عدن نيوز - خاص - 8-1-2007
اليمن والكويت، من يحاسب من؟!
أمين اليافعي*
عادت الإساءات الموجهة لليمن شعباً وحكومة من قبل بعض الساسة والكتّاب الكويتيين إلى الظهور على السطح مؤخراً ـ خصوصاً بعد مؤتمر المانحين اللندني الأخير، وموقف الحكومة من حكم إعدام صدام. ويبدو أن موقف الحكومة في المطالبة بإلغاء حكم الإعدام متفردة بذلك عن جميع حكومات الدنيا قد أثار حفيظتهم معتبرين ذلك تأكيداً لموقف اليمن غير الشريف تجاه بلدهم الكويت في الحرب الخليجية الثانية عام 1990.
وما يحزنني في هذه الإساءات التعميم تجاه الشعب اليمني بناء على مواقفٍ شعبية تبناها الإعلام اليمني في تلك الفترة كانت مؤيدة لموقفه الداعم لصدام، في بلد كاليمن تسيطر الحكومة تماماً على أجهزة الإعلام. دون أن يتم تمحيص حقيقي للموقف الشعبي الذي كان أول المتظاهرين تأييداً لحق الشعب الكويتي في دولته المستقلة، قبل أن ينقلب إلى موقفٍ قومي تتخطفه وتمنهجه التيارات اليمنية تحت مظلة "مواجهة الغزو الأجنبي ضد العراق".
ولو عدنا للوراء قليلاً لاستشفاف طبيعة العلاقات اليمنية الكويتية من مرحلة الازدهار والمحبة إلى مرحلة النكوص والتباغض، على الصعيدين السياسي والثقافي ومدى تماهيهما في تشكيل طبيعة هذه العلاقة، عل ذلك يجعلنا نقف على أخطاءنا لتصحيحها، ونتمكن من رأب الصدع بدلاً من الاعتماد على عقلية الصحراء التي تجعل "الثأر" أقدس مقدساتها، أو استخدام لغة "الست كوثر" "والست أم فاروق" للحوار كما في مسرحية "العيال كبرت"، مما يزيد الطين بلة.
فالكويت البلد الصغير الذي اعترف بالدولة اليمنية ـ في الجنوب والشمال ـ منذ اليوم الأول لقيامها، وقدم مساعداته السخية لكلٍ منهما في السراء والضراء، وأقام المشاريع التنموية في القطرين، والتي لا زالت بعضها تحمل اسمه إلى هذه اللحظة، فضلاً عن جهوده الكثيرة والكبيرة لاحتواء الخلافات في حالة حدوثها بين الفرقاء السياسيين سواء على مستوى القطر الواحد أو على مستوى الخلافات التي كانت تحدث بين القطرين دون أن يميل إلى طرفٍ بعينه، إضافة إلى وقوفه الإنساني أثناء الحروب الأهلية التي كانت تنشب، وجهوده المخلصة لقيام الوحدة اليمنية.
هذا على الصعيد السياسي الذي يدركه الجميع في مرحلة ما قبل 90. أما على الصعيد الثقافي والذي يُعتبر ـ من وجهة نظري ـ الغطاء أو المظلة التي هيأت وسبكت علاقات الود والمحبة بين البلدين في كافة الأصعدة الأخرى في مرحلة ما قبل 90. هذا البعد أنطلق من انبهار الكل في الجزيرة العربية بعدن تلك الشابة التي كانت تتفجر سحراً وجمالاً داخل بوتقة حضارية على أرقى ما يكون، من حياة مدينة متقدمة جداً تكونت على أساسها التيارات الفكرية والثقافية والاجتماعية من أحزاب ونقابات عمالية ومهنية مارست نشاطاتها بنوع من الحرية لم يصل إليها أي بلد عربي بعد. انتشرت في ظل هذه المدنيّة المدارس والمعاهد والصحف والمجلات، وانتشرت أيضاً الأندية الرياضية، والمتنفسات من حدائق وملاهي وسواحل، كما ازدهرت الحياة الفنية من غناء وتمثيل ومسارح وسينما كانت تعرض أول بأول كل ما تعرضه كل سينمات الدول المتقدمة. في ظل هذه الظروف الصحية ظهرت النُخب السياسية والثقافية والفنية مالئة صيتها دول الجوار، بينما كان الجميع من أبناء الجزيرة يقبع في عصور ما قبل التأريخ.
في هذه الأثناء كانت الكويت في بدايتها مشوارها الثقافي، فبدأت تُنشأ فيها الصحف والمجلات على نطاق واسع حتى بلغت ذروتها في نهاية عقد التسعينات، كما ظهرت مطابع الكتب بشكل متميز جعلها تنافس لبنان ومصر أمهات الطباعة العربية. كان لهذا الانتعاش الذي حدث للحياة الثقافية في الكويت تأثير مهم على مستوى الوطن العربي على صعيد حراكه السياسي والثقافي، حيث قامت بمساندة ودعم كل قضايا الأمة، وفتحت صحفها ومجلاتها أمام النخب العربية ـ لعل أشهرها صحيفة "القبس" ومجلة "العربي" و"المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب". وكان من بين هذه النُخب، النُخب الشقيقة في "اليمن الجنوبي" وفي طليعتهم "عبد الفتاح إسماعيل" الشخصية السياسية الأشهر في تأريخ اليمن الحديث والمثيرة للجدل. كما فتحوا آذانهم أمام المد الغنائي الكبير في تلك الفترة للفن اليمني بكل ألوانه، وأعُجبوا به أيما أعجاب، رددوا أغانيه، وحبوا مغنيه اللذين ذاع صيتهم بشكل ملحوظ. ولعل اللون العدني كان أكثر الألوان حظاً في الشهرة من بقية إخوانه، حتى أن ما يتجاوز الـ 80% من المغنين المحسوبين على هذا اللون هم كويتيون.
استمرت هذه العلاقات تكبر يوماً بعد يوم على كافة الأصعدة إلى أن جاءت الضربة القاضية للبلدين، فالحروب الأهلية التي قامت في الجنوب يقودها مجموعة من البدو الرعاع تحت مسميات عديدة لا يدركون أبسط مفاهيمها أكلت كل النُخب السياسية والثقافية سواء بالقتل أو النفي، وخنقت مدنيّة عدن إلى أضيق ما يمكن. ثم جاءت من بعدها القبيلة وما معها من مفاهيم جاهلية وثقافة العصور الحجرية التي تنظر إلى المدنيّة على أنها جُرماً وعيباً(أو العدو اللدود على حد تعبير ابن خلدون)، لتوأد ما تبقى من ملامح عدن الحضارية، وتنزوي بذلك بعيداً عن المشهد العربي، لتبقى فقط مجرد ذكريات طوباوية لقاطنيها.
أما الضربة التي قضت على الكويت العربي فكانت أكثر إيلاما، فلم تتصور أن أيدي الأشقاء التي قدمت لهم كل ما يمكن أن تقدمه ستكون عنيفة الصفعة بهذه الشدة. انسلخت بعدها الكويت عن المشروع العربي والمشترك، والقضايا العربية، وحصل لها ما يشبه الاجتثاث عن الهوية العربية المشتركة، والثقافة التي كانت أحدى منابرها. ومن شدة عنف الصفعة، ارتمت كلياً بحضن الغريب الذي أصبح يحدد لها مواقفها وقراراتها الداخلية والخارجية، بل لم يقتصر ذلك على المستوى السياسي فقط، فالتبدل الاجتماعي الذي حدث لهذا البلد المحافظ خلال بضع سنوات كان رهيباً، فقد شاهدنا بعض من أشكاله في القانون الذي قُدم لمجلس النواب للسماح بممارسة الشذوذ الجنسي، كما نشاهد ذلك الكم من الشباب "المتأنث"(أي الذي يغير ملاحمه ليصبح ما يشبه الأنثى) في شوارع الكويت بصورة تبدو عادية ومألوفة بين الناس، عاكساً حجم هذا التبدل الذي يكاد يكون جذري في طبيعة الثقافة العربية للمجتمع الكويتي.
وبعدما تحولت العلاقة بين البلدين من طرف الشرق إلى طرف الغرب(لا شك أن للحكومة الكويتية كل الحق في ذلك) نتيجة موقف سياسي يمني بليد لا يقدر حجم المسئولية التاريخية الملقاة على عاتقه، مع عدم تغير الخارطة السياسية في البلدين طيلة الحقبة الماضية، وبقاء العقلية اليمنية ضيقة الأفق كما هي، والتي لم تفكر يوماً بالاعتذار السريع للشعب الكويتي عن موقفها المتعجرف لحفظ ماء الوجه. ثم جاءت حرب صيف 94 في اليمن ليغدق فيها صدام على حكومة الوحدة(حكومة الشمال) بهبات سخية من طائرات وطيارين وعسكريين، ليصبح من الصعب بعدها التفكير بأمر الاعتذار مما قد يُعتبر خيانة للصديق السخي صدام، ظل موضوع العلاقات راكداً..
وهكذا انتظرت هذه الحكومة مدة 11 سنة لتقوم ممثلة في شخص رئيس النواب اليمني الشيخ الأحمر بزيارة رسمية للكويت عام 2001 بعد أن أصبح الأوان شبه فائتاً على تحسين العلاقات، ودخل في هذه الفترة كل من هب والدب ممن له مصالحه الخاصة في بقاء القطيعة بين اليمن والكويت ليزيدها توتراً.
أما على الصعيد الثقافي، فقد ابتعدت الكويت عن المشهد العربي إلا من رحمت السماء، بينما انزوت اليمن في حقب بدائية، وصارت عاصمتها مملوءة بالسل والجرب(على قول البردوني)، وزريبة للتيوس(شيوخ القبائل) يعيثون فيها الفساد وبرعاية الدولة حتى أصبح أن يُقتل مستشار وزارة في عز الظهر وفي داخل وزارته وبين حرسه مظهر طبيعي من مظاهرها. وبعدما تلاشينا ثقافياً عن الساحة العربية، أصبح ارتباطنا بالآخر يحدده فقط البعد السياسي في طبيعة قرارات ومواقف السلطة التي لا زالت على عهدها في عدم تقديرها للأمور، والوقوع في نفس الأخطاء السابقة.
يجب علينا قبل البدء بأي تقارب ،التركيز على النقاط المفصلية التي شكلت العلاقة القديمة، وعدم الاكتفاء بــ"البعد السياسي" للعودة بالعلاقات إلى عهدها السابق، فالبعد السياسي يضل حبيس السلطة، كما أنه متقلب توجهه المصالح، بينما البعد الثقافي والاجتماعي يظل راسخاً متصل بالشعوب نفسها.
وقبلها علينا أن نراجع أخطاءنا، فالإساءات مهما كانت قاسية(وهي لغة غير حضارية تقلل من قيمة الإنسان، ولا يعني هذا أننا نتقبلها) لن تساوي شيئاً أمام موقف اليمن في صيف عام 90، كما أن الهمج والغوغاء ألطف مليون مرة من موقف يترتب عليه مسح دولة بكاملها من على وجه الخارطة!
*كاتب وقاص يمني مقيم في مصر
eng_amin1@hotmail.com