عدن نيوز - المستقبل اللبنانيه- 2-1-2007

الأحداث التي لا تعرضها الشاشات لا وجود لها

المستقبل - الثلاثاء 2 كانون الثاني 2007 - العدد
S794 - رأي و فكر - صفحة 11


الكتاب: التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول.
الكاتب: بيير بورديو/ترجمة درويش الحلوجي.
الناشر: دار كنعان، دمشق 2006.


تحتاج التأثيرات العاصفة لوسائل الإعلام في
المجتمعات الحديثة إلى كثير من المراجعة والنقد،
خاصة في زمن البث الفضائي المخترق لكل الحدود.
وتزداد أهمية النظرة النقدية عندما تأتي من مفكر
بحجم بيير بورديو صاحب البصمات الفكرية والتأثير
العملي على الحركات الاجتماعية والسياسية الحديثة،
فهو يُعتبر أحد المنظرين الذين لأعمالهم مهمات
فكرية ونضالية لحركات العولمة البديلة.
كرّس بورديو سنوات حياته الأخيرة بشكل رئيسي لنقد
وسائل الإعلام والميديا في فرنسا (توفي قبل أربع
سنوات)، وشن نقداً حاداً على فساد وسائل الإعلام
الفرنسية وتبعية المثقفين الفرنسيين الذين أطلق
عليهم اسم "كلاب الحراسة الجدد". وكان للتلفزيون
النصيب الأكبر من النقد للدور الخطير الذي يلعبه
في تكريس المصالح السائدة، وفي تفريغ العمل
السياسي من مضمونه واللعب بعقول المستهلكين من
المشاهدين. ويشكل الكتاب ذروة نقد بورديو لوسائل
الإعلام وبخاصة التلفزيون.
حسب بورديو، لم تعد القنوات التلفزيونية وبشكل خاص
الفضائية منها، مجرد قنوات تقدم برامج للتسلية أو
للتثقيف، فقد أصبحت الأدوات الرئيسية للضبط
والتحكم الاجتماعي في المجتمعات الحديثة، ووفقاً
للمصطلح الذي يستخدمه بورديو، فالتلفزيون عبارة عن
أداة من أدوات "العنف الرمزي" الذي تمارسه الطبقات
الاجتماعية التي تهيمن على هذه الأدوات وتسيرها.
وبحكم تأثيره الواسع، يعتبر بورديو، أن التلفزيون
بآلياته المتعددة لا يشكل خطراً على مستوى الإنتاج
الثقافي، من فن، وأدب، وعلم، وفلسفة، وقانون فحسب،
بل بات يهدد أيضاً الحياة السياسية والديموقراطية.
والمشكلة الرئيسية والضاغطة على التلفزيون ومعه
جزء من الصحافة، أنها وسائل مدفوعة بمنطق اللهاث
وراء مزيد من الإقبال الجماهيري. لذلك أتاحت هذه
الوسائل الإعلامية للمحرضين على الممارسات
والأفكار العنصرية المعادية للآخر أو من خلال
تقديم التنازلات التي يمارسونها انطلاقاً من نظرة
شوفينية ضيقة الأفق.
يشكل التلفزيون اليوم نوعاً من مرآة نرجسية،
مكاناً لاستعراض حب الذات. حسب توصيف بورديو، وكل
من يريد الظهور عليه تقديم التنازلات، فلا يوجد
ظهور مجاني على الشاشات. فالتلفزيون يمارس رقابة
خفية، حيث الدخول إليها يفقد المشارك استقلاليته،
من خلال فرض الموضوع المعروض، وفرض شروط الاتصال
والحوار، كما تم فرض الزمن على خطاب المشاركين
بحدود صارمة، كل هذه الشروط تفقد الظهور على
الشاشة أي مجال لقول أي شيء مهم.
لا تقتصر رقابة التلفزيون على رقابة خفية من داخل
التلفزيون نفسه وشروط الظهور على شاشته، فحسب، بل
هناك رقابة خارجية عليه، وهي ما يسميه بورديو
"الرقابة الاقتصادية" أيضاً. حيث لا يمكن قول شيء
عبر التلفزيون غير ذلك الذي تم تحديده من قبل من
يملكون هذه المحددات، أي من قبل المعلنين الذين
يدفعون ثمن إعلاناتهم، من قبل الدولة التي تمنح
الدعم، كذلك من قبل المالك، كل هؤلاء الفاعلين
الاقتصاديين يملكون التأثير على التلفزيون، فيصبح
الظهور على الشاشة محكوم بعدد من الرقابات
الداخلية والخارجية.
يشبه بورديو عمل التلفزيون بعمل الحواة والسحرة،
فهؤلاء يقومون بعملهم الذي جوهره، جذب الانتباه
نحو شيء آخر غير الذي يقومون به. إن جزءاً من
العمل الرمزي للتلفزيون، هو عمل مزدوج المهام،
يظهر ويخفي، فمثلاً، على مستوي المعلومات يقوم
التلفزيون على جذب الانتباه نحو أحداث من أجل
إخفاء أحداث أخرى. وإذا ما تم استثمار ساعات البث
الثمينة من أجل أشياء تافهة جداً وفارغة جداً، فإن
هذه الأشياء التافهة هامة جداً بالقدر الذي تخفي
فيه أشياء ثمينة بالفعل.
وحتى يكون الحدث مهماً عليه أن يحظى باهتمام
الصحافيين الذين يهتمون أصلاً بما هو استثنائي
وخارق للعادة. بمعنى آخر هناك اهتمامات خاصة
للتلفزيون تفرض نفسها على كل شيء في المجتمع بما
في ذلك السياسة. ومن هنا يلعب التلفزيون دوراً
حاسماً في النضالات، ومن هنا يجب إقامة مظاهرات
للتلفزيون أكثر فأكثر، فالمظاهرة التي لا يعرضها
التلفزيون، مظاهرة لا وجود لها. كما يحتاج
التلفزيون إلى المفكرين ـ السريعين، الذين يقدمون
نوعاً من التغذية تم إعدادها مسبقاً، عن طريق
محادثات تحضيرية مع المشاركين المتوقعين، وهو ما
يصنع الفضاء الإعلامي المتواطئ بين العاملين
المحترفين في التلفزيون والمفكرين السريعين.
ينتج التلفزيون تأثيرات مستحدثة لم تكن موجودة
سابقاً، وذلك بسبب من اتساع انتشاره ووزنه الخارق
للعادة، وقدرته على اختراق المنازل دون إذن أو
تصريح. فمثلاً، يمكن للتلفزيون أن يجمع أمام أي
نشرة أخبار عدداً من المشاهدين أكثر من كل أولئك
الذين يطلعون على كل الصحف مجتمعين. في وسائل
الإعلام يظهر قانون بات معروفاً، كلما أرادت أداة
إعلامية أو وسيلة تعبير أياً كانت أن تصل إلى
جمهور مستهدف، كلما وجب عليها أن تفقد الكثير من
حدتها، أن تتخلى عن كل ذلك الذي يسبب الانقسام
ويُستبعد، كذلك يجب على هذه الأداة أن لا تصدم
أحداً.
تعرض المجال الصحفي إلى الكثير من الضغوط
والتدخلات المتعددة، ومن مستويات مختلفة، فخصوصية
العمل الصحفي، أنه يعتمد كثيراً على القوى
الخارجية أكثر من أي مجال من مجالات الإنتاج
الثقافي الأخرى. إنه يعتمد بشكل مباشر على الطلب،
إنه يخضع لشروط السوق، وربما أكثر للمجال السياسي.
وأكثر ما يظهر ذلك في التلفزيون، الذي يؤثر على
الجميع، حيث الصحف والصحافيين يفقدون هالاتهم
وهيبتهم لأنهم أيضاً مجبرون على تقديم تنازلات
تجاه منطق السوق وتجاه التسوق الذي تم إدخاله من
قبل التلفزيون التجاري.
كل النقد الحاد الذي يوجهه بورديو للتلفزيون، قدمه
من خلال التلفزيون نفسه، فالكتاب في الأصل
محاضرتان قدمتا عبر شاشة التلفزيون. ويدعي بورديو
أنه فرض شروطه على التلفزيون قبل الموافقة على
تقديمه محاضرتيه، من خلال اختياره الموضوع ودون
تحديد الوقت.. إلخ. ولكن هل يستطيع مفكر وحتى
عشرات المفكرين تغيير طبيعة عمل التلفزيون ووظيفته
التي يوصفها بورديو بالكثير من الملاحظات الثاقبة؟
سؤال كلنا يعرف إجابته.
مراجعة: سمير الزين