عدن نيوز - خاص - 15-3-2007
الشهداء الدلاله والعبر
في زمن نبش القبور

المهندس /علي نعمان المصفري
تاريخ الشعوب حافل بالتضحيات والبطولات.. في كفاحها ضد القهر والظلم والاستعباد
..
والشعوب الحيه هي التي تصنع الامجاد... وتخلق المعجزات للنهوض ببلدانها لملاحقه
ركب التطور الحضاري ومسايره روح العصر.
ومن هذا المنطلق... كان الشهداء وقودا لذلك النهوض ومفتاح اخراج المشروع الوطني
لبناء الاوطان لكسر طوق العزله والجمود لتاريخها ورفض الظلم والاستبداد
للمحتلين.
وفي تاريخنا المعاصر كان لشعبنا في جنوب اليمن ماثر عظيمه اجترحها شعبنا البطل
وقدم العديد من ابناءه فداء للوطن وفي سبيل احقاق حقوقه ونزع حريته من المستعمر
بقوه السلاح والصمود والمعاناه وكان لابد من صنع البطولات لكي يتوق الوطن نحو
التحرر من التخلف وبناء الدوله الوطنيه الحديثه بافاق حضاريه تستلهم تطورها من
الاهداف النبيله التي حملتها ثوره 14 اكتوبر 1963 وتتويجا للجهود الوطنيه
للحركات والتنظيمات السياسيه في مختلف مراحل النضال الوطني ضد الاستعمار.
لقد كان الشهداء نبراسا مضئا أنار لاجيالنا طريق الخير والسلام والامن
والاستقرار حتى تم تتويج هذه النضلات بالاستقلال السياسي الناجز في 30 نوفمبر
1967 وبدايه مرحله البناء.
نشوه النصر تجلت معالمها فيما ورد على لسان احد الشهداء عندما قال:
(عندما رفع العلم في 30 نوفمبر 1967 شعرت حينها ان الكابتن هينز قد هزم).
لقد قدم شعبنا في جنوب اليمن فلذات اكباده قربانا لذلك اليوم العظيم واجترح
الشهداء كل اساليب الكفاح السياسي والثقافي والفكري والعسكري وقدمت كل اسره من
شعبنا تضحيات باشكال مختلفه فمنها من قدم المال.. والسلاح ومنها من قدمت
ابناءها.. وفقدت وظائفها ومساكنها والبعض من تعرض للتعذيب والتنكيل والقتل
واخرى للسجن والتشرد في بقاع الدنيا وفي تلك الاثناء صارت ثوره الجنوب الثائر
ملحمه بطوليه اضيفت الى ماثر الشعوب المكافحه من اجل نيل استقلالها كالجزائر
والملايو والجنوب الثائر كما كان يردد بالاغاني والاناشيد الوطنيه من اذاعه صوت
العرب.
لقد اعتبر الجنوب مسرحا مهما لاحتدام اعنف صراع عرفه الوطن العربي في تاريخه
المعاصر بين المد القوي لحركات التحرر بزعامه القائد الراحل عبد الناصر
والامبراطوريه البريطانيه والتي كانت حينها تعد اكبر امبراطوريه عرفها التاريخ
الحديث.
وفي هذا السياق اصبح للقوى الحيه في مجتمعنا دورا بطوليا تجلى في اجبار
بريطانيا على الاستجابه لاراده الشعب والتسليم بحقوقه والجلاء عن اراضيه بعد ان
عمدت هذه النضالات بالتضحيه من دم ومال وعرق ومعاناه كانت العناوين البطوليه
للصمود وخلق الاراده للتحرر والانعتاق تاسيسا لمرحله البناء الوطني وتجلى ذلك
في تأسيس الدوله الحديثه ومصفوفاتها القانونيه والحقوقيه والنقابيه والعلميه
التي اوصلت مجتمعنا الجنوبي الى استحقاقات كابرنا بها امام الامم والشعوب وعكست
روح الاصاله وعمق الارتباط بالارض والهويه وبنت الشخصيه الوطنيه وبددت كل
الحواجز الشائكه واخرجت البلاد من مثلث الجهل والفقر والمرض والحقته بالعصر
لمجارات العالم والحضاره وخلقت الوعي الجديد نحو افاق رحبه للعمل والسكن
والتعليم والصحه وبعثت من جديد الانبعاث الوطني وفكت العقد الاجتماعيه وارست
علاقات انتاجيه جديده وبنت ادوات جديده للاقتصاد الوطني وعمقت ارتباط الانسان
الجنوبي بموروثه الديني والوطني ووحدت البلاد من سيحوت الى باب المندب وكسرت
الجمود التاريخي واضافت نوعيه جديده للمفاهيم والقيم والمثل الاخلاقيه تاسيسا
لما حملتها عقيدتنا السمحاء وقدمت الجنوب الى العالم على صفحه مضئه ومشرقه كان
نتاجا لتضحيات الشهداء واثمرت الدوله الفتيه زهرات من مزارع الخير والوفاء
والعطاء وصارت اشجار وارفه ظللت كل بقعه في الوطن بالمن والاستقرار وخلقت روح
عصريه جديده استجابه لمطالب الجماهير وصارت جنوب اليمن واحده من البلدان التي
يشار اليها بالبنان في ميادين العلم بفتح ابوابه امام الفقراء والمعدمين وصاغت
الدوله الوطنيه مسالك النهوض تمثل في الانجازات العظيمه التي مست الارض
والانسان وبينت ان لدى شعب الجنوب مخزون ثقافي هائل يمكن استغلاله في احداث
التنميه الاقتصاديه والاجتماعيه.
وتاسيسا عليه اقيمت المشاريع في مختلف فروع الاقتصاد الوطني وبنيت الجامعات
وانشأت المدارس والمعاهد والمستشفيات واقيمت التعاونيات والمشاريع الانتاجيه
والخدميه وامتدت الخدمات الصحيه والتعليميه الى كل قريه وتحرر شعبنا من الاميه
باعتراف الامم المتحده وخفضت البطاله الى ادنى مستوياتها في العالم.
لقد تميزت تجربه الجنوب بمزايا جعلتها تنفرد عن الكثير من مثيلاتها بالعالم
وصعدتها الى مستويات متطوره ظلت نموذجا للعطاء والامن والاستقرار الاجتماعي
وخلقت فرص عمل ووفرت قناعات وطنيه ساهمت في خلق ضمانات لبناء وطني ساهم في خلق
الطبقه الوسطى والتي بدورها مثلت بوابه لخروج المجتمع من طور الماضي الى ركب
الحاضر وساهمت في توسيع المدارك وافراد مساحات واسعه لتطوير النظم والاداره في
مختلف جوانب الحياه وبذلك تم ايفاد المئات من الشباب الى جامعات البلدان
الشقيقه والصديقه خرجت العديد من الكوادر في مختلف الميادين.
كل هذه الانجازات كانت ثمار تضحيات الشهداء.
وفي ذات الوقت الذي اشير فيه هنا الى يوم الشهداء الذي صادف هذا الشهر وتحديدا
يوم 11 فبراير كان على الاقل حتى الاشاره اليه من قريب اوبعيد الا انه وللاسف
الشديد لم يرد ذكره ولن يتم الاشاره اليه وامل ان لايكون ذلك الا غمضه عين
مؤقته لاتنبري الا على صدق رؤيه الشهداء والاستدلال بطريقهم كلما جار الزمان
بقوم.
أن المؤلم في الأمر ماالت اليه الاحوال في جنوب اليمن بفعل سياسات الاستعداء
والاستعلاء لقوى التخلف والجهل وخصوصا بعد7 يوليو1994 عندما فشل المشروع
الوطني لاصطدامه بقوى التخلف وعدم قدرتها على استيعاب مضامينه الانسانيه
والثقافيه وعزوفها عن فهم كلما هو حضاري يتسم بوعي وثقافه الانسان الجديد وحبها
الدائم في الابقاء في مربعاتها المتخلفه وبالذات فيما يتعلق باقدام القوى
المنتصره على نهب اراضي الجنوب وثروته وتهميش ابناءه وكنس كل انجازات الثوره
الوطنيه بل ومحاوله طمس الهويه الجنوبيه وقامت هذه القوى باحرام شعبنا من حقوقه
في الحياه من خلال تسريح كوادر الجيش والامن والتقاعد الاجباري لكوادر اجهزه
الدوله المدنيه واخيرا التقاعد الاجباري لاساتذه جامعه عدن.
لقد عمدت سياسه التهميش على عزل شعبنا عن كل ما يتصل بارتباطه بالارض ابتداء من
الهويه ومرورا بسسياسه القتل والسجن والتشريد لابناء الجنوب والعمل المستمر على
احداث تغيير ديموغرافي لمصلحه االدوائر المتنفذه لمحاوله فرض واقع جديد على
شاكله ماجرى لشعب الايمو او الهنود الحمر ولم يدركوا من ان شعبنا ضارب اطنابه
في عمق الارض ودم ابناءه معصوره من ترابه وماءه وصخوره مهما اقدموا على
مشاريعهم فلن يكن امامهم الا الانسان البطل قلعه للصمود وفكر ناضج وتضحيه
لاتعرف المبائعه ولايمكن ابدا ان يقبل الا باعاده الحقوق ورفع المعاناه بالطرق
السلميه وبما يضمن حقه في الدين والعروبه.
لقد بينت ممارسات القوى المتنفذه في نبش قبور الشهداء بالامس في الصولبان
واليوم في معسكر طارق دناءه الاسلوب وخروجه عن المله والمعتقد والعرف بل و بين
من انهم قد ذهبوا الى ابعد حدود التخلف واظهرت من انهم بالفعل لايفقهون شئا
غير غرائزهم الحيوانيه وشهوتهم في الارض والثروه الجنوبيه حتى لم يكتفوا في
انهم صادروا كل شي عن الاحياء , نهمهم وجشعهم جعلهم يتطاولون الى ان ينبشوا
قبور الشهداء لكي يبيعوا الارض وحتى لم يتركوا الاموات ينعمون بخلودهم الابدي
في جناتهم.
ان زمن نبش القبور بين بما لايدع مجالا للشك ان قوى الفساد قد احكمت سيطرتها
على كل مفاصل الدوله واحجبت كل منافذ الرؤيه الا من خلالها وان الانسان ليس
همهم بل والمهم هو مصالحها دون ذلك يبقى بعيدا عن اهتماماتها .
انها جريمه نكراء ويحق لنا ان نفخر باعتزاز لصمود اهل وذوي الشهداء وكل ابناء
شعبنا من عدن ولحج والضالع وابين وشبوه وحضرموت ووقوفهم الشامخ والصامد بصدق
وكبرياء في وجه هذه القوى المتنفذه كل هذا خلق لدى شعبنا قناعات ثابته بان من
كانوا بالامس على اختلاف اصبحوا الان صفا واحد وانهم بذلك اعلنوا ان زمن
الخلافات ولى وان حركه التصالح والتسامح قد استطاعت ان تضطلع بدورها الانساني
في توحيد الصف ونبذ الخلافات وبذلك تؤكد حقيقه ان الشعوب لها الكلمه والنصر
من عند الله وهو على كل شئ قدير.