عدن نيوز - صحيفة الوسط اليمنيه - 9-2-2007

 إلى المعارضة مع قرفي

تمسين في فراش الخليفة.. تصبحين على خيل

 صلاح الدين الدكاك

الأربعاء 07 فبراير 2007

لم يكن البلد، في كل مراحله الفائتة، بحاجة إلى معارضة
شريفة وقوية كما هو بحاجة إليها اليوم. لكن المعارضة، التي
لم تقترف خطيئة الحضور الحقيقي ذات يوم، غابت اليوم أكثر..
أصحبت أكثر تلاشياً وميوعة وقلة حياء..
صارت مفردة كريهة تدفع بغثيان البطون الخاوية إلى الحلوق،
وتستفز رغبة الأفواه اليابسة المتشققة في البصاق على كل
حرف من حروفها، على كل لافتة وكل شعار وكل سحنة.. كان
بسطاء البلد وقطعان العطالة والمجذومون والعراة والسذج، قد
شرعوا - لوهلة حماس نادرة - يحفرون اسمها على مداخل بيوت
القش والكارتون والصفيح وفي حدقات العيون المسكونة بالذباب
والبؤس.. قذفت إليهم المعارضة بخيط أمل، بخيط حلم، من
شرفات الدعاية والإعلان السياسي، فأطبقوا على طرفه
بالأشداق والقبضات.. ثم تحول الخيط إلى مشنقة وتناسلت
المشنقة مشانق وكلاليب وكلبشات تنهش أعناق ومعاصم
الملايين.. كانوا في مركز كرة اللهب ودفعت بهم المعارضة
إلى بؤرة حريقها، ثم ماذا؟!.. انسحبت إلى عتمة منصة الفرجة
وقعدت تشاهد كيف ينكل بهم شياطين «الجوستابو» وخبراء السحل
الرسمي!.. دفعت بهم إلى بدروم جهنم الحكم، ثم بلؤم وخسة
دخلت مغارة علي بابا تتقاضى حصتها من لحوم وأرواح بؤساء
البلد «المقشوع» لصولات المرابين والحرامية والمسوخ بلا
منتهى.
- نصف عام يوشك أن ينصرم منذ انفض «مولد أيلول» الذي خرج
منه البلد «بلا حمص»، فأين فر دراويش الحساء الساخن
والفراخ السمان؟! على أي مائدة عامرة برفات المعدمين، حط
أعضاء السيرك السياسي النقال؟! على أي النحور والأثداء
يجاهدون في هذه الساعة الجهنمية من عمر البلد؟! وعلى أي
البطون المليسة يكتبون بيانهم الحماسي القادم وسفر خروجهم
إلى الجمهور الساذج؟!
- نصف عام يوشك أن ينصرم منذ ولج فرسان الهتاف، خرج الصمت
والخرس، خرج علينا خلاله - الرفاق برواية أدبية مذهلة،
والإخوان بتعويذة، ناجعة للإيدز، والناصريون بدعوات زفاف
أنيقة إلى عرس ابن الشهيد. لكن أياً منهم لم يخرج على
الصمت المميت بـ«لاء» واحدة في وجه المذابح الحكومية
اليومية والسواطير المسلطة على معيشة شعب بأسره.
- نصف عام.. ارتفع خلاله رأس الدجاجة وانخفض رأس الآدمي.
صارت هذه تبيض - بالفعل - ذهباً تعجز غالبية الناس عن
تزيين موائدها به. في حين لم تفقس بيضة المعارضة عن شقري
رفض واحد، يصوصو في وجه حاكم الحظيرة وديك ديوكها، وسينصرم
نصف عام آخر ونصف عقد ونصف قرن دون أن تفقس بيضة هذه
الدجاجة القأقاءة عن شيء، لأنها غير ملقحة «بإرادة الشارع»
ووجع الناس.. لأنها تضاجع الفراغ وتبحث عن المال والبنون
في فراش المحاكم، لأنها لا تتفقد مضاجع الفقراء والكادحين
إلا لتلوط بأحلامهم وتبيعهم الصفير والهتاف ورائحة الخبز
المحال!!
.. وانفض «مولد أيلول» وقعد البلد في قلب الخراب، يستاف
الغبار والرماد ويلعق نزيفه القديم الجديد.. وإكراماً
لشهداء «مذبحة المليون ومائتي ألف صوت» كان على المعارضة
أن تشرب السم.. أن تبحث لها عن مقبرة جماعية تتوارى فيها
وإلى الأبد عن عيون من خذلتهم. لكنها راحت تشرب نخب
«الانتصار العظيم»، وتباهي بديمقراطية «لا نظير لها في
الشرق الأوسط».. ما الذي كان علي عبدالله صالح يطمع فيه،
ولم تحققه هذه المعارضة الخرقاء له؟!.. كان يبحث عن
الشرعية فمنحته الألوهية المطلقة، وكان يطمع في ورقة توت
فمنحته خزانة مكتظة بالسراويل، وكان يسعى لإخراس قلم رصاص
فسفحت المعارضة بين يديه كل الحبر وكل الشرف وأخرست شعباً
كاملاً وشنقت غابة أقلام.
.. ما الذي يبقى من المعارضة - أي معارضة- حين تقف من
السلطة موقف نديم الخليفة من الخليفة.. حين تذهب لتلعب مع
الملك دور واعظ الملك.. حين يركلها الحاكم من الباب فتندلق
عليه من النافذة.. حين تنهار مسافة النار والجنون التي
تفصلها عن القصر وتميزها في عين الكوخ.. حين تقبل أن تصبح
صلصالاً مرناً وعجوة تمر في قبضة الحاكم؛ يشكلها رضاه
ويلتهمها غضبه؛ يعبدها يوماً ويتبول عليها شهوراً؟
.. مال الذي يبقى من المعارضة - أي معارضة - حين يتماهى
مشروعها بمخاوف الحاكم الفرد لا بمخاوف وآمال
المحكومين؟!... حين تتنازل عن الرأس مقابل سلامة القدمين،
وعن حرية البلد مقابل الأمن الشخصي، وعن الوطن السليب
مقابل «المقرات المسلوبة».. حين تهلك أطهر نسلها بدعوى
الحفاظ على الخصيتين؛ وتفترس أجمل وأجرأ أبنائها، مثل قطة
مصابة بالهستيريا، تحت ذريعة الخوف على «شرف الحزب» من
علوج مباحث الأمن القومي!!.
- وانفض «مولد أيلول» وأطلقت السلطة العنان لألوية
احتياطية من «الدراكولات» ينهشون بلا لحمة - عظام سكان
الحضيض و..زحفت مجنزرات الموت - مجدداً - على عرائش عنب
صعدة المحروقة، وقبور أطفالها، التي لم يلتئم ترابها - بعد
- حول رفاتهم و.. كان على قادة «المضاعف المشترك الأصغر»
أن يشعلوا في ملابسهم النار على قارعة الطرق العامة، لكنهم
أشعلوا لفائف التبع الأمريكي والتفت سيقان اليسار بسيقان
اليمين المحافظ، وقعدوا يهزون الوسط، بتنظيرات رزينة
ومتعقلة عن وحدة الصف الوطني ويدخنون على ضفاف حرائق
البلد..
- وانفض «مولد أيلول» وصار لسان حل المعارضة «لسان حالي
جوي» و.. رحل خالد سلمان.. رحل بنصل خنجر صديق في الظهر،
ساحباً ذيل كبرياء ونهر دم...