عدن نيوز - خاص - 30-1-2007

بين ظلم الوحدة لنا.. وظلمنا للوحدة

فارس سالم الشقاع

 

هذا الموضوع المتواضع, نقاطه مستمدة من ما يكتبه بعض الاخوة, الكتاب و الصحفيين في الداخل و الخارج, وهو عبارة عن محاولة جادة و مخلصة, نتناول فيها تسليط الاضواء على بعض الاعمال و الممارسات العدوانية السافرة, التي يقوم نظام صنعاء على تنفيذها ضد الجنوب و تاريخه و حضارته و تراثه منذ 7/7/1994م لغاية اليوم.. تعكس أعمال النظام تزوير الحقائق التاريخية بالشكل الذي يخدم أهدافه و مخططاته الغير وحدوية, على نحو يؤدي الى تغييب الدور التاريخي للجنوب و محوه, و بالتالي تبرير سرقة الارض بسرقة التاريخ... و هذا يعد عدوان مستمر على تاريخ الجنوب و حضارته العربية و الاسلامية بوجه عام.

 

أن أصرار و عناد النظام على تغيير الاسماء التاريخية و الاثار, تحت دعوى  و مسميات مختلفه (مزورة) في أطار ما يسميه أعادة صياغة و كتابة تاريخ الثورة اليمنية, يمكن أن يكشف لنا مدى أهمية هذه العملية التي يكرس النظام لها جل أهتمامه بالبحث و التنقيب عن العناصر التي ينبغي تسليط الضوء عليها لخدمة حاضره  و أستشراف آفاق مستقبله, أنطلاقاً من القول:" التاريخ لا يكتبه الا المنتصرون ".

 

و وفقاً لهذا المنطق, فأن طريقة كتابة التاريخ لا شك ستتأثر بالدرجة الاولى بالمادة و الظروف الاخلاقية السائدة في المجتمع, في الزمان و المكان الذي تتم فيه قراءة و كتابة التاريخ... و هذا ما ظهر جلياً و بوضوح تام في سياق ممارسات أعمال النظام و سلوكياته المريبة منذ 7/7/1994م, وهو يسعى لحشد كل أمكانات النظام و المجتمع لابتكار أساليب و فنون جديدة في التضليل و الخداع, ليس لقلب الحقائق التاريخية, بالاختزال و التعميم و التبسيط المخل بالمعايير الوطنية و التاريخية مع سطحية المعرفة,  كأدوات التشويه المتعمد, ليصبح الابيض لأسود, و الاسود أبيض فحسب, بل العبث بكل شيء حتى بالمقدسات و الاموات كما قال الدكتور واعد باذيب في موضوعه حول 13 يناير 1987م المشؤوم تحت عنوان (عام من التسامح و الفتن و النبش), لذلك فأعمال النظام عبارة عن سلسة من الاكاذيب أنكشفت فيها الخدع وما تنطوي عليه من غش و تزوير, وصولاً لطمس معالم تاريخ الجنوب و تحقيره من خلال تزييف الحقائق بخلطة ليست تاريخية, و لا تنتمي لا لزمن قديم أو حديث.. فقد قام النظام في العام المنصرم على تشكيل لجنة لاعادة مراجعة و صياغة كتابة تاريخ الثورة اليمنية, بينما دروس التاريخ تخبرنا من واقع تجربة النظام و تعامله على الارض تقول: أنه يصدر العديد من القرارات و النظم و القوانين, ثم يعمل عكسها على الواقع, ولازال يمارس لعبة هذه المهنة بأنتظام, لا سيما و الجنوب في نظره عبارة عن جثة هامدة لا يستحق أكثر من الاحتقار و الدعس, أو هو بالاحرى مجرد رصيد أو فاصلة في حساب لا قيمة له.

فاللجنة الموقرة التي شكّلها النظام, تزاول أعمالها في أعادة كتابة تاريخ الثورة اليمنية, وفق الاسس و القواعد المرسومة لها بدقة و أتقان.. في حين هنالك لجنة في الظل و شخصيات (خفية) تمارس أدواراً رئيسية, ليس في تنميطنا للتعايش مع الالم و العذاب و العدم, مع نظام يفتقر الى التعامل الحضاري الصادق في العمل و التعامل, الى الضمير و الاخلاق في الخطاب السياسي, بل النظام شيمته الكذب, يكبر و يكذب, و يكذب و يكبر, تكريساً لازاحة الاصيل أمام أطروحته التاريخية الغير أصيلة.. فجاء ( دوره الشرعي و المشروع) خليطاً هجيناً من تفسير تاريخي,  متحكمة فيه طبائع من أفكار عرب الجاهلية.

 

هكذا تعمل اللجنة (الخفية), وتقرر ما تراه ضرورياً و مناسباً, بأعتبارها المرجع التاريخي الاساسي في أعادة تحديد و رسم معالم تاريخ جديد, تحدد طبيعته و حدوده, ليشمل مدن و أثار مناطق الجنوب, دون الاستناد الى مايثبت ذلك, كتواريخ جديدة مكتشفة, لا تمس الجنوبيين (حضارياً و ثقافيا ) فقط, بل تطال و جودهم ذاته.. و هذه محاولة تندرج تحت بند أذا أردت أن تقضي على شعباً, فأعمل على محو تاريخه و ثقافته. و تلك من مبتكرات النظام اليمني, وهي واحدة من الصفات للثأر من الجنوب, وللتأكيد على ذلك, نذكر هذا المشهد..  حين نشبت الحرب في عام 1979م بين الشمال و الجنوب, حينها وصل الجيش الجنوبي الى مشارف صنعاء دون أن ينهب علبة كبريت, يومها قال السفير الامريكي في صنعاء, أن الولايات المتحدة الامريكية ملتزمة أدبياً على حماية النظام في الشمال, وفي نفس الوقت وصل الرئيس اليمني علي عبدالله صالح الى السوادية أثناء المعارك, و وقف أمام الخضر السوادي, الذي أقام خشبة على الطريق كحاجز لتشليح الهاربين من المعركة من الجيش الشمالي من أسلحتهم, أنذاك قال الرئيس اليمني علي عبدالله صالح كلمته المشهورة:" أن هذه الحرب نقطة سوداء في جبيني ولابد من محوالعار و الاخذ بالثأر".

 

لذلك, فقد قام النظام ليس بالانتقام ومحو العار و الاخذ بالثأر في حرب صيف 1994م, و أنما عمل على تغيير تاريخ الجنوب دون وزاع ضمير و على سبيل المثال للذكر و ليس الحصر مايلي:

 

أولاً: بعد أن صدي السيف في قرابه.. و غار صلاح الدين في صفحات التاريخ, قام النظام عبر (لجنته الخفية) المقررة للتاريخ, وليس المشكلة (صورياً) بمغامرة طائشة مع قائد عظيم عرفه التاريخ العربي و الاسلامي.. و وجه له ضربة قاضية, بحيث غيرت اللجنة أسم كلية صلاح الدين الايوبي العسكرية في عدن التي تحمل أسمه, بأسم معهد (الثلايا).

وعلى الرغم من الفرق بين الثرياء و الثرى.. الا أن كفة (الثلايا) لدى (الخبرة) رجحت على كفة صلاح الدين الايوبي.. أمجاد يا عرب أمجاد.

 

ثانياً: شن النظام غارة سريعة بعد 7/7/1994م, على المدارس الابتدائية و الاعدادية و الثانوية و الكليات, على مستوى الجنوب, وكأنه في معركة أستباقية, وقام بتغيير أسمائها بأسماء جديدة, بدلاً من الاسماء السابقة, رغم أن الكثير من المدارس في الجنوب قد سمّيت بأسماء الثورتين, و بأسماء شهداء الثورتين أيضاً. الا أن النظام لا يعترف بذلك.. و الحيز لا يتسع لتسجيل الاسماء القديمة و الجديدة.. ولكن اللجنة تعمل على قدم و ساق تجسيداً  لمقولة, ثورة 26 سبتمبر هي الام.. وصنعاء هي الحضارة و المنارة, وثورة 14 أكتوبر هي البنت.. هذا هو موقف النظام وما يقوم به من أجراءات و تدابير, فتحت العيون على حقيقة الاستلاب النابع من تحقير التاريخ الخاص بالجنوب وثورة 14 أكتوبر.

 

ثالثاً: أستناداً الى دراسة كتبة السلطان (المخفيون) يقولوا فيها:" ثبت علمياً بما لا يدع مجال للشك من أن المصادر التاريخية القديمة, جول بناء صهاريج عدن تعود الى مملكة سبأ عهد بلقيس.. فالملكة التي حكمت عرش سبأ, كما يبدوا كانت (الكحيله) على عجلة من أمرها, فشمرت ثيابها, وهي في طريقها لمقابلة نبي الله سليمان, ثم عرجت على عدن عبر (الشريجة) لوضع حجر الاساس لبناء صهاريج عدن, ثم واصلت الرحلة ولم تحس أنها كانت مشمرة ثيابها, نتيجة أنشغال فكرها بالمقابلة وبناء الصهاريج, الا في حضرة نبي الله سليمان, عندما عكس الرخام مناطق حساسة من الاسفل.

ولمن يرغب في التسلح بالعلم و المعرفة, يتعين عليه العودة الى المنابع الاصلية للدراسات و البحوث التاريخية للفقيدين: الاستاذ عبدالله أحمد محيرز و الاستاذ عمر الجاوي. وفي ذات الوقت ينبغي المراجعة و العودة للدراسات و البحوث التاريخية للكاتب المؤرخ بامطرف و المفكر العبقري الدكتور أبوبكر السقاف و الاستاذ القدير حسين الجابري, الذي يعمل كجندي مجهول منذ خروجه من السجن في مركز البحوث و الدراسات في عدن, والعودة الى كتاب (هدية الزمن) للقمندان النسخة القديمة الاصلية, وليست الجديدة المزورة.

 

رابعاً: أخر الفتوحات الوحدوية في عالم الاسماء التاريخية, أبتكرها النظام (لجنته الخفية), هي مدينة الشيخ عثمان, يقال كما يزعموا, قد سمّيت بهذا الاسم نسبة للولي المقبور في الناحية الشرقية الشمالية ومنها , يدعى الشيخ عثمان بن محمد الوحكي الزبيري, وهي مدينة بدأت كقرية متواضعة نشأت حول ضريح و مسجد في وقت ما, وأصبحت على مشارف القرن الحادي و العشرين أكثر المدن كثافة سكانية.. الان تقوم الجهات المسؤولة بأتخاذ الاجراءات اللازمة لتسجيل هذه المدينة في الشهر العقاري, تمهيداً لتدوينها بصورة قانونية في السجلات الرسمية للنظام. وهذه خطوة بكل ما فيها من تشويه و تعصب وعداء, على طريق أستكمال مخطط تغيير أسماء مدن و مناطق الجنوب بأسماء جديدة مزيفة, لكسب الدعم و التأييد لسياساته ومطامحه, وعاجلاً أم أجلاً, سيكتشف الجنوبيين بأنهم مطرودين من التاريخ, بالاضافة الى الجغرافيا حتى ولو كان الشيخ الذي نسب له الاسم, ووضع له قبر كولي بعد موته (أفتراضي) وهمي مجرد نزل الى عدن مثله مثل غيره ممن نزلوا في الماضي و الحاضر (كمتسول) يارب يا كريم (المهم) النظام يعمل له تاريخ زيطة و زمبليطة.

 

خامساً: عدن هي المدينة الاولى على مستوى الجزيرة العربية, التي عرفت الحياة المدنية و المجتمع المدني, وكذا النظام و القانون و المدرسة و الطريق و الكهرباء, كمستعمرة في ظل الانجليز.. كما عرفت البث التلفزيوني في عدن عام 1961م, بعد مصر مباشرة, ولما زحف الثوار و أستولوا على زمام الحكم في الجنوب, بفضل الجيش و قيادته الوطنية في 30 نوفمبر عام 1967م, ولما للسلطة من بريق و وهج خاص, وموقع وقوة خاصة, لا تكون الا في الحكم, تآمروا الرفاق وأنقلبوا على بعضهم البعض مرات عديدة, ليطبقوا على الواقع حرق المراحل من خلال شعار "ثورة.. ثورة.. لا أصلاح". مما أدى للقضاء على القيادات التاريخية المشهورة و المتعلمة للجبهة القومية, تحت (حزمة) من المسميات المختلفة, الامر الذي أدى ليس تصفية القيادات التاريخية للثورة, ونزوح الرأسمال الوطني, وهروب الكوادر المتعلمة من أبناء محافظة عدن فقط, وأنما أدى الامر الى ترييف مدينة عدن. لما صار الخلف أسواء من السلف بعد 7/7/1994م, أكتفوا (الخبرة) بالشعار الذي يقول " وحدة وكفى", وكتقدير لمدينة عدن الباسلة و لدورها التاريخي الوحدوي قبل السبتمبريين و الاكتوبريين, فقد نالت عدن الشرف من قبل النظام و سميت بأسم 22 مايو.

 

سادساً: قام النظام بارك الله فيه وسدد خطاه, بالعمل كما عودنا على ترميم مسجد أبان بالتواهي, والذي قام ببنائه أبن الخليفة الراشد عثمان بن عفان, وكذلك مسجد الشيخ عبدالله في عدن, وبعد أتمام أعمال المشروعين في الترميم لهذين المسجدين المشهورين, قام (الخبرة) وغيروا المعالم التاريخية للمسجدين بما يتواكب و (الدَقّة) الصنعانية الوحدوية, وهكذا وصل العبث حتى بالمساجد الاثرية لم تسلم.

 

سابعاً: في محافظة لحج شيّد متحف في مدرية ردفان, أطلق عليه أسم متحف ردفان, الهدف معروف, وهو جمع وثائق و أسرار قصة كفاح تاريخ الجنوب ضد الاستعمار.. وطبيعي أن يضم المتحف الوثائق التاريخية الموثقة, والصور المختلفة, وكذا أنواع الاسلحة, وصور للوطنيين, الشهداء و الاحياء الذين شاركوا في الثورة.. وتخليداً للمآثر البطولية التاريخية للثوار, و أدوارهم في المعراك التي خاضوها, فقد أقيم تمثال للشهيد راجح غالب لبوزة على الواجهه الامامية في أعلى المتحف,  كأول شهيد لثورة الرابع عشر من أكتوبر, كرمز وشرف الجنوب والجنوبيين. وبعد 7/7/1994م, عين اللواء محمد غالب لبوزة في رئاسة الاركان العامة, لا ندري لدوره في حرب صيف 1994م, أو لدور والده.. هذا وقد زيّن صدره بالاوسمة و النياشين, بينما متحف ردفان حوله النظام الى مستودع (للكدم) وكتعبير عن الغضب و الاحتجاج لهذا الموقف الغير وحدوي, فأن عمامة الشهيد راجح غالب لبوزة المزينة للتمثال قد مالت (منحنية) من على رأسه, وكأنها تقول لمن يشاهد التمثال:" والله زمن يا سلاحي أشتقت لك في كفاحي".

 

ثامناً: أن كل ما فعله النظام منذ 7/7/1994م, هو أن الرئيس اليمني وقف في مكان أعلى من الشعب و الوطن, وحول القيادات الجنوبية في الداخل الى رجال منزوعة الخصال الوطنية, وجعل من الجميع يتآمرون على الجميع, و الجميع يبيعون الجميع.. ليصبح الجنوب عبارة عن مزرعة خاصة للنظام, تشبه ما قاله أحد الكتّاب العرب:"الجنوب مثل عجوز ثرية ماتت دون وريث معروف, والمعزون يقصدون بيتها, وكل منهم يصلي الى جوار سريرها, ولا ينسى أثناء الدخول أو الخروج من البيت من أن يضع علامات بأسمه على بعض محتويات البيت, و البعض يأخذ معه محتويات وجدها جاهزة, يحملها على ظهره أو على سيارته, أو يضع حارساً عليها, أو تحفة يدسها في جيبه. وعندما يأتي تباعاً المعزون يجدوا البيت مخطط بالعلامات تحت أسماء مختلفة, الكثير منهم لم يعرف الدار من قبل, ولكن يحاول كل واحد أن يضع علامات فوق العلامات السابقة ويخلع ما قبله". عندئذ نحن اليوم كجنوبيين أمام موقف فاصل في التاريخ, نستطيع أن نواجهه عن طريق وحدة وطنية على مستوى الجنوب, ويجب أن ننتهز الفرصة كوننا في لحظة تاريخية قد لا تتكرر, لا سيما و النظام يمنع أي ظهور للوحدة الوطنية, وعلينا أن نفرض وجودنا من خلال الوحدة الوطنية, لانه لا يوجد سبيل آخر لاستعادة حقوقنا الوطنية و التاريخية الا بوحدتنا.

 

الامارات العربية المتحدة

أبوظبي