عدن نيوز - صحيفة الثوري اليمنيه - 3-2-2007
في ذكرى الاستقلال الـذي ضـاع غـير مــرة

أبوبكر السقاف
تميزت ذكرى الاستقلال هذا العام بما يكاد يشبه التغييب الكامل لهذه
المناسبة التاريخية حقاً في ضجيج إعلامي يجعل حتى عطسة السلطان حدثاً
تاريخياً، ولا يبدو أن سبب التغييب يرجع إلى ضجة مؤتمر المانحين
القابضين، بل يمكن تفسيره بأن سياسة الطمس والإلغاء والتزييف التي بدأت
منذ 94/7/7 أينعت ثمارها فأصبح بالإمكان التعامل مع هذه المناسبة بكثير
من الاستخفاف، وقد ذكر أحد الصجافيين أن الموظف المسؤول في الإذاعة
المركزية طلب منه أن يتحدث عن المناسبة في حدود خمس دقائق فأحجم
الصحافي عن المشاركة. وهذا كله جزء من سياسة رسمية تهدف إلى مضاعفة
الاضطهاد الرمزي، الذي يطال دائماً تصور الذات عن نفسها. فالجنوب في
الوعي والكلام الرسميين لا تاريخ له إلا يوم في الوحدة بالحرب الذي
أدخله في رحاب التاريخ تحت رايات الغزو. وقبل ذلك كان إسقاط اسم عدن
العلم الذي يخفق في النفوس والخيال عن تليفزيونها إفصاحاً عن كراهية
لابدة في الوعي القبيلي للاسم ودلالاته، وتسمية القناة 22 مايو ورقة
توت وحدوية جافة تحاول نفي حقيقة تاريخية تؤكد أن القبيلة والسلطنة لم
تبن ولن تبني وحدة أو وطناً بالدلالة العصرية للكلمتين، لأن الاثنين
جزء من تاريخ ما قبل الدولة الوطنية في تاريخ كل الشعوب. وعدم استيعاب
هذه الحقيقة في إطار البيئة السياسية في الجنوب والشمال أدى الى إغفال
سوسولوجيا الوحدة فاندفع الاشتراكي الى صفقة الوحدة وساعد على ذلك لون
من البراغماتية السياسية لم يكن براغماتياً رشيداً.
إن شتات الشريك في صنع الوحدة لم يقتصر على توزيع قادته والآلاف من
ملاكاته على المنافي الداخلية والخارجية، بل يصوره الكلام الرسمي شراً
أبدياً اضطر الى المشاركة في عمل خير اضطراراً ما كان له إلا أن يلجأ
اليه. ومن هنا استمرار القصف الإعلامي اليومي الذي يتمادى في إلغاء
الآخر - أي الجنوب - تحت ستار الهجوم على الاشتراكي. فالسلطة القائمة
منذ 94/7/7 تطلق الرصاص على الاشتراكي ولكنها تصيب الجنوب أرضاً وبشراً
وأحلاماً، ويتكامل في سياستها الإيذاء والقتل الرمزيين مع النهب والسطو
والقتل المادي لفضاء الأرض والسماء ومدى البحر الفسيح وثروات الأعماق.
إن توحيد صيغة التهاني في الإعلانات الرسمية في يوم الاستقلال التي تصر
على وصفه بالجلاء يبدو فيها خروج آخر جندي بريطاني من عدن قد تم بإشراف
المؤتمر الشعبي: القيادة والجماهير. فتكون التهاني مونولوجاً - مناجاة
ذاتية كما في الصورة الجديدة التي استبدلت بالصورة القديمة فلم يبق إلا
صاحبها وهو يوقع قراراً هاماً يونياً مع نفسه بعد أن اختفى من كان إلى
جانبه (البيض) ومن كانوا سعداء بوجودهم حول المائدة "فمن طبيعة الملك
الانفراد بالمجد" (ابن خلدون).
يبدو غريباً في هذا السياق المستمر منذ 94/7/7 أن يتحدث غير واحد من
ساسة المشترك قبل الانتخابات في مناسبات كثيرة منها ما قالوه في منتدى
«الأيام» العدنية وعلى صفحات الصحف الآهلية، وكلها تصف حديث الجنوبيين
عن تصحيح مسار الوحدة أو حق تقرير المصير أو التشديد على أن نوعية
واتساع الظلم في الجنوب يفوق نظيره في الشمال وأنه اذا كان استبداداً
في الشمال فإنه طغيان محصن في الجنوب، بأنه يجري في أفق دون الوطن وتحت
لواء شعارات دون الوطنية الجامعة. وكان أحرى بهؤلاء جميعاً أن يوجهوا
هذا الكلام الى السلطة التي تقوم كل أعمالها على تصور للوطن والوطنية
هي بلا شك حرب على الوطنية الجامعة أو على "الألفة الجامعة"
(الماوردي)، بل ان سياستها تقوض مقومات الجوار والتعايش. إن حديث
الساسة في المشترك يكرر حيلة لوم الضحية التي يعاني منها اخوتنا في
فلسطين على يد الإصلاح الامبريالي الصهيوني، ولا يمكن البقاء في حدود
العقلانية السياسية مع التمسك بلوم الضحية هنا وهناك. إن رفض الضحية
للواقع يخدم حلم الوطن الممكن هنا والسلام الممكن هناك، بينما ممارسات
المنتصر تهدد الحلم والسلام، بل تضع الاثنين في سماء المستحيلات. وفي
تاريخنا العربي الحديث والمعاصر ما أكثر الوحدات التي ألغت الوحدة في
جدول أعمال التاريخ: سورية ومصر في الستينات، ومصر والسودان قبل ذلك
وبعد ذلك والسودان اليوم والعراق اليوم وبالأمس. كان هنا وهناك دائماً
تصور فيه قصور قاتل ومكونات وعي غير مطابق، ولذا غير فاعل هناك وهنا في
كل ما يتعلق بالوحدة كما عرفها الوعي القومي العربي منذ عشرينات القرن
الماضي، مشروعاً مصمتاً مكتفياً بذاته وغير مشروط بالزمان والمكان،
ولوم الضحية في الجنوب يمنح من هذا الوعي القديم الجديد بما فيه من قوة
مدمرة تقدم الأحياء قرباناً لآلهة مجردة، وتصر إصراراً غريزياً على عدم
رؤية الوقائع والواقع. وهذا لُبُ غياب سوسولوجيا السياسة، الذي يفتح
الباب أمام الارتجال وغلبة الذاتي على الموضوعي والعقلاني.
ولعله من المناسب هنا أن نستعير عنوان إحدى مقالات الفقيد العزيز
الصديق عبدالله باذيب، نشر في «الفجر» في صيف العام 1956 «أيها الإخوة
في القاهرة: رفقاً بالوحدة». وكان الكلام موجهاً إلى اللجنة التنفيذية
لمؤتمر الطلاب اليمنيين الدائم بمصر.
نعم رفقاً بالوحدة القادمة لأن ما هو قائم إنما هو سلطة تقويض الوحدة
الممكنة. إن الحرب التي انتهت في 94/7/7 تشن منذ ذلك اليوم في المجال
اللغوي والمادي بوساطة كل أجهزة الدولة. ويبدو أن عدم كف المعارضة عن
اتهام الجنوبيين بإعلان خطاب سياسي دون الوطن والوطنية في واقع تحققت
فيه الوحدة ولم تنجز كما قال مرة أحد الإخوة، استمراراً في لوم الضحية
لصالح الجلاد. ويبدو أقرب الى السياسة العقلانية والحكمة العملية هجر
لغة الوعظ المنبرية التي تخاطب الأذن قبل العقل، فذلك أقرب الى الحرص
على الوحدة الممكنة أو القادمة. إن حقل السياسة في بلادنا شديد
الاعوجاج ويزداد تردياً وقتامة كلما أمعنت السلطة في الطريق الذي جعلها
منذ 94/7/7 دولة ضداً على الشعب، ولذا تبدو سياساتها حرباً مستمرة على
الناس في المستويات العسكرية (صعدة) والسياسة الانتخابات.. و(الصحافة)
والاقتصادية (الجرعات ونهب الثروات) والعنف الاقتصادي في تجلياته كافة.
هذه السياسة تتميز في إطار القضية الجنوبية بأنها انجزت الإلغاء
المتبادل، الذي تحقق في الأذهان، وعلينا إن كنا جادين في أن نكون معاً
في إطار عالم حديث أن نحول بين هذا الإلغاء والانتقال إلى الأعيان. ولا
أشك لحظة في أن لوم الضحية وانكار حق الجنوبيين في الدفاع عن آدميتهم،
لاسيما بعد أن وصلوا إلى الجدار الأخير يعجل بالكارثة، لأن السلطة
والمعارضة توصد ساحة التعبير برتاج ثقيل، والحكمة السياسية كانت ولا
تزال في القدرة على رؤية الحاضر والواقع من أفق المستقبل. وهذه مهمة
صعبة إلا إذا كان للساسة نفاذ بصر زرقاء اليمامة.
إن الحديث عن المواطنة المتساوية حشو وان كان حميداً لأن المواطنة لا
تكون إلا متساوية أو لا تكون، مثل الحرية والكرامة. انها معامل مكينة
لميلاد وطن وانبثاق نهضة. وما خلا هذا من الكلام الرسمي وبعضه غير
الرسمي هرير يأتي من الخواء ويعود اليه. إن البداية دائماً في جميع
مستويات التعامل الإنساني تبدأ بالاعتراف بالآخر، وهو يعني الندية
والمساواة. وما لم نبدأ من هذه البداية الصلبة فكل الطرق تقود الى
الضياع. وقد تطيل الوحدة بالحرب عمرها بوسائل أخرى أشد مما قامت به حتى
الآن. ولكن هذا لا يزيح النهاية لأن الموت يحوم دائماً في مكانٍ ما في
الأفق. ولأن قضية الجنوب عادلة هناك آلاف من أبناء الشمال يتعاطفون
معها ويؤيدنها. فالحق والعدل وحدهما كفيلان بتوحيد الناس.
**مؤتمر المصالحة والتسامح في الجنوب مبادرة خيرة وواعدة، فلابد أن يتوحد
أهل الجنوب متحررين من أعباء التاريخ ليقاوموا ويلات الحاضر وغيومه
السوداء. ومن يقول لكم هذه جهوية جنوبية هم من يمارس جهوية قاتلة
بالحديد والنار والدم. وأنموذج من ذلك خطب زعيم المؤتمر في موسم
الانتخابات الرئاسية، لاسيما في صعدة.. فامضوا في طريقكم.
وكل عيد استقلال وأنتم بخير.
5/12/2006