عدن نيوز - خاص - 26-12-2006

 اليمن الأول عربياً في البحث عن كلمة "جنس"، من المسئول؟!

أمين شنظور اليافعي

 
حفظت طبيعة اليمن الجغرافية العادات والتقاليد للمجتمع اليمني عبر القرون بمعدل مائل إلى الثبات بدرجة كبيرة، فهذه الطبيعة التي كانت عامل مهم في إحداث التمردات السريعة ضد القوى الاستعمارية الخارجية التي حاولت إخضاعها، والحيلولة دون بقاءها الطويل كانت من أهم الأسباب التي أدت إلى هذا الثبات(عدا بعض الأطراف قليلة السكان). كما ساعدت هذه الطبيعة التي تتميز بتمركز المناطق الصالحة للعيش في بقع محددة على بقاء التقسيمات الاجتماعية في اليمن كما كانت في السابق دون تغيير مما أدى إلى تكوين ثقافة أحادية رافضة تماماً لأي تعددية ثقافية داخل المجتمع، وفي نفس الوقت طاردة للثقافات الوافدة كالتي تأتي مثلاً عن طريق الهجرات ( يمكننا على ضوء هذا نفهم سبب هجرة اليمنيين الكثيرة والمستمرة إلى خارج اليمن، ونفهم لماذا بقيت الطائفة اليهودية مفصولة تماماً عن الحياة الاجتماعية اليمنية). 
فالطبقة الحاكمة(أمراء وشيوخ) لا زالت إلى وقتنا الحاضر تسير في نفس النمط السابق في استئثارها لكل الثروات، وسيطرتها على المجتمع اجتماعياً وثقافياً وسياسياً واقتصادياً، وطبقة عاملة مطحونة تسير وفق القواعد التي حددتها الطبقة الحاكمة. 
وقد خدمت هذه الطبيعة الطبقة الحاكمة إلى حد كبير في بقاء اليمن مقفولاً على العالم مما يضمن بقاء النظام الاجتماعي دون تغيير الذي يحقق لها استمرار مصالحها وسيطرتها على المجتمع، وعمدت بما وفرت له هذه الطبيعة من مميزات إلى استخدام كل أوراقها من سلطة ومال لبقائه دون أن يتحرك خطوة واحدة. كما استمالت الفئات الاعتبارية في المجتمع كالمرجعيات الدينية عن طريق تصدير أن الانفتاح على ثقافات أخرى خطر على مراكزهم البطريركية، ليصير الدين بذلك يد مُطوعة في خدمة بقاء النظام الاجتماعي التقليدي وتكريسه(ربما كان تنديد التجمع اليمني للإصلاح بقانون "تنظيم حيازة السلاح"، واعتباره مؤامرة ضد القبائل لأن الدولة تريد عزلها من السلاح الذي يعتبر حمله مكمل للشخصية اليمنية، وقبلها ذكر الأمام حسن البنا في مقدمته التي كتبها لتقرير "الفضيل الورتلاني" عن أوضاع اليمن الاقتصادية والاجتماعية: أن انتشار الأمية والجهل من أهم الأسباب التي تسهل السيطرة على المجتمع اليمني كون عقل إنسانه لم تفسده الحضارة الغربية! يوضح ما ذهبنا إليه. "راجع كتاب : الأخوان المسلمون والحركة الأصولية في اليمن لعبد الكريم فكري قاسم"). 
وحتى لا تفسد الحضارة عقلية الإنسان اليمني، استمرت الطبقة الحاكمة في أتباع سياسة الفرض القسري للقيم التي تصدرها، والاحتواء لكل صغيرة وكبيرة في سلوكيات المجتمع. فقامت بمنع وتحريم كل ثقافة لا تؤدي إلى تثبيت النظام الاجتماعي، ونشرت الفتاوى التي تتبنى نظرية أن الكتب الثقافية والفكرية مفسدة للعقل، وحرّمت الفن بكل أنواعه، ومنعت السينما والمسرح على اعتبار أن هذه الأشياء تؤدي إلى تفتيح العقلية اليمنية على واقعها المرير مما يشكل خطراً على سلطتها. 
لكن مع تطور التكنولوجيا الحديثة وما أحدثته من ثورة كبيرة في مجال الاتصالات حتى أصبح العالم كقرية واحدة، وأصبح باستطاعة أي شخص في أي مكان في العالم عن طريق الانترنت الإطلاع على ثقافات الآخرين بكل سهولة ويسر، وبعيداً عن الرقابة سوى رقابة الضمير. كانت هذه البيئة التقليدية التي تقف خلفها ترسانة من القيم تقوم بحراستها الطبقة الحاكمة المستفيدة والتي تدعي بنجاح سياستها القيمية من خلال المظهر الخارجي لإنسانها أمام اختبار حقيقي لمدى فعالية قيمها في إنتاج ضمير حي يصمد عند مواجهة الثقافات الأخرى، ولا تزحزحه أعاصيرها ومساوئها. 
ومما لم تتصوره هذه الطبقة أن مثل هذه المجتمعات التي تتسم بناءها بتركز السلطة سواء على مستوى العائلة أو على مستوى المنظمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية تأتي النتائج دائماً بما لا تشتهيه الطبقة المحتكرة عند أبسط التقاء مع العالم الخارجي المتفوق عليها في كل نواحي الحياة، إذ نلاحظ على مستوى الحياة الخاصة والعامة أن البنى التي تحتكر فيها السلطة وحق اتخاذ القرارات من قبل شخص أو مجموعة من الأشخاص هي بنى معرضة دائماً لأشكال مختلفة من الاضطرابات، كما أن المجتمعات التي تفشل في وضع برامج وسياسات وخطط واستراتيجيات تحقق العدالة الاجتماعية وتقضي على أشكال اللامساواة المختلفة، تكون أكثر عرضة لانتشار المشاكل الاجتماعية بين أفرادها كما يقول الدكتور عادل مجاهد الشرجبي أستاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء، وتنتج في ذاتها بيئة متمردة منخلعة عن قيمها، كنوع من رد الاعتبار أمام الطبقة الحاكمة التي تسيطر عليها بقبضة من حديد عند أو فرصة سانحة، خصوصاً مع ضغوط الحياة اليومية، وأشكال المعاناة المختلفة من تسلط وقمع سلطوي إلى فقر ومرض وجهل، مع غياب المنابر الصحيحة التي توفر لها العناصر الجمالية(كالفن من أدب وسينما ومسرح وغيرها..)، أو تساعدها في التعبير عن همومها ومشاكلها بكل حرية ودون أن تتعرض للقمع، وكما قيل منذ القدم أن المغيظ لا يجيد التفكير ولا التعامل ولا المحبة. 
كانت هذه المقدمة هي محاولة للقراءة أو البحث عن الأسباب التي أدت إلى تربع اليمن على عرش الدول العربية في البحث عن طريق استخدام محرك البحث الشهير "جوجل" عن كلمة "الجنس جنس،.." وذلك رغم تضاؤل أعداد مستخدمي الإنترنت في اليمن مقارنة ببعض الدول العربية الأخرى، حيث لا يتجاوز عدد مستخدمي الانترنت في اليمن 4.5% من عدد المستخدمين في مصر أو 9% من عدد المستخدمين في السعودية كما ذكرت صحيفة "إيلاف" في إحصائيتها عن طريق خدمة "Google Trends" إحدى خدمات موقع "جوجل" على شبكة الانترنت الذي يقوم فيها المستخدم بإدخال إحدى الكلمات بغرض عرض إحصاءات عن أكثر المدن والبلدان واللغات التي بحثت عن هذه الكلمة على محرك بحث "جوجل" خلال الفترة من يناير /كانون ثاني2004 إلى إبريل/ نيسان 2006. 
وإن ما يجعل المشكلة أكبر في الحالة اليمنية هي نوعية المستخدمين لخدمة الانترنت، حيث تشير إحصائية أخرى إلى أن حملة البكالوريوس هي الفئة الأكثر استخداماً للإنترنت في اليمن حيث تصل النسبة إلي 50%، وكذلك الفئة العمرية بين 21 - 25 سنة (40%)، تليها الفئة ما بين 26 و30 سنة (31% ثم الفئة ما بين 31 و35 سنة (15%).
فهذه هي الفئة الأهم في اليمن والتي يُنظر إليها بالكثير من التفاؤل، ويعول عليها قيادة اليمن الحديث للدخول إلى عالمٍ حضاري أساسه السباق التكنولوجي، قد انكشفت بهذه الطريقة، ووضحت أهدافها واتجاهاتها بما يشير إلى مأساة حقيقية تكشف مدى فشل سياسة الفرض القسري والاحتواء التي يتبعها النظام الاجتماعي في اليمن.
ومن المؤسف جداً أن الخطوات التي قامت بها الحكومة من أجل تطويق هذه الظاهرة تحت ما يسمى بـ "كشف المستور " لم إلى البحث عن الأسباب التي أدت إلى بروز الظاهرة لمعالجتها، بل سلكت أقصر السبل في استخدام النظام السابق من مراقبة وحجب والذي كان من أهم الأسباب لبروزها. وفي الأخير اكتفت الحكومة بعد أن تراجع الدخل اليومي لمقاهي النت بنسبة كبيرة، وبعضها تم قفلها بعد الإفلاس بمراقبة وحجب بعض المواقع السياسية!
ما يجعل هذه الإحصائية ذو أهمية كبيرة كونها ترتبط باتجاهات وأهداف شعب ما المستقبلية من خلال القضايا والاحتياجات التي تقوم الشريحة المهمة في هذا الشعب من مستخدمي الإنترنت بالبحث عنها، وجمع أكبر قدر من المعلومات حولها بما يوفره الإنترنت من خدمات غير محدودة في كافة المجالات والتخصصات، وما نفهمه من أن إسرائيل هي أكبر دولة بحثت في محرك البحث "جوجل" عن كلمة "عروبة" خير دليل على مدى الارتباط من عدمه بين أهداف الأمة وقضاياها الطارئة وبين الأهداف والقضايا التي تشغل أفرادها. 
أعتقد أنه في الأخير من حقنا أن نسأل زعامات النظام الاجتماعي: هل السياسة التي اتبعتموها كانت فعلاً نابعة عن نية صادقة لتجنيب الشعب اليمني بالوقوع في مثل هذه المستنقعات؟ ما نراه الآن هو بقاء مصالحكم كما هي، بينما الشعب يهوي في وحلٍ رهيب، فمن المسئول؟!.
 
كاتب وقاص يمني مقيم في القاهرة
eng_amin1@hotmail.com
 
amin_1983_8 @yahoo.com