عدن نيوز - السفير اللبنانيه- 27-1-2007
نـداء إلـى تلفـزيـونـات الصـراع: كفـّوا بـلاءكم
عنّـا! 
رشا الاطرش
بشاعة، بشاعة، وأكثر. ظلم للعقل والعين والإدراك.
هول الصورة، والهول الأعظم خلفها وأمامها. حرب
أهلية تتمدد نيرانها على أيامنا بالمفرق. الخوف من
تواصلها، من تكريسها. فالشاشات تكاد تُقسِم،
علناً، وعلى الهواء مباشرة، بأنها لن تستكين قبل
أن تخربها، وتجلس، بالكاميرات واللوغوهات وشرائط
الأخبار التأجيجية، على تل بيروت التي تقطر ماء
النار على وجهها البهي. شاشات الحرب المقيتة، تخوض
حروبها المقرفة والمشينة، نصرةً، في اعتقادها على
الأقل، لخطوطها السياسية. والحال أنها تصوّب نيران
العدسات ولهجات التقارير على كل فكرة تنسب، زوراً
وبهتاناً، إلى الوطن (كم وطناً في الوطن؟ ولمن؟)
أو العدالة السياسية (الطائفية والمذهبية). بديهي
أن المسؤولية لا تقع على الإعلام في البداية، بل
على الطبقة السياسية التي تعدنا بأنها مستمرة، إن
كان في حركتها المطلبية من جهة، أو في صمّ الآذان
عن رأي نصف أبناء البلد من جهة أخرى، إنها
مستمرة... في نشل سنوات العمر، وخطف حتى إمكانية
التفكير بأنه سيأتي يوم ونكون مواطنين عاديين،
مثلنا مثل سائر خلق الله: نعيش، أو نخطط لمستقبل
قريب أو بعيد، أو حتى نسمح لأنفسنا بالحزن والفرح
لأسباب تتعلق بحيواتنا وأحلامنا وطموحاتنا، وليس
بأثر من غد ربما لا يطلع علينا إلا بوجه الحرب.
بديهي أن المسؤولية في البدء ليست على الإعلام.
لكن الإعلام الآن يتحمل المسؤولية كحلقة وسطى، بين
شرارة «إشكال طلابي» تطوّر إلى معركة حقيقية، وبين
الأحقاد والضغائن المتنامية في صدور الجالسين في
بيوتهم أو أماكن عملهم.
فأبسط ما يقال أنه في الوقت المستقطع (أم الأصلي؟)
ما بين تلاوة بيانات التهدئة، التي أطلقها أمس كل
من الرئيس نبيه بري وحزب الله والنائب سعد
الحريري، شرعت تلفزيونات الصراع تسكب الزيت فوق
لهب الشوارع. تناقض دعوات أربابها من السياسيين،
ولا أحد يعلم بأي منطق، سوى العبثية والغوغائية
المثيرتين للغثيان والرعب في آن معاً. لقد سلّمنا،
مرغمين بسلطة الأمر الواقع، بالتقسيم السياسي ـ
الطائفي للتراخيص التلفزيونية منذ خمسة عشر عاماً.
سلّمنا، في خضم السّعار السياسي والأمني الذي
نعيشه منذ عامين، بأن كل قناة ليست أكثر من بوق
للجهة السياسية التي تمثل. لكن ما يحصل الآن،
وتحديداً الأداء بالأمس، على شاشات المعارضة
والموالاة معاً، بات تهديداً حقيقياً للسلم
الأهلي، الذي ما زال هناك من يزعم (راجياً؟
متمنياً؟ يا ليت!) بأنه ما زال في مرحلة التهديد،
وأنه لم يسقط فعلاً.
هنا ملاحظات. ليست سوى عيّنات «بسيطة» مما قصفنا
به البث التلفزيوني في تغطيته أمس لـ«حرب» الجامعة
العربية ومحيطها. ومرة أخرى، هو «القصف» الذي تخلل
تلاوات لدعوات التهدئة وضبط النفس والخروج من
الشارع وعدم الانجرار إلى الفتنة... إلى آخر
الكلام الجميل الذي يبقى كلاماً، إذ تنسفه
التقارير المصوّرة والتعليقات والعبارات المسمومة
التي لا تعبر شرائط الأخبار «خفافا»...
«المستقبل»:
«اعتداءات لميليشيا حزب الله وملحقاته على أحياء
مختلفة في بيروت» (شريط الأخبار). وبصوت المذيع:
شبان ينتمون إلى أحزاب معروفة (نشكر ترفّعكم عن
تسميتها، بعدما استخدمت كلمة ميليشيا بكل
«موضوعية»!) يقطعون طريق مار الياس، فعسى أن يستمع
مناصرو حزب الله والرئيس بري إلى النداء الموجه
إليهم بالخروج من الشارع، وعسى أن يلبي أنصار تيار
المستقبل نداء الشيخ سعد الحريري بضبط النفس (بما
يوحي بأن أنصار التيار لم يحركوا ساكناً، وأنهم
مطالبون بالاحتفاظ بسكينتهم وانضباطهم! كأن فئة من
الشباب اشتبكت مع نفسها، أو أنها لم تجد من يتفاعل
معها ومع ذلك لم ترتدع!). ثم تكراراً: عدد من
الجرحى في مستشفى الرئيس رفيق الحريري الحكومي في
الجناح (وكأنه لا يوجد جرحى في مستشفى الرسول
الأعظم والساحل وغيرهما). وأيضاً بصوت المذيع
معلّقاً على صور الاشتباك بالعصي والحجارة: نتمنى
أن يعود الطلاب الذين «استُقدموا» إلى الجامعة
العربية، إلى بيوتهم (استُقدموا كدعم للزعران في
مواجهة الحملان الوديعة؟). نجح مؤتمر باريس ,3
ونأمل أن ينجح اللبنانيون في التصدّي للاصطياد في
الماء العكر وعدم تفتيت الوحدة الإسلامية (الآن
تقولون الوحدة الإسلامية؟ أي هراء؟!)، كما لدرء
الفتنة المسيحية ـ المسيحية (فلاش باك سريع إلى
إضراب الثلاثاء الماضي، والإشكالات بين العونيين
والقواتيين، أي حاجة إلى ذلك اليوم؟). ثم الصورة
الأنكى، ولو من دون صوت المذيع: طالبات يهرولن
خارجات، بل هاربات (وهذا طبيعي) من الجامعة
العربية. وليس صعبا «التكهن» بأن شكل عقد الحجاب
حول الرقبة، وألوانه الزاهية اليوم، يدل على هوية
إسلامية، دون أخرى أيضاً إسلامية. الصورة حقيقية،
لكنها بلا شك مجتزأة، وابنة زاوية كاميرا نصف
عمياء. أما الخبر «الصغير»، الذي مرّ سريعاً،
وبثقل مزمن، في نشرة الأخبار فهو «ورود شكاوى من
مواطنين توجهوا إلى المطار اليوم (أمس) ولاحظوا أن
السواتر الترابية لم تتم إزالتها، وإنما أزيحت إلى
جانب الطريق، ما يوحي بأنها ستعود لتستخدم ثانية،
فهل تكون بلدية الغبيري متواطئة في التمهيد لتحرك
جديد للمعارضة يكمل تحرك الثلاثاء الماضي؟» (هو
التخويف، هو الترهيب، هي شيطنة المعارضة وحصرها في
خانة العنف، هو بث روح المؤامرة واستباق التضليل
بتضليل، هو الخبث الذي لا يماثله خبث!).
«أن بي أن»:
سقوط أربعة شهداء (شهداء ماذا؟ أي قضية؟ هل يصح
إطلاق وصف قضية وشهادة على انفلات الغرائز
المذهبية؟ لكن، بعد التفكير، نعم... هم شهداء
وضحايا التجييش السياسي والإعلامي. هم شهداء
أعمارهم النديّة المسروقة على غفلة).. يكمل
التقرير: فبين الشهداء، طالبان ينتميان إلى
المعارضة (فماذا عن «الشهيدين» الآخرين؟ لم نعرف
عنهما شيئاً). 23 جريحاً (بعد الظهر) في مستشفى
الرسول الأعظم (لا ذكر للمستشفيات الأخرى إلا بعد
حين، وبتكرار أقل بكثير). مراسل القناة من أرض
المعركة «يؤكد» أن أنصار المعارضة لبوا نداء
الرئيس بري والشيخ عبد الأمير قبلان، فيما أنصار
تيار المستقبل، بالرغم من نداء النائب سعد
الحريري، ما زالوا في الشارع، ويفتعلون المشاكل مع
عناصر الجيش (كأن من لبّى النداء، إذا كان قد
لبّاه فعلاً، صودف أنه يتمشى في الشارع لحظة
اندلاع الإشكال، وها هو يسرع إلى بيته.. وكأن
أنصار «المستقبل» الهائجين، عندما لم يجدوا من
يتعاركون معه، تعاركوا مع الجيش... لا نعرف مدى
دقة «صياغة» الخبر، الذي رددته مذيعة الاستوديو
حتى حفظناه عن ظهر قلب، لكن المؤكد أنه مأخوذ بلا
سياق، أي من دون ما سبقه وما يليه). وها هو
المراسل نفسه ينبري لتكذيب «بعض القنوات
التلفزيونية التي تقول إن قوى المعارضة تفتعل
المشاكل وهذا لا صحة له على الإطلاق» (فلماذا لا
يقوم المراسل الباسل بتأدية واجبه ونقل الصورة
كاملة بدل التفرّغ للرد على الشاشات الأخرى؟ فهل
هذه مهمته؟ أم أنه بات يصرّح مثل مسؤول أمني بدلا
من أن يغطّي الحدث؟). أما المصطلح «العادي» في متن
كل خبر فهو «ميليشيا السلطة». في حين أن الصورة
تحاكي الوجه الآخر لصورة قناة «المستقبل»: طالبات
بحجاب أسود، فوق ثياب عاشورائية سوداء، يهرولن
هاربات. هي أيضاً زاوية الكاميرا التي تستوطن
الخندق الحليف، فترى بعينه وحسب، نصف عين متعمدة.
«المنار»:
أكثر ما «تميّزت» به «المنار» أمس هو ربطها لأحداث
اليوم بإضراب الثلاثاء الماضي، في التغطية
المباشرة وفي نشرة الأخبار. وبحسب المذيعة: إن
اعتداء «ميليشيا السلطة على طلاب المعارضة» جاء
بعد اعتداءات على مناصري الأخيرة يوم الثلاثاء
الماضي (أي حكمة في التذكير بيوم الإضراب وتظهير
ضحاياه اليوم؟ ألم يحظ الثلاثاء الماضي بكفايته من
التغطية طوال يوم ناري طويل؟ أهكذا تتم تهدئة
النفوس؟ ألم تقفل الجامعات والمدارس أبوابها يوم
الأربعاء، الذي تلى يوم الإضراب، تلافياً
لاحتكاكات المشحونين، ولإعطاء الفرصة للطلاب
المستنفَرين، من الجهتين المعارضة والموالية، كي
تضمر قليلاً عقالاتهم المنفلتة عنفاً؟ هل يحتاجون
إلى التذكير؟). أما التقرير الذي تلى هذه المقدمة
«الإخبارية»، فعرض صوراً من أرشيف الثلاثاء،
والتعليق يحكي كيف أن «القواتيين والاشتراكيين
وتيار المستقبل وشركاءهم اعتدوا على شبان المعارضة
بالحجارة والعصي والأسلحة الرشاشة»، وكيف أن
«بلطجية القوات اللبنانية، وعناصر المستقبل على
أسطح البنايات، أمطروا المعارضين بالحجارة»،
بالإضافة إلى «تصدي الاشتراكيين في الجبل، حيث كان
يقال نيال من له مرقد عنزة فيه، للمعارضة بالأسلحة
الرشاشة». أما التغطية أو المتابعة «الراهنة»،
فتركّز مثلاً، إلى جانب إشكال الجامعة العربية،
على المعلّمة العونية، ليا عادل، التي تعرّض لها
مديرها الموالي بالسباب والضرب، إثر حديث تطوّر
بينهما، وكان موضوعه غيابها عن المدرسة بسبب
التزامها بدعوة المعارضة إلى الإضراب... يوم
الثلاثاء الماضي... الماضي!
لا تتسع صفحة، أو جريدة بكاملها، لسرد كل الفظاعات
الإعلامية التي ارتُكبت في يوم خطير خطير خطير
كيوم أمس.
كل ما يظل له مكان هنا هو نداء: كفّوا بلاءكم
عنّا، علّ النفوس تهدأ، ولو قليلاً قليلاً
قليلاً...