عدن نيوز - نيوز يمن - 2-2-2007

كلمة أمين عام الاشتراكي في افتتاح دورة اللجنة المركزية


31/01/2007
خاص - نيوزيمن:
بسم الله الرحمن الرحيم
الإخوة أعضاء اللجنة المركزية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يسرني أن أرحب بكم ترحيباً حاراً إلى الدورة الرابعة للجنة
المركزية، متمنياً لكم التوفيق في مداولاتكم التي لاشك
أنها ستكون في مستوى أهمية هذه الدورة التي ستقف أمام عدد
من الموضوعات الحيوية ذات الصلة بنشاط حزبنا خلال الفترة
ما بين دورتي اللجنة المركزية، والتي تضمنها التقرير
السياسي الموزع عليكم، وكذا خطط الهيئات لعام2007، والوضع
المالي للحزب، وتصوراً بشأن الدورة الانتخابية الكاملة
الداخلية للحزب، المقرر إجراءها خلال عام2007 مع الإرشادات
الخاصة بذلك.
لقد حرصنا في كل دورات اللجنة المركزية منذ المؤتمر العام
الخامس أن تمارس اللجنة المركزية -كقيادة للحزب ما بين
المؤتمرين- مهامها القيادية في تقرير وقيادة نشاط الحزب من
خلال اتخاذ القرارات التي تعني بتوجيه الحزب نحو أهدافه
التي رسمها المؤتمر العام.
وكان من الضروري وهي تضطلع بهذه المهمة القيادية أن تحرص
على عقد دوراتها بانتظام وهو ماتحقق بنجاح حتى اليوم.
غير أن هذا الانتظام في عقد الدورات قد يصبح شكلياً إذا لم
تنعكس هذه المكانة القيادية للجنة المركزية لدى عضو اللجنة
المركزية في ممارسته لنشاطه الحزبي والسياسي الجماهيري،
باعتبار اللجنة المركزية هي مجموع أعضائها وهي حاصل جمع
إرادتهم المعول عليها في قيادة الحزب والنهوض به.
إن التئام اللجنة المركزية في دورات انعقادها المختلفة
لايعد مناسبة لمراجعة نشاط الحزب وتزويد هيئاته ومنظماته
بالتوجيهات الخاصة بنشاطه خلال الفترة اللاحقة فحسب، ولكنه
إضافة إلى ذلك ممارسة حزبية أصيلة تتوافق مع الدور الحاسم
للجنة المركزية في قيادة الحزب وتوجيه نشاطه.
ولاشك أن ممارسة اللجنة المركزية لدورها هذا يرفع من مكانة
الحزب، وأن عضو اللجنة المركزية ليس عضواً شرفياً، ولا
يكتسب عضوية اللجنة المركزية إلاّ من كان لديه الاستعداد
للعمل وبذل الجهد والتضحية من أجل النهوض بالحزب والدفاع
عن خطه السياسي والمساهمة الفعالة في رسم سياساته وتنفيذها
على الصعيد الحزبي والجماهيري، ومع الناس، وفي كل موقع
ومكان يتواجد أو يجب أن يتواجد فيه.
أقول ذلك لا لأكتشف حقيقة جديدة تضاف إلى مقومات العمل
الحزبي، فهذه في الأساس من المقومات الجوهرية لأي حزب
محترم، وإنما لأُذكِّر الرفاق أعضاء اللجنة المركزية بما
يعنيه عضو اللجنة المركزية في حياة أي حزب.
إن ثلاثمائة عضو لجنة مركزية يعني ثلاثمائة قائد حزبي
يمتلكون من الصفات والمواصفات ما يؤهلهم لنقل الحزب إلى
قلب الجماهير والتفاعل مع قضاياها من مختلف المواقع التي
ينتمون اليها.
وبعد ذلك ليسأل كل واحد منا نفسه عن كيفية التعاطي مع هذه
«الحقيقة»، ليكون جدلنا ونقاشنا وحوارنا في مثل هذه
الدورات مستندا على خلفية الإسهام الفعلي لعضو اللجنة
المركزية في نشاط الحزب وفي الحياة السياسية عموماً،
فالحديث الذي لا يسنده موقف عملي جاد من القضايا التي
يناضل من أجلها الحزب هو ثرثرة لا معنى لها، يأتي صاحبه
إلى هذه القاعة ليفرغ ما في جعبته من كلام ويمشي، وكأن
دوره ينتهي عند تسجيل الموقف.
لقد شهدنا ولازلنا نشهد في تاريخ وحياة حزبنا كثيراً من
هذه النماذج التي ينتهي بها المطاف إلى الانخراط في منظومة
الطابور الذي يزرع اليأس في صفوف الحزب، والتحول إلى أبواق
تبث سمومها للإطاحة بأي جهد أو عمل مفيد ومثمر.
إن كثيراً من محطات التراجع في تاريخ هذا الحزب كانت بسبب
بلوغ هذا النموذج من الأعضاء درجات متقدمة في التأثير على
حياته الداخلية، مما أكسبه في حالات كثيرة تلك الصفة
الخبيثة المعبر عنها بعدم اقتران الأقوال بالأفعال، التي
ما أن تستفحل في حياة المؤسسة السياسية إلاّ وعزلتها عن
الناس وعن ميدان نضالها الحقيقي.
في تلك المحطات كان غالباً ماتبقى لدينا مساحات للتصحيح،
هذه المساحات تقلصت اليوم بل وتلاشت، ولم يعد من المقبول
أن يستوعب الحزب بين صفوف قياداته هذه النماذج التي تدمن
الثرثرة وترف الكلام، واحتراف تسجيل المواقف الكلامية
بتوظيف الضجيج الذي يخفي عجزاً كاملاً في التفاعل مع
القضايا العملية لإنتاج الموقف الذي تنتظره الجماهير من
حزب عريق كحزبنا.
وإنني إذا ألفت الانتباه إلى هذه الحقيقة فإنني آمل أن
تتجسد دلالتها في نقاشات هذه الدورة بما لها من أهمية في
تقييم نشاط حزبنا خلال الفترة المنصرمة.

أيها الإخوة
بين أيديكم تقرير مقدم من الأمانة العامة والمكتب السياسي
عن النشاط ما بين دورتي اللجنة المركزية.. يلخص وقائع
وأحداث إحدى المحطات الهامة في التاريخ السياسي للبلد،
والتي لعب فيها الحزب الاشتراكي دوراً هاماً ومؤثراً
يتناسب مع مكانته وتاريخه النضالي.
وعند تقييمنا لهذا الدور لابد أن ننطلق من بعض المعطيات
الهامة التي تُسجل الحزب الاشتراكي وفقاً لها كطرف من
أطراف المعادلة السياسية، حيث يلقي هذا الوضع على الحزب
مهمة الاضطلاع بدوره في إصلاح أوضاع البلاد سياسياً
واقتصادياً واجتماعياً وبناء الدولة الحديثة، دولة النظام
والقانون، وإقامة الحكم المحلي الواسع الصلاحيات، وحماية
الخيار الديمقراطي والتعددية السياسية، ومكافحة الفساد،
وتمكين المرأة من تسوية وضعها في النظام المجتمعي العام،
في الموقع الذي يليق بها كشريك فاعل لا غنى عنه في النهوض
بحياة البلاد وتحقيق التنمية المتوازنة والمستدامة، والأخذ
بيد الشباب من خلال تأهيلهم وإعدادهم علمياً وفكرياً
وتربوياً وبدنياً، ليضطلعوا بدورهم في بناء الحياة الجديدة
بعيداً عن تعقيدات وعقد الماضي وأدواته المستهلكة.
وإذا كانت هذه المهام في صورتها التفصيلية قد اشتبكت عند
المستوى العام من التصدي لهذه المهمات فإن التجارب
التاريخية في النضال البشري من أجل التقدم والنهوض قد أكدت
على الدوام أن هذه الأولويات التي تنتجها ضرورات التحول
تكون شديدة التعقيد والتنوع، ولا يمكن أن يضطلع بها حزب
بمفرده أو قوة سياسية لوحدها، الأمر الذي يدفع بتكتلات
سياسية واجتماعية للتكون والظهور كاستجابة لهذه الضرورات،
ويكون الوعي بهذه الاستجابة هو انعكاس لحراك الواقع في
عملية جدلية يتبادل فيها الواقع والوعي بحاجته وتعقيداته
أدواراً بنائية للإدراك الإنساني -في صيغته الفكرية
والسياسية- وتبرز تجلياته من ثم في درجة الاستعداد عند
الإنسان في تحويل الصيغة الفكرية والسياسية إلى أداة منتجة
لحركية نضالية دءوبة مترابطة الحلقات والتأثير وصولاً إلى
تحقيق الهدف المنشود.
وبالمقارنة مع الحالة اليمنية فإن الواقع السياسي
والاجتماعي والاقتصادي الذي يخوض فيه حزبنا نضاله من أجل
التقدم والنهوض والتحديث يعد أشدها تعقيداً وتنوعاً، بل
وتخلفاً، حينما لا تكون المعايير التي يقاس بها التقدم
والتخلف هي تلك المؤشرات الكمية المتعارف عليها فحسب،
وإنما ما تنتجه البنى الاجتماعية والثقافية ومراكز القوة
والتأثير في المعادلة السياسية (معادلة الحكم) من تسويات
فوقية واستعلائية فيما بينها، على صورة تبطئ من تشكل
الدولة الوطنية على النحو الذي يمنع مثل هذه التسويات خارج
قوانينها وتكويناتها المؤسسية الدستورية، وأن أطراف هذه
البنى والمعادلة قد استمرأت هذه التسويات الاستعلائية بما
في ذلك اقتسام الثروات وتوزيع مراكز النفوذ في المؤسسات
التي يفترض أن تكون بمثابة الهياكل الأساسية للدولة
الوطنية، لتصبح مراكز حماية لأطراف المعادلة ومصالحها.
فالمسئول لا يعيَّن لمؤهلاته العلمية وكفاءته والتزامه
بمعايير بناء الدولة الوطنية، ولكن لخدماته أو انتمائه
لأحد أطراف المعادلة.
وقس على هذا مادون هذا المستوى من تراكيب تتحول بسبب هذه
السياسات إلى تراكيب مغلقة على مصالح أطراف لاتستطيع أن
تتكامل فيما بينها لغياب الروابط الداخلية الباعثة على
التكامل، بل تكون محكومة بقانون التنافر والتعارض ثم
التصادم، فتضخُّم إحداها يكون على حساب الأخرى، وهي تستطيع
إلى حد ما أن تؤجل التصادم حينما تحل المشاكل الناشئة عن
ذلك على حساب ما يتبقى على هامشها من موارد ومصالح
اجتماعية متفرقة، ودخول مختلفة للناس، حتى يتم إفقار
المجتمع على نحو لايتبقى فيه مجال لمزيد من امتصاص الدم،
فتتجه هذه المصالح المغلقة نحو بعضها لتتصادم وتحشر
المجتمع كله في عمليات صدامية تأخذ أشكالاً مختلفة من ردود
الفعل التي تبحث عن حلول لمشاكل المجتمع في تعبيرات مادون
الدولة الوطنية.. وهنا يكمن جوهر المشكلة، ففي حين تكون
معادلة الحكم وتراكيبها المغلقة على مصالحها المتنافرة قد
عطَّلت تكوُّن الدولة الوطنية، تذهب أطراف واسعة من
المجتمع إلى البحث عن حل للمشكلة بعيداً عن الدولة الوطنية
في رد فعل لما يعتقد أنها هي «الدولة» التي أوصلتهم إلى ما
هم فيه من بؤس وفقر ومستقبل مجهول.
إن هذه المفارقة هي عنوان للارتباك الذي تكون عليه الحالة
السياسية التي من شأنها أن تفضي إلى فشل كامل في بنا ء
الدولة، وهو ما شهدناه في اليمن خلال الفترة الماضية،
الأمر الذي أفرز حاجه موضوعية لقيام اللقاء المشترك كتكتل
سياسي وطني من أحزاب وطنية يمكن أن يضطلع بمسؤوليته في
الدعوة إلى إصلاح سياسي شامل، وحدد أولوياته في ضوء الحاجة
لدولة وطنية ديمقراطية حديثة تتحقق فيها المواطنة
المتساوية والفرص العادلة لكل أبناء الوطن في التصدي لمهام
التنمية والبناء وتحقيق التوزيع العادل للثروة.. ودعا إلى
جانب ذلك إلى تصفية آثار الحروب ومنها حرب 1994 ومانتج
عنها من آثار ضربت الجذر السلمي الديمقراطي للوحدة.
وكانت القراءة السياسية المعمقة التي قدمها اللقاء المشترك
للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي قد مكنته من استيعاب
الحاجة للإصلاح السياسي كمقدمة ضرورية للإصلاحات الأخرى
التي لاتقل أهمية من حيث ضرورتها في معالجة الإختلالات
العميقة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، والتي تنذر
كلها بوضع البلاد على عتبة مرحلة من التدهور والتراجع في
المؤشرات الكمية والقيمية الخاصة بمستويات المعيشة
والخدمات الاجتماعية، واستنزاف الموارد الاقتصادية، وعلى
وجه الخصوص النفط، وتردي وضع المخزون المائي بسبب
الاستخدام العشوائي، وتزايد الإنفاق الحكومي على أنشطة
لاتسهم في توليد الناتج الاجتماعي بشكل مباشر أو غير
مباشر، وتدني معدلات الاستثمار بصورة عامة، وفي القطاع
الإنتاجي على وجه الخصوص، الأمر الذي أدى إلى زيادة معدلات
البطالة بين الشباب. وأصبح الفساد يمثل التحدي الأكبر الذي
تصعب معه معالجة ظاهرة الفقر التي أخذت تعم البلاد، وما
رافق ذلك من ارتفاع غير مبرر للأسعار على نحو جعل البنك
الدولي في تقريره السنوي لعام 2006 يحذر من كارثة حقيقية،
مالم تغير الحكومة سياساتها الحالية التي اعتبرها التقرير
السبب الأساسي في إيصال البلاد إلى ما وصلت إليه من أوضاع
اقتصادية واجتماعية متدهورة.
وانسجاماً مع هذه القراءة كان على اللقاء المشترك أن يخطو
خطوته الأولى باتجاه خلق معارضة سياسية تغادر حرم السلطة
إلى موقعها الحقيقي الذي تستطيع من خلاله أن تشكل الطرف
الآخر في المعادلة السياسية، وتستطيع من خلاله أن تقدم
برنامجها للجماهير، وتؤسس قواعد راسخة للحياة الديمقراطية
والتعددية السياسية وصولاً نحو التداول السلمي للسلطة.
من هذا المنطلق خاض اللقاء المشترك انتخابات خريف 2006
الرئاسية والمحلية بروح التغيير المعبرة عن إرادة سياسية
واعية بأهمية وضع الخيار الديمقراطي الذي يتحدث عنه الجميع
في صدارة الحدث السياسي، باعتباره نقطة الانطلاق نحو
المستقبل الذي ينشده وطننا المكلوم بجراح الصراعات والحروب
والفتن ومراكز النفوذ والمشاريع الصغيرة.
وجاءت الانتخابات بما أحدثته من حراك سياسي والتفاف
جماهيري حول برنامج المعارضة لتؤكد تمسك شعبنا بالخيار
الديمقراطي وبلوغه درجة من الوعي السياسي لم يعد معها
مقبولاً القول بأن الشعب ليس مهيأً للديمقراطية.
لقد أثبتت هذه الانتخابات أن غير المهيَّأين للديمقراطية
هم منتسبو السلطة وأربابها وبعض النخب ممن استقرت مصالحهم
في نطاق هذا النظام، أو ممن توقف بهم الزمن عند محطات
بعينها، ولم يعودوا قادرين على التفاعل سوى مع الوهم بعودة
عجلة الحياة كلها إلى المحطة التي توقفوا عندها.. هؤلاء
جميعاً شكلوا معاً الطابور المناهض للخيار الديمقراطي
حينما بدأ يدخل مرحلة حاسمة من مراحل تكريسه كقيمة وطنية
في حياة البلاد يتحقق من خلالها القول الفصل للإرادة
الشعبية في إدارة شؤون الحكم.
وكان لحزبنا دوره الفاعل والبناء في هذه العملية التاريخية
التي سجل فيها موقفاً حاسماً إزاء قضية التطور بالانحياز
والتمسك بكل العوامل المفضية إلى ذلك. وكان بذلك أميناً مع
فكرته ملتزماً ببرنامجه متفاعلاً مع تاريخه.
ومن هنا أسجل آيات الشكر والتقدير لأعضاء حزبنا وأنصاره
الذين أدوا دورهم بجدارة وسجلوا أروع الأمثلة في ميدان
العمل السياسي، وواجهوا التحديات والصعوبات والقمع
والملاحقات في أكثر من مكان.
لقد أثبتوا أن الحزب الاشتراكي حزبٌ وجد ليبقى، وأنه
«فكرة» لاتقف عند زمن محدد ولاتنتهي عند محطة بعينها،
«فكرة» تجدد نفسها في الواقع الذي تجتدل فيه الحاجات
المجتمعية وتتنوع، وتجد في تعقيدات هذه الحاجات فرصة
لاختبار قوتها وصحتها.. هذا هو حزبنا «الفكرة» التي استعصى
على الكثيرين فهم أسباب صمودها في وجه الأعاصير، واستعصى
على دعاة الأراجيف والأباطيل فهم حقيقة مكانتها في الوعي
الوطني؛ ولا نملك إلاّ أن ندعو الجميع بما فيهم أولئك
الذين تقوقعوا في خنادق الكراهية ولم يستوعبوا دروس
التاريخ إلى كلمة سواء، هذا إذا كانوا قادرين على مغادرة
مأزق الكراهية الذي حشروا أنفسهم فيه.
وعلى هامش القاعدة الواسعة من مناضلي حزبنا وقف البعض موقف
المتفرج، وعمل البعض في الاتجاه المعاكس وأعتقد شخصياً أن
حزبنا من القوة بحيث يستطيع أن يستوعب كثيراً من هذه
المواقف، و«ياجبل ما يهزك ريح»، ويستطيع أن يبررها ويعيد
بناءها في سياق حركته الصاعدة.. لكنه بكل تأكيد لايستطيع
أن يستوعب أو يبرر تلك المواقف التي خذلته بمثل تلك الصور
والأساليب التي مارسها البعض، وهي بكل تأكيد لم تكن بسبب
حسابات خاطئة من تلك التي تحدث في نطاق تباين الرؤى داخل
الحزب الواحد ولا بسبب لحظة ضعف من تلك التي تصيب النفس
البشرية، فلو أن الأمر كذلك لكان بالإمكان استيعابها،
لكنها في حقيقة الأمر كانت مواقف مدروسة ومخططة وفيها
إصرار على إلحاق الأذى بالحزب وتشويه صورته أمام الناس
وإظهاره بمظهر الانقسام وعدم المصداقية في الموقف إزاء
شركائه وإزاء القضية التي يخوض المعركة معهم من أجلها.
وكان حصاد عمل هؤلاء مجرد الإساءة فقط.. الإساءة لحزبهم
والإساءة لأنفسهم ولم يفيدوا الآخرين كثيراً إلاّ بمقدار
ما أساءوا إلى حزبهم.
لقد كانت الانتخابات محطة هامة في نضال حزبنا واللقاء
المشترك على طريق إعادة المضمون الديمقراطي لوحدة 22 مايو.

لقد أدت حرب 1994 الظالمة إلى تغلب مشروع القوة بعد أن
حاول هذا المشروع أن يفرض أدواته سلمياً منذ اليوم الأول
للوحدة، بعد أن أبدى ضيقاً واضحاً بالمشروع الديمقراطي،
وعندما لم يتحقق ذلك بدأ رحلة العنف التي انتهت بالحرب
وتغلب مشروع القوة.
بهذه الانتخابات وبالاصطفاف الوطني الواسع لصالح
الديمقراطية يمكن القول أن المعركة الحقيقية من أجل إعادة
المضمون الديمقراطي للوحدة قد بدأت، وعلى قاعدة اجتماعية
وسياسية أوسع مما كانت عليه.
ومن مظاهر هذا الاصطفاف الوطني الواسع لصالح الديمقراطية
هو ماعبر عنه مضمون هذا الاصطفاف من إعادة بناء لمفاهيم
الحكم في العقل السياسي اليمني، وكسر الحلقة المغلقة على
ثقافة القوة والمركز، المستأثرة بميراث الحكم.. إنه بكل
المعاني ميلاد لثقافة وطنية على أرض الواقع وبين الجماهير،
لابد أن تفعل فعلها في إعادة تشكيل مكونات الوعي السياسي
الوطني.
وحزبنا معني بكل تأكيد بالتقاط معطيات هذا التحول التاريخي
الهام لصالح نضاله من أجل إصلاح مسار الوحدة حتى لا يفقد
المبادرة كالأحزاب التي يصيبها الجمود أو تعتريها الحالة
النخبوية المتعالية على الواقع وحراكه المستمر.
إن فقدان المبادرة هي الحالة التي يتوقف عندها أي حزب عن
إنتاج الموقف السياسي، ويعود إلى داخله يبحث في تجاويفه عن
محطات الاختلاف، ليصنع خصوماً من داخله ينشغلون ببعضهم نحو
التشرذم.
إن بعض الظواهر التي شهدها حزبنا خلال الفترة الماضية كانت
تصب في هذا الاتجاه، وأكثرها خطورة هي محاولة التوقف
بحزبنا عند محطات بعينها والتقوقع داخلها، كملاذ لتبرير
العجز عن مواصلة السير ومواكبة متغيرات الحياة، وضرورات
العمل كمؤسسة سياسية ديناميكية.
إن حزبنا ليس حائط مبكى تهوي إليه الأفئدة لتنتحب عنده
وتمارس طقوس الخلاص من الإثم كما يريده البعض أن يكون،
حزبنا مؤسسة سياسية تضم عشرات الآلاف من المناضلين الذين
يتوقون إلى صناعة يمن جديد. وهذا يفرض عليهم أن يخوضوا
نضالاً سياسياً وفكرياً مع الجماهير ويقبلوا بالتضحيات.
وفي سياق نضالهم ستبرز الأخطاء وسيراكمون التجارب، ولا عيب
أن تكون هناك أخطاء، المهم أن يتعلم الحزب كيف يصحح
أخطاءه، وستبرز خلافات، وليس عيباً أن تكون هناك خلافات،
المهم أن يتعلم كيف يدير خلافاته.
إن أهم ما يجب أن يتوقف أمامه الحزب هو الوحدة التنظيمية
الداخلية واحترام قرارات الهيئات.
لقد شهدنا خلال الفترة مابين الدورتين مواصلة للخروج عن
قرارات الهيئات، بل وتحريضاً ضدها، فيما يكاد يصل إلى شق
الوحدة التنظيمية الداخلية، ولم تستطع هذه الظواهر المؤذية
أن تمنع الحزب من مواصلة نشاطه أو أن تعيقه عن التصدي
للمهام الماثلة أمامه.
وشهد العمل الحزبي تطوراً نوعياً مكن حزبنا خلال الفترة
المنصرمة من الانتقال إلى ميدان العمل السياسي والجماهيري
والتفاعل مع مجمل التطورات التي شهدتها ساحة العمل
السياسي، وقدم مساهمات لايمكن أن تقرأ إلاّ في صلتها
بمكانته وبما يعوَّل عليه من دور في الحياة السياسية
للبلاد.
وكانت الضالع نموذجاً أعاد للحزب وهجه وروحه التي انبعثت
من وجدان مناضلين أكدوا أن الحزب المحمول فوق إرادة كتلك
الإرادة هو حزب لا يموت.. وينطبق هذا على أكثر من مكان مثل
يافع وتعز وحالمين وصعدة وإب الشرقية وحضرموت وشبوة وطور
الباحه، ذلك أنه وبنفس الروح وبنفس الإرادة كان لمناضلي
حزبنا دورهم في إثبات هذه الحقيقة، وفي ظروف اتسمت
بالصعوبات والمعاناة وشحة الإمكانيات ومحاولات زرع
الإحباط.
وعلى هامش هذه النجاحات الملموسة التي حققها حزبنا،
لانستطيع أن نقول إننا قد تجاوزنا السلبيات المتراكمة،
وتلك التي يعاد إنتاجها في صور مختلفة من التعقيدات التي
تؤثر سلباً على نشاط الحزب السياسي، والتي إذا ماتركت دون
معالجات جادة ومسئولة فإن أثرها سيمتد إلى ماهو أبعد من
الآثار السلبية التي تنتجها اليوم.
إن هذه المعالجات لابد أن تُقدَّم بمفهوم أشمل يأخذ شكل
الإصلاح الحقيقي لأوضاع الحزب ويتم بصورة مجردة عن مكانة
الأفراد، ويبدأ من خلال الالتزام للهيئات وقراراتها، وردع
كل من يخرج عن قرارات الهيئات، ويتم التعبير عن الاختلاف
وفقاً لقواعد تحافظ على الوحدة التنظيمية للحزب وتساعد على
تطويره وتماسكه فكرياً وسياسياً وتنظيمياً، والوقوف بحزم
أمام الظواهر التي برزت في حياة الحزب مؤخراً، على نحو لا
يمكن أن يُفهم إلاّ بأنه انفلات من قبل البعض، لم يعد
يراعي أبسط القواعد الحزبية. وبدون ممارسة الضوابط التي
يتضمنها النظام الداخلي للجم هذه الظواهر فلن يكون بمقدور
الحزب أن يستعيد عافيته.
لا أحد فوق النظام الداخلي مهما بدا له أنه كبير أو مهم،
بالعكس الكبير لا يكون كبيراً إلاّ بالتزامه بالنظام
الداخلي للحزب، والمهم لا يكون مهماً إلاّ إذا أظهر
انضباطاً لقواعد الحزب.
ولهذا الغرض أدعو الرفاق أعضاء اللجنة المركزية أن يعيدوا
للنظام الداخلي هيبته ومكانته في ضبط الحياة الداخلية
للحزب، ويتحملوا مسؤوليتهم في ذلك دون تردد أو مراعاة لأي
اعتبارات من شأنها أن تسد آفاق الأمل بإصلاحات جذرية
يتطلبها الوضع الداخلي للحزب في الوقت الراهن.
ولهذا الغرض أرى أن تتوجه الإصلاحات والمعالجات نحو:
1- الخروقات المتكررة لقرارات الهيئات من قبل البعض والتي
باتت تهدد الوحدة التنظيمية للحزب وتشوه سمعته وسط
الجماهير.
2- الكتابات غير المسئولة والمنفلتة في الصحف التي تصل حد
الشتم والإساءة والتجريح على النحو الذي شهدناه خلال
الفترة الماضية.
3- بلورة قواعد للاختلاف تكون بمثابة ضوابط تنمي احترام
الرأي والرأي الآخر وتضبط إيقاعات الحوار بعيداً عن التعصب
والتصنيفات المثقلة بقناعات متخلفة عن مضمون وجوهر الفكرة
النبيلة لحزبنا والتي تعد الجامع الأكبر والقاسم المشترك
لانتمائنا لهذا الحزب.
4- تنظيم العلاقة بين المركز ومنظمات الحزب في المحافظات
وفقاً لمبدأ اللامركزية، وتخليص الحزب من العلاقة المركزية
التي رحلت معه منذ أن كان في السلطة. وفي هذا الصدد لابد
من إعادة بناء هذه العلاقة على أساس يعطي لمنظمات الحزب في
المحافظات الصلاحية الكاملة في قيادة العمل الحزبي
والسياسي وتهيئة الظروف لنشاطها من كافة الجوانب، بما في
ذلك الجانب المالي، على أن تسترشد بالمركز فيما يتعلق
بالخطوط العامة لاتجاهات العمل السياسي والحزبي.
5- تقوية الأمانة العامة بإعادة النظر في هيكلها وأسلوب
علمها وبناء الجهاز الحزبي فيها، والتعامل بجدية وبدون أي
حسابات مع تدوير المناصب القيادية كل سنتين على الأقل، لما
لذلك من أّهمية في التجديد ووقف النزيف المتأتي من دورات
الخلافات التي يصنعها البعض بمناسبة وبدون مناسبة.
6- إلغاء أي أشكال أو هياكل تنظيمية موازية للحزب والوقوف
أمامها بحزم، باعتبارها خطراً يهدد وحدة الحزب، مع تشجيع
حرية الرأي والتفكير واحترام الاختلاف وحق التعبير في إطار
برنامج الحزب وقرارات هيئاته وبما يحافظ على وحدته
التنظيمية الداخلية.
ولهذا الغرض أرجو أن تقر اللجنة المركزية عقد دورة
استثنائية خلال ثلاثة أشهر من هذا التاريخ تكرس لمناقشة
وضع الحزب في ضوء هذه الاتجاهات وأي اتجاهات أخرى تراها
اللجنة المركزية، وتكون هذه الدورة حاسمة في معالجة هذه
الظواهر. وبصورة متزامنة مع الإعداد لهذه الدورة يتم تفعيل
لجنة الحوار الداخلي الذي يجب أن ينطلق من وثائق الحزب
أولاً، وثانياً لابد ان يكون لهذا الحوار إطار معرفي
-سياسي يسترشد به في مناقشة الهوية الفكرية للحزب، موقفه
من مختلف القضايا الإقليمية والعربية والدولية وفقاً لخطه
الفكري والسياسي، وبلورة رؤى فكرية -سياسية في ضوء
المستجدات والمتغيرات في الواقع اليمني والمؤثرات
الإقليمية والدولية، ورابعاً التفكير في القضايا العملية
حول كيفية تطوير الحزب، كيفية حل المشكلة المالية، صياغة
مبادرات عملية بشأن تجديد بنية الحزب وتطوير مساهماته في
الحياة السياسية والاقتصادية والفكرية وتعزيز علاقته
بالجماهير.
وكخطوة هامة على طريق تحقيق هذا الإصلاح في الحزب أطلب من
اللجنة المركزية:
1- أن تتفاعل مع قرار المكتب السياسي والأمانة العامة
بإقرار تنظيم الدورة الانتخابية الكاملة داخل الحزب هذا
العام 2007، وأن يجند أعضاء اللجنة المركزية أنفسهم لهذا
الغرض. عبر حوارات ونقاشات موسعة وممارسة ديمقراطية
حقيقية، نتخلص من خلالها من كثير من الأمراض التي علقت
بجسم حزبنا.
2- أن يصدر عن دورة اللجنة المركزية قرار بالاستقطاب
الحزبي من الشباب لتجديد بنية الحزب وفتح باب الانتساب،
وتكليف أعضاء الحزب القيام بذلك، مع وضع الضوابط
والتوجيهات والإرشادات الضرورية لذلك. وتولى عناية خاصة
للمرأة. وتقوم منظمات الحزب في المحافظات بالترتيبات
الكفيلة بإنجاز هذه المهمة خلال عام 2007.
إنني أرجو أن تعي اللجنة المركزية ماذا يعني «الإصلاح» في
الحزب في اللحظة الراهنة التي بدأ فيها التنطع والنزق
واللامبالاة كظواهر، تطفو فوق الحياة الحزبية.
وكل ما أتمناه هو أن هذه الظواهر إنما هي تعبير عن حالة
عارضة لا تمتد إلى ما يمكن تفسيره بأنه عمل مقصود ومكرس
لأغراض تلتقي مع المحاولات التي شهدناها خلال الفترة
الماضية لشق الحزب وتقسيمه.

أيها الإخوة: وبصورة منسجمة مع التوجهات السياسية للحزب في
تصفية بؤر الخصومة والاحتقانات التاريخية وإعادة إنتاج
حياة سياسية تتواءم مع حاجة اليمن للتنمية والاستقرار
والعدل والمساواة بين أبنائه، فإن الحزب سيشجع بل وسيعمل
على ِ روح التصالح والتسامح بين أبناء الشعب اليمني.
ولابد من التأكيد هنا على أن هذه المسألة يجب أن لا تتحول
إلى دعوة للشقاق من نوع جديد، ونكون بهذا قد فتحنا باباً
آخر إلى طريق مجهول لينطبق علينا قول البردوني: فتحت صنعاء
باباً ثالثاً ليتها تدري إلى أين انفتح.
يجب أن تكون هذه القضية هي قضية الحزب بأكمله. على أن يتم
التعاطي معها بدوافع تتجاوز الحالات الخاصة أو التقديرات
التي تمليها بعض الحسابات هنا أو هناك، حتى لا تُستهلك هذه
القضية العادلة في توظيفات عقيمة واصطفاف مشوهة.
ولن يكون مفهوماً بأي حال من الأحوال أن تنسلخ هذه القضية
من الحزب على النحو الذي يريدها البعض اليوم لتوظف بالتالي
في اتجاهين متعاكسين: تصالح وتسامح مع الآخر، وخصومة ودعوة
إلى الكراهية في الحزب.
هل الآخرون أغبياء ليصدقوا مثل هذه الدعوة ممن لا يقدمون
برهاناً على جديتهم بشأنها في المكان الذي يجدر بهم أن
يبدؤوا التصالح والتسامح من داخله.
دعونا أيها الإخوة نغادر أمراضنا ونستعيد عافيتنا، ونعد
أنفسنا الإعداد اللازم لأية خطوة تؤكد مصداقية حزبنا تجاه
ما يدعو إليه وما يناضل من أجله.
وفي محاولة لامتصاص الحراك السياسي الذي شارك فيه حزبنا
بفعالية مع بقية أحزاب اللقاء المشترك جرت محاولات يائسة
من قبل بعض الدوائر لإعادة حشر الوعي المجتمعي المتطلع نحو
المستقبل داخل محطات منتقاة على نحو مقصود من محطات
التاريخ السياسي اليمني، وهو عمل ليس الهدف منه الاستفادة
وأخذ العبرة من دروس التاريخ وإلاّ لاختلف منهج البحث
وتوسعت دائرته، وتنوعت نماذج التجارب -وما أكثرها في
تاريخنا المعاصر- أما التوقف أمام محطات بعينها مثل 1986
فذلك مما يجعل مثل هذه الأعمال مجرد توظيف سياسي ساذج لا
يصعب فهم مراميه أو إدراك مقاصده.

أيها الإخوة الأعزاء: إن الذين يحاكمون حزبنا وتجربته
عليهم أن يقدموا الأفضل، حينذاك ستكون أحاديثهم وندواتهم
وتسريباتهم الإعلامية مفهومه عند الناس.
أما إذا أرادوا التقييم الموضوعي فلن يقولوا أكثر مما
قلناه، لكن بالمقابل المطلوب من هؤلاء جميعاً أن لا
يتوقفوا عند «الآخر» في تقييمهم فالموضوعية تستلزم تقييم
الذات أيضاً.
وحتى لايُستهلك حق الأجيال القادمة في تقييم التجربة
السياسية اليمنية ونقدها بما يساعدها على قراءة مرحلة من
تاريخه المعاصر بما يوحي أن هذا الجيل كان أميناً على
الأقل في نقل جزء من ميراثه على نحو مفيد، فلابد أن يتصرف
الجميع بمسؤولية وطنية تجاه هذا الميراث، ولايجوز أن
يُستهلك التاريخ كما تستهلك الثروة في الوقت الحاضر.

أيها الإخوة: تمر منطقتنا العربية بظروف غاية في التعقيد
من جراء ما تحدثه المتغيرات الدولية من تأثير مباشر عليها.
ومن المؤسف أن تراكمات المرحلة الماضية والمتمثلة في ميراث
الاستبداد والتخلف والتبعية، قد دفعت بالمنطقة من جديد إلى
قبضة القوى الكبرى تحت ذريعة أنها منطقة منتجة للإرهاب،
وشهدنا احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة وحلفائها
وما وصل إليه الوضع فيها على نحو بات يلقي بتأثيراته
السلبية على المنطقة كلها.
وازداد الوضع في فلسطين تعقيداً، وأضحت المواجهات الدامية
بين فتح وحماس عاملاً لإحباط المشروع الوطني الفلسطيني
المكرس لمواجهة الاحتلال الصيهوني وإقامة الدولة الوطنية
الفلسطينية، ووصلت الأوضاع في لبنان إلى درجة تنذر بالحرب
الأهلية بعد أن استنفدت سياسات كسر العظم قدرتها على تحقيق
مكاسب سياسية لأي من الأطراف المتنازعة.
ويهتز السودان بتمردات سياسية واجتماعية خطيرة، أما
الصومال فقد شهد آخر حلقات الإهمال العربي له وهو يتحطم
ويفرز من داخله خيارات القوة المناهضة لتقدمه. وشهد الغزو
الأجنبي له من قبل جارته إثيوبيا بدعوى حماية أمنها القومي
من التطرف.
وشهدنا اضطراب المنطقة بتأثير المشاريع النووية والمشاريع
السياسية التي تبحث لها عن وكلاء محليين في منطقتنا
العربية، وهو ماعكس حالة من التردي التي سُلِّمت فيها أمور
المنطقة للمشاريع الأجنبية تقرر مستقبلها ومصيرها.
ولكي تصرف الأنظار عن حقيقة الأوضاع المأساوية وتفاقم
ظواهر الفقر والبطالة وتكريس الهيمنة الأجنبية وتنامي
العوامل المنتجة للإحباط من جراء فشل التنمية الاقتصادية
والاجتماعية والالتفاف على المشروع الديمقراطي بجرعات
بسيطة من الحريات السياسية هنا أو هناك، التي لا تعني أكثر
من إكساب النظام الرسمي العربي مزيداً من المناعة في
مقاومة رياح الحرية والديمقراطية فقد أُدخلت المنطقة في
نفق الصراع الطائفي البغيض، والذي يجري بواسطته نقل معركة
الشعوب العربية والإسلامية من ميدان التنمية والحرية
والتقدم والنهوض الشامل للحاق بالعصر إلى ميدان مغلق على
ذاته بلا نوافذ أو أبواب، يطحن فيه الناس بعضهم البعض بمثل
ما امتلأت به الفترة الماضية من مشاهد وكأنها تجتر من
مخزون الذاكرة الجمعية صور الشقاق والكراهية وسفك الدماء
قبل أن تبلور الحاجة الإنسانية معياراً مختلفاً للتعايش
والتفاهم والتكامل وهو معيار المواطنة.
إن الاستبداد وهو يُضعِف المواطنة كقيمة ينتظم في إطارها
الناس على قدم المساواة في الحقوق والواجبات، وبما تكفله
لهم من حريات وما تلقيه عليهم من مسؤوليات، إنما يحفز على
إنتاج القيم النقيضة، وأشدها خطراً هي تلك التي تقسم
الشعوب على أساس طائفي أو مذهبي أو عرقي أو قبلي أو غيره
من التقسيمات التي تستهدف المواطنة في العمق، مع ما يفضي
إليه ذلك من حروب وصراعات دموية وتمزق وعدم استقرار.
هل كان ينقصنا هذا الوباء الفتاك حتى يجر منطقتنا العربية
وشعوبها نحو استقطاب تحلق بنا بعيداً عن معاركنا الحقيقية
مع الفقر والتخلف والاستبداد. جميع اللاعبين في هذا
الميدان يريدوننا أن ننسى مشاكلنا الحقيقية مع الفقر
والاستبداد، ولن تكون معركتنا ناجحة مع الموروث الثقافي
بصيغته التي يجري إحياءها اليوم إلاّ بنجاح معركتنا مع
الفقر والاستبداد والتخلف.. هكذا يجب أن نفهم المعادلة.
إن مواجهة هذا الوباء الذي يجري إنتاجه في منطقتنا يجب أن
يتم في نطاق البحث عن حل لمشكلة التخلف بأبعاده الاقتصادية
والاجتماعية والثقافية وهو أمر لن يتأتى إلاّ بإصلاحات
سياسية عميقة وإصلاحات فكرية تخرج من دائرة المسموح به ومن
قبضة الممكن والمتاح إلى دائرة أوسع تستوعب روح العصر
وتطلعات شعوبنا الى الحرية والديمقراطية.
إن التجمعات الإقليمية والتعاون فيما بين الدول وتنسيق
جهود التنمية والأمن أضحت اليوم من العلامات الدالة على أن
عالم اليوم يفرز حاجة ماسة لمثل هذا التعاون، وإذا كان
العرب في صيغتهم القومية قد فشلوا في الاستجابة لهذه
الحاجة فلاشك أن التجمعات الإقليمية بمقدورها أن تؤدي
دوراً هاماً في هذا المجال.
وفي الإقليم الذي نعيش فيه، والذي يعد أكثر حيوية من غيره،
تتوفر الظروف والإمكانيات لتعاون مثمر بين كافة أقطاره، بل
وتقدم الحياة أدلة كثيرة على أهمية هذا التعاون والتنسيق.
إننا مع كل الجهد الرامي إلى دمج اليمن في محيطه، ليغدو
جزءاً من مجلس التعاون لدول الخليج العربي.
وإذا كان المطلوب من دول المجلس أن تساعد اليمن على هذا
الطريق فإن علينا نحن اليمنيين أن نستوعب حقيقة حسم
خياراتنا على هذا الصعيد، ليس من منطلق الحاجة الاقتصادية
وعن طريق واحد فقط، ولكن من منطلق أشمل لحاجة الإقليم
للتفاهم والتكامل حول مختلف القضايا الإستراتيجية السياسية
والاقتصادية والأمنية. بمعنى أن لا يبقى هناك خيار ما
مفتوح على احتمالات تعطل استكمال شروط السير نحو هذه
الغاية إلى نهايتها.
الإخوة الأعزاء.. ربما أطلت عليكم، ولكن الهموم كثيرة
ووقتكم لا يسمح بالإسهاب.
أتمنى لكم التوفيق في مداولاتكم للخروج من هذه الدورة بما
هو مفيد لنضال حزبكم خلال المرحلة القادمة.
والله الموفق

* كلمة د.ياسين سعيد نعمان أمين عام الحزب الاشتراكي
اليمني في افتتاح دورة اللجنة المركزية للحزب أمس الأول
الثلاثاء