عدن نيوز - صحيفة الوسط اليمنيه - 19-1-2007

 جنوب مسدوس في شمال مرفوس

 محمد صالح البخيتي

الأربعاء 17 يناير 2007

دائماً ما يكتب الأستاذ محمد حيدرة مسدوس ـ عضو المكتب
السياسي للحزب الاشتراكي اليمني رئيس الدائرة الاقتصادية -
في الصحف عن مفهومه لتصحيح مسار الوحدة وهو المصطلح الذي
عقد الحزب الاشتراكي اليمني مؤتمره الخامس تحت شعاره، وفي
كتاباته يعلن معارضته ليس لسياسة الحزب الحاكم بل ولسياسة
الحزب الاشتراكي نفسه حيث يتهم قيادته بالتساهل والتواني
في المطالبة بتصحيح مسار الوحدة وبنزع حقوق الجنوب من
السلطة الحاكمة التي نصت عليها اتفاقية الوحدة، وفيها يصر
على أن الحزب الاشتراكي هو الممثل الوحيد للجنوب اليمني أو
لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الشريك الثاني في
توقيع اتفاقية إعادة الوحدة اليمنية.
وفي تناوله الأخير بصحيفة الوسط (129) قارن بين برنامج
الحزب وتصريحات قيادته، ليظهر في الأخير أن قيادة الحزب
غير ملتزمة ببرنامجه، ونحن عندما نقرأ ما يكتبه نجده صحيحا
من زاوية وغير صحيح من زاوية أخرى.
فهو صحيح من حيث أن زخم الحزب الاشتراكي قد تراجع بعد
انفراد نظام الحكم بالسلطة على إثر حرب 1994 وتخلى عن نصوص
اتفاقية الوحدة وهمش اختصاصات القيادات التي تنتمي إلى
نظام عدن السابق، وبأن نظام الحكم أصبح نظاما قبليا
مناطقيا يدير اليمن بعصابة لا يربط بينها سوى المصلحة
الشخصية المادية بعيدا عن نظام الدولة ومصلحة الوطن.
وهو غير صحيح من حيث أن مسدوس لا ينظر إلى نظام الحكم إلا
من زاوية واحدة هي زاوية الجنوب فالجنوب في نظره هو الحزب
الاشتراكي وهو المظلوم وهو المهمش وهو الذي فقد وطنه
ودولته، والشماليون في نظره هم الذين حاربوا الجنوبيين في
صيف 1994م، فهو ينظر إلى أن القضية قضية وطن جنوبي مسلوب
لا قضية سياسية، وينظر إلى الوطن اليمني وكأنه مولود
بالأمس القريب في شكل توأمين أسميا المؤتمر والاشتراكي
ورميا في بوابة الأمم المتحدة ولا يعرف أحد لهما أبا ولا
أما، فكتاباته لا تستند إلى امتداد التاريخ اليمني عبر
آلاف السنين، بل إلى فترة 28 سنة التي حكم بها الحزب
الاشتراكي الجنوب، وفترة 28 سنة التي حكم بها علي عبدالله
صالح الشمال مرة والجنوب والشمال مرة أخرى، وكأن هذه
الفترة الزمنية هي بداية التاريخ التي يجب أن نستند إليها،
وننطلق منها.
والذي نريد أن نوصله للأخ مسدوس وهو يعلمه قبلنا أن
الجنوبيين النازحين إلى الشمال سنة 1986 كانوا في طلائع
الجيش الذي تصدى لحرب 1994 ولولاهم لما انتهت الحرب إلى
اليوم، وعليه ثانياً أن يبعد من فكره النظرة الضيقة هذه
ويرجع إلى ما سيجده من تاريخ اليمن وسيجد أن الدولة
اليمنية موحدة منذ القدم، فالدولة المعينية والسبئية
وغيرها من دول ما قبل الإسلام كانت تحكم أرض اليمن من
أقصاه إلى أقصاه، وكذلك كان اليمن في العصر الإسلامي وعصر
الأئمة، وإن كانت تظهر بين الحين والآخر دويلات صغيرة في
مناطق محدودة تحاول الاستقلال عن الدولة المركزية إلا أنها
كانت تظل معها في حروب مستمرة حتى تموت، ويعود الفرع إلى
الأصل، حتى حل الغزو العثماني الأول الذي استطاع أن يستلب
عدن من الدولة اليمنية الطاهرية يوم 7 ربيع أول سنة 945هـ
(3/8/1538م) وعندما تم التخلص من الغزو التركي عادت عدن
وغيرها من المناطق اليمنية إلى نظام الحكم اليمني في سنة
1044هـ (1635م) وظلت اليمن موحدة حتى كان الغزو العثماني
الثاني الذي انتهى بضعف الدولة القاسمية المتزامن معها مما
مكن البريطانيين في 19 يناير سنة 1839 (5 ذي القعدة سنة
1254هـ) من احتلال عدن لا لينشئوا بها دولة مستقلة عن نظام
صنعاء بل لحماية قوافلهم في المياه البحرية لأن نظام صنعاء
كان غير قادر على حمايتها لانشغاله بحروب أخرى، ونتيجة
للمقاومة اليمنية سلمتها بريطانيا مع ملحقاتها من السبع
النواحي في نوفمبر 1967م إلى من وجدته من أبناء اليمن، ليس
حبا في الحزب الاشتراكي ومشتقاته، بل كرها للنظام الشمالي
الذي تشترك في قتاله مع السعودية في الحدود الشمالية،
والذي عبر عما يلاقيه من البريطانيين والسعوديين في ذلك
الحين بقول الشاعر الشعبي:
يا بريطانية يا سعودية
ما لكم جهد قد شعبنا واحد
يا عرب كم لكم في العبودية
قامت الحرية والله الشاهد
فهذه نظرة تاريخية تبين لمسدوس أن عدن والنواحي السبع لم
تكن في يوم من الأيام بمعزل عن الدولة اليمنية الواحدة وأن
الحزب الاشتراكي لم يلتقطها من باب قبة إمام أو من باب
كنيسة نصراني، ليدعي أبوته لها، كما أن الحزب الاشتراكي
إياه لم يكن في يوم من الأيام شطري المنشأ أو مناطقي
النزعة بل كان حزباً يمنياً وحدوياً عربياً قومياً أممياً،
وإنما الظروف العالمية والحرب الأهلية بين الملكيين
والجمهوريين هي التي أدت إلى إعلان جمهورية اليمن الجنوبية
الديمقراطية لفترة مؤقتة اقتضتها مرحلة الحرب الأهلية التي
غذاها النظام السعودي والبريطاني بهدف خلق قضية تعيق اليمن
عن استعادة ما كان النظام السعودي بدعوته الوهابية قد
استولى عليه من أرض اليمن في نجران وجيزان وعسير، فهذا
الوطن المسلوب الذي أصبح الدخول والخروج منه لا يتم إلا
بجواز سفر وفيزة مدروسة بعناية هو ما كنا نود أن يشغل
مسدوس نفسه به وبمن فرط به، فهو الوطن الذي يقذف بمن يحاول
النزوح إليه من أبناء اليمن ليرميه في منفذ حرض أو منفذ
البقع كما ترمى القمامة في مقالبها، أما عدن وصنعاء وما
يتعلق بهما فهي ضمن المناطق التي يستطيع هو وغيره أن
يجوبها من أقصاها إلى أقصاها ويقيم فيها حين يشاء ويغادرها
متى شاء، ويتملك فيها ما تتيحه له ظروفه، بل ويصبح فيها
وزيراً أو ونائباً لرئيس وزراء.
صحيح أن نظام الحكم الحالي فاشل ومتخلف ومناطقي من وجهة
نظرنا ومن حقنا جميعا أن نناضل لإزاحته بالطرق الديمقراطية
التي رضينا بها لكن مهما كنا مظلومين ومهما كنا مهمشين فلا
يحق لنا أن ننادي إلا بالتخلص من الحاكم الفاشل فقط، لا
بالعودة إلى ما قبل الوحدة، فالقضية قضية وطن لا قضية حزب
أو منطقة.
ويقول مسدوس (أن الحياة السياسية بعد حرب 1994 قد أصبحت
شمالية بامتياز) وهذا كلام غير صحيح، فأبناء الجنوب في
رئاسة الوزراء ونواب رئيس الجمهورية ووزراء وقادة
ومحافظون، وإن كانوا مهمشين في اتخاذ القرار إلا أنهم أكبر
المفسدين بالمال العام، فكلام مسدوس لا يعكس إلا نظرته
المناطقية، فإنسان ينطق بهذه العبارة لا شك أنه يتبنى
المناطقية وأنه سيحكمنا بها فيما لو قدر له ذلك، ولو راجع
نفسه لوجد أن علي عبدالله صالح لا يمثل الشماليين ولا يحكم
الجنوب باسم الشمال، بل يحكم الجنوب والشمال باسمه هو أو
باسم من انتخبوه حسبما يدعي، وغير صحيح ما يقوله مسدوس بأن
الجنوب كان للحزب الاشتراكي والشمال للمؤتمر الشعبي العام،
فأين سيذهب بمن لم يكونوا منضويين تحت قبة أي من الحزبين
وهم الأكثرية، وغير صحيح أن أبناء الجنوب هم المهمشون فقط
بل إن أبناء الشمال! أكثر تهميشاً، فالكل مهمش، الجنوبي
والشمالي حتى أولئك الذين يديرون وزارات أو معسكرات أو ما
شابه ذلك، فصلاحياتهم مفقودة وليس لهم أي نفوذ أو قرار إلا
في الفساد بالمال العام الذي وضع لهم ليسكتهم، أما القرار
السياسي فهو بيد شخص وحيد لا يمثل إلا نفسه والبقية ليسوا
أكثر من ديكور جامد يمكن استبداله في أي لحظة لمسايرة موضة
التغيير.
وغير صحيح أن تصحيح مسار الوحدة وآثار الحرب مقتصر على
إعادة مسدوس إلى كيان الحكومة أو إلى العمل باتفاقية
الوحدة أو بوثيقة العهد والاتفاق أو حتى بالدستور المجمد،
فإزالة آثار الحرب هي أبعد من ذلك بكثير، فهناك أنهار من
الدماء سالت وأموال خاصة وعامة نهبت في حرب 1994م، لا بد
من محاكمة من سببها ومن ثم تعويض المتضررين، مثلها مثل حرب
صعدة، فإذا كان مسدوس جادا في مفهومه لتصحيح مسار الوحدة
فعليه أن يبحث في إحصاء القتلى والجرحى في هذه الحرب وتلك
ويقدمها للأمم المتحدة ومنظمة العدل الدولية، وإذا كان
مسدوس وطنياً فعليه أن يبحث عن الوطن المسلوب في سواحل
البحر الأحمر وقمم نجران وعسير وصحارى الربع الخالي لا أن
يحصر نفسه في إعادة تشطير ما قد تم ترقيعه.