليمني للإصلاح :( إن البدء بتزوير إرادة الناخبين منذ الآن لا تعكس فقط إنعدام ثقة بعض عناصر المؤتمر الشعبي العام ولكنها إلى ذلك تثبت لجميع الأطراف الوطنية والإقليمية والدولية إن الفضل في نزاهة انتخابات ابريل 1993م يعود إلى وجود الحزب الاشتراكي كعامل توازن في السلطة وليس إلى اقتناع حقيقي بالديمقراطية ، واحتكام إلى صندوق الأقتراع وهذا الأمر لن يسئ إلى المؤتمر الشعبي العام فقط ولكنه سيسئ إلى سمعة بلادنا ) .
في العيد الوطني العاشر كتب الباحث والمتخصص في الشئون اليمنية د. حسن ابو طالب مقالاً أعادت صحيفة "الثوري" نشره في عددها الصادر يوم 15يونيو 2000م عن ((الأهرام )) المصرية ومما جاء فيه :
(( دموع كثيرة يمكن أن تذرف اليوم بعضها فرحاً على مرور عقد لحدث عزيز واغلبها حزناً على إضافات لم تتم ، ونهج لم يستكمل ووضع قاس لا يستحقه أحد أكثر الشعوب العربية إعتزازاً بذاتة وتاريخ حضارته . فلم يتوقع أحد أن يتقاتل أبناء الوحدة وصانعوها ، لكن هذا الذي حدث في صيف 1994م . بل والأكثر بات جزءاً من صانعي الوحدة مطلوب للقصاص باسم الحفاظ على الوحدة نفسها.
ولم ينتظر أحد أن ينفرد فريق بكل أسباب السلطة والنفوذ ، ولكن هذا الذي جرت وقائعه ومازالت بالقوة والعسكر.
ولم يظن أحد أن تنتهي لعبة التعددية إلى هيمنة حزب واحد وان يقبع الآخرون دون نصيب يندبون حظهم ويتنادون من أجل الحفاظ على كيانهم الواحد ، لكن هذا الذي انتهت إلية تجربة ست سنوات بعد حرب أهلية على السلطة قبل أن تكون على الوحدة .
ولم يتصور أحد أن وعود الوحدة في التنمية الشاملة وحسن المعيشة والحفاظ على المنجزات السابقة قد تتبخر بتلك السرعة الفائقة لكن هذا الذي تم .
مفارقات بالجملة تفسد جمال اللحظة وشاعريتها القومية ، بيد أن التفاؤل بغد أفضل لم ينتهي بعد ، فشعب يمتلئ بالحيوية ويسنده تاريخ طويل من خبرة الحياة والخروج من دوائر الألم لن يعدم وسيلة تصحيح مسار الوحدة وإعادتها إلى طريقها المعلن قبل عشر سنوات طريق الديمقراطية الحقة والتنمية الشاملة والتداول السلمي للسلطة. ))
كان ذلك العام 2000م رغم الانهيارات المريعة والمستمرة في حياة الناس المعيشية عاماً مفعماً بالأمل حيث انه على الصعيد السياسي قد أعقب الولاية الأولى للرئيس علي عبد الله صالح عن طريق الانتخابات التنافسية وان كانت شكلية كما أعقب ايضاً النجاح في حل قضية احتلال جزيرة حنيش الكبرى فيما تحقق فيه ايضاً انجاز الحل النهائي لترسيم الحدود مع الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية وجرى إعداد مشاريع القوانين الخاصة بانتخابات السلطة المحلية بعد انتظار طويل وكذا تطوير المجلس الاستشاري إلى مجلس للشورى بصيغة أرقى .
على أن السنوات السبع اللاحقة حتى اليوم كانت كارثية بكل معنى الكلمة تبخرت فيها بصورة نهائية كل الآمال وكل مصداقية في الخطاب السياسي واستهلكت فيها كل الوعود على كافة الأصعدة وفي جميع المجالات وتسيد الفساد الساحة دون منازع في جميع أرجاء البلاد وبصورة محزنة وفاجعة تم تجيير كل شعار يرفع وكل وعد يقطع وكل إجراء يتخذ بعناوين إصلاحية إيجابية من خلال التطبيق ليغدو في صالح قوى الفساد وليصب في تغذية المزيد من عوامل العذاب والقهر والتنكيل للغالبية العظمى من أبناء الشعب في دورة جهنمية تبدو وكأنما لا فكاك ولامناص منها , وتكاملت واحدهّ من ابشع وجوه مآلات اوضاعنا الوطنية عند وبعد إندلاع الحرب الأولى في صعدة عام 2004م حينما دقت طبول السلطة والحكم ومزاميرها المسموعة والمرئية محذرة من إنبعاث الأخطار الجدية المهلكة على النظام الجمهوري وعلى الثورة وعودة النظام الأمامي الملكي الطائفي البائد إلى الحياة من جديد ؟!!
ومع أن المعاناة والمرارة والألم قد عمت معظم أبناء الشعب في جميع محافظاته ومناطقه
إلا أنها كانت أنكى وأمر أضعافاً مضاعفة على أبناء الجنوب الذين كانوا يتجرعونها ولا يزالون دوناً عن بقية إخوانهم من أبناء المحافظات الشمالية بكونها نتاجاً حتمياً لمصادرة وجودهم وإرادتهم وفعلهم إثر هزيمتهم في حرب 94م .
ونختتم موضوعنا هذا بالإشارة إلى ما قاله الشاعر العربي الفلسطيني الكبير/ محمود درويش
في كلمة له القاها في احتفال بجامعة بيرزيت بمناسبة إنتصار المقاومة الإسلامية اللبنانية وتحرير جنوب لبنان يوم" 29مايو 2000م " حيث ورد في السياق :
(( ليس هناك نصر نهائي ولا هزيمة نهائية , فهذان المفهومان يتقنان لعبة التناوب والاحترام المتبادل , لكي يكمل السيد التاريخ حركته اللانهائية .
المهم هو ماذا يفعل المنتصر بالنصر , وماذا يصنع المهزوم بالهزيمة ولعل بعض الهزائم صالح لبلوغ البشر مرحلة النضج المعنوي والأخلاقي , ولعل بعض الانتصارات أخطر على البعض من الهزيمة لأنه يعفيه من ضرورة الإصغاء إلى صوت الزمن ))
ولقد اثبت أشقائنا الذين افترضوا انتصارهم في حرب 94م علينا نحن الذين تخلينا عن الكيان والدولة وهاجرنا عاصمة الدولة وعواصم ومدن المحافظات والمناطق الجنوبية إلى صنعاء أنهم كانوا بنصرهم خلال وبعد اثناعشر عاماً أخطر من الهزيمة على أنفسهم وعلى الوطن وأننا بهزيمتنا المفروضة قسراً نسير بثبات نحو بلوغ مرحلة النضج المعنوي والأخلاقي هكذا سرنا ونسير على درب الألم والمعاناة على طريق التسامح والتصالح والتعاضد والعطاء والتسامي والإصرار على استعادة أبناء الجنوب لمكانتهم ودورهم في مشروع الدولة والديمقراطية والحرية والوحدة وانتصار هذا المشروع باستعادة أبناءه الجنوبيين الأوفياء فليست القضية الجنوبية (( كوتا نسائية )) حسب المحامي والناشط السياسي د.محمد علي السقاف
أو بالوجه الآخر (( قضية حقوقية )) كما وصفتها وثيقة (( قضايا وضوابط الحوار )) الموقع عليها في صنعاء .

*مستشار مكتب رئاسة الوزراء
للشوؤن السياسية والأعلام.