عدن نيوز - صحيفة الوسط اليمنيه - 21-12-2006
أركولوجية الانتماءات والهويات..
د.عبدالباقي شمسان
الأربعاء 20 ديسمبر 2006
قراءة في عمليات التحديث، والمواطنة من خلال تسميات
الدحباشي وبريمر
تصاحب عمليات التحديث والتنمية في البلدان النامية بروز
ظاهرة اجتماعية أطلق عليها اسم التعبئة الاجتماعية، وتتمخض
الظاهرة من أحشاء التغيرات التي تشهدها البيئة (التحضر،
التصنيع، تطور وسائل الإعلام، ارتفاع وتقدم مستوى
التعليم،..) بفعل عمليات التحديث، وتفرز تلك البيئة
المتغيرة قيماً وتوجهات تمهد لتشكل وعي جديد من خلال توفير
الاستعداد لدى الأفراد لاستيعاب أنماط جديدة من التنشئة
والسلوك إثر تداعي مجموعة الارتباطات (السابقة) الاجتماعية
والاقتصادية والنفسية (1).
ولعمليات التحديث ثلاثة أبعاد (2): تقنية، تنظيمية، سلوكية
فرضت وحددت مواقع نظر الدارسين لها وهي:
1- التغيرات المرتبطة بالمجال الاقتصادي وعملية التصنيع.
2- سلسلة التغيرات الاجتماعية والنفسية المرتبطة بتغيير
الأنماط التقليدية للسلوك وتعديل مفاهيم الأفراد.
3- التغييرات السياسية مثل تحديث البنى السياسية وتوسيع
مجال المشاركة ونمو الإحساس القومي لدى الجماهير.
وقراءتنا المتواضعة تندرج وتركز على العنصرين الثاني
والثالث ، وهذا يعني أننا سنهتم بالمسائل التالية:
* قياس قدرات الأجهزة الحكومية في تعاملها مع مهامها
وواجباتها الجديدة.
* مشاركة المواطنين في العملية السياسية.
* المواطنة (في أبعادها النفسية، المادية، والقانونية).
تهدف أي عمليات تحديث سياسي إلى تنمية قدرات المؤسسات
الحكومية، وتمكنها من أداء واجباتها الجديدة ولا يتحقق ذلك
إلا من خلال تعزيز السلطة المركزية واضعاف مجالات نفوذ
السلطات التقليدية (قبلية، عشائرية، أسرية،..الخ) وتحديد
الأدوار والوظائف لمؤسساتها بناءً على تقسيم تخصصي،
وأخيراً زيادة المشاركة الشعبية في العملية السياسية،
وينبغي على النخب السياسية الحاكمة توسيع وتجذير مساهمة
المواطنين في العملية السياسية بحيث تكون المشاركة في
عملية صنع واتخاذ القرارات السياسية حصيلة النهاية لتلك
العملية. ويتم ذلك من خلال بلورة المطالب والآمال
والطموحات للجماعات والأفراد والتعبير عنها بواسطة الآليات
الحديثة (الأحزاب، النقابات، جماعات الضغط ...الخ) وتجميع
المطالب وتوفر الآليات غير كاف وليس له جدوى، بدون توفر
الشعور بالاقتدار السياسي، أي شعور الفاعلين بقدرتهم على
تقرير مصيرهم من خلال التأثير (تعديل/إلغاء) القرارات. وهي
(أي المشاركة/ الاقتدار) القادرة على خلق الهوية الوطنية
والقطع التدريجي مع كل الانتماءات المرجعية الجغرافية،
الاجتماعية، المذهبية...الخ
وبخصوص أهمية الموضوع السابق وضرورة تركيز النخب السياسية
عليه ضمن الأولويات يقول على أسعد وطفه (3)" إن الهوية
كيان يجمع انتماءات متكاملة. وهوية المجتمع تمنح أفراده
مشاعر الأمن والاستقرار، وفي الوقت الذي يكون فيه المجتمع
متعدداً بانتماءات وفئات وجماعات عرقية أو دينية أو سياسية
يتوجب على السياسيين العمل على دمج هذه الانتماءات للوصول
إلى هوية مشتركة" وبناءً على ما تقدم نتبين أن عمليات
التحديث المستمرة تعمل على فك ارتباطات الأفراد والجماعات
بهوياتهم الأولية، وصهرها في هوية وطنية. وذلك بواسطة
توسيع نطاق المشاركة السياسية، وعدالة توزيع الثروات
وعائدات النمو (عدالة اجتماعية) ولا يتم كل ما تقدم إلا
بصياغة عقد اجتماعي جديد يمنح بموجبه المواطنون السلطة
شرعيتها المشروطة والمراقبة. ويمكننا القول استناداً على
تجارب البلدان النامية أن أغلب النخب السياسية فشلت في
تحقيق المشاركة السياسية وفي تحقيق النمو الاقتصادي الذي
كانت تتذرع به من أجل عدم تحقيق الديمقراطية (4): إن
استحواذ نخب الاستقلال وما بعدها على السلطة بذريعة تحقيق
الاستقرار والرخاء لم يؤد إلى عدم الوفاء بالوعود فحسب بل
إلى ضعف الدولة الوطنية نتيجة استمرار الانتماءات الأولية
(مناطقية، قبلية، طائفية...الخ) بفعل هيمنة الأقلية وإقصاء
الأكثرية من النفوذ والثروات. ويكون ضعف الدولة الوطنية
أشد وطأة في الفضاء العربي نتيجة تجاوز الدولة الوطنية إما
بالعودة نحو الانتماءات السابقة لها أو نحو الانتماء
العربي الإسلامي.
ولا تخرج اليمن عن السياق والتصنيف السابق سواء في المرحلة
الشطرية - التي يضاف لها انعدام الاستقرار وتعثر عمليات
التحديث والتنمية جراء الصراعات على مستوى الشطر الواحد أو
بين الشطرين أو يمن الوحدة التي لها متطلبات تحتم إعادة
ترتيب وتوازي الأولويات التحديثية والاندماجية.
وضاعف تعقد المسألة الصراعات والحروب. ( 94- صعدة) وآثارها
التنموية والاقتصادية وكنت قد تطرقت إلى المسألة السابقة
بشكل جزئي وعابر عندما حللت (تداول التسمية التصنيفية
دحباشي في سياق) مقال نشرته في صحيفة «الوسط» (العدد 114/
أغسطس 2006م) تحت عنوان رؤية استشرافية لخارطة القوى: قلق
وارتباك المؤتمر الشعبي العام في إدارته للعملية السياسية
والانتخابية.
وتوقفت بعمق عند تداول التسمية التصنيفية (دحباشي)، دون
معرفة حجم وكثافة الآخر أو بالأدق تحديد الآخر بالنسبة
للمناطق الجنوبية إلا مؤخراً من خلال مؤشرين هامين جداً من
حيث الدلالة وكثافة الحضور هما:
1- عندما أقامت منظمة صحفيات بلا قيود بالتعاون مع صحيفة
الأيام بعدن ندوة: إعلان تقرير الصحافة في اليمن: الهامش
الانتهاكات فاجأ الجميع باشراحيل بالانسحاب وإلغاء مساهمته
(الغداء) معللاً ذلك بتجاهل الكتاب «الجنوبيين» وبغض النظر
عن صحة المسألة من عدمها أو دوافع باشراحيل المهم بالنسبة
لنا السبب المفسر لدعوة المشاركين للانسحاب الذي يعني حضور
الشعور بالإقصاء ( المادي/ النفسي) لدى شرئحه هامة من
المجتمع مؤثرة ومشكلة للرأي العام وقائدة من موقعها
المتميز.
2- تسمية بريمر:
وصف أحد المحتجين من عمال النظافة محافظ محافظة عدن بـ"
بريمر" الحاكم الأمريكي للعراق بعد سقوط بغداد وهو تشبيه
ذو دلالة عميقة وخطيرة في آثاره وتدعياته الحالية
والمستقبلية خاصة وأنه يتداول همساً وعلانية بين الأوساط
الشعبية والنخبوية.
إن الأمر لم يعد مقتصراً على البعد النفسي الاجتماعي الذي
عبر عن معاناته بالنكتة والتسمية (دحباشي).
بل يتجه نحو مسارات ومطالب مجمعة تكتمل عندها الهوية بقوة
رافضة بشدة كردة فعل نفسية ومادية تجاه الشعور بالإقصاء
المادي والنفسي وسنحاول توضيح المسألة تدريجياً.
الطفو:
بينا في موضع سابق كيف تعمل عملية التحديث من تغيرات بيئية
تفك الارتباطات الأولية للأفراد والجماعات وتوفر استعداداً
نفسياً لتقبل أنماط جديدة من السلوك والتوجهات. هذه
العملية هامة جداً ويتوجب على النخب السياسية توسيع نطاق
المشاركة الحقيقة ومأسسة العملية السياسية وهذا يأتي من
خلال الآليات الحديثة (الأحزاب والنقابات و..و) وقناعة
حقيقية لدى النخب السياسية الحاكمة بالمشاركة الفاعلة في
عمليات صنع القرارات المجتمعية كل ذلك بالتوازي مع وجود
إستراتيجية تنشئة تغرس القيم الديمقراطية والمواطنة نصاً
وممارسة. فكلما كانت المشاركة وقنوات تجميع المطالب
والتعبير عنها تمنح الشعور بالاقتدار السياسي كلما تلاشت
الهويات والانتماءات الأولية وصبت بعد صهرها في الهوية
الوطنية من خلال الشعور بالمواطنة على المستوى النفسي
والمادي. ومعظم البلدان النامية ومنها اليمن (إلى ما قبل
ظهور التسميات محل الدراسة).
تمتاز بتراتب للانتماءات والهويات يختفي خلف الانتماء
الحديث تماماً مثل الطبقات الجيولوجية ولتبيان ذلك سوف
نستعير مفهوم (أركولوجية) من حقل الأنثروبولوجية السياسية
وتحديداً من مؤسسها جورج بالانديه (5): بعد إفراغ المفهوم
من حمولته الأصلية وتحميله دلالات ومضامين مغايرة. لقد
اكتشف (George Blandier) عند دراسته لشعب من الصيادين
والمزارعين يدعى (lebeu) في منطقة قريبة من داكار
بالسينجال، إنه رغم قلة عدده مزود بنظام ثقافي معقد جداً
من العلاقات الرسوبية المتراتبة فوق بعضها البعض
(جيولوجيا) إنها طبقات حضارية: الطبقة العتيقة أفريقية
والثانية الإسلام ، والثالثة تأثيرات المرحلة الاستعمارية
وما بعدها وهي طبقات متداخلة شكلت مزيجاً معقداً عند
الأزمات والكوارث حيث تستدعى كل الطقوس ووسائل التقديس من
الطبقة الأصلية والطبقات الأخرى. ونحن نفرغ المفهوم السابق
ونحمله بدل الطبقات الحضارية طبقات من الانتماءات العصبوية
(قبلية، مناطقية، مذهبية ...الخ) وشرائحية (التراتب
الاجتماعي) تختفي خلف المؤسسات الحديثة (الأحزاب،
النقابات، مؤسسات الدولة...الخ) وتطفو عند الأزمات وتعود
إلى مواقعها في حالة السلم والاستقرار وقد تطفو بوضوح في
حالة السلم والاستقرار وتعبر عن نفسها بوعي أو بلا وعي
بأشكال وممارسات رمزية أو مادية. والوضع في المناطق
الجنوبية أشد خطورة إذا لم تأخذه النخب السياسية والحاكمة
والمجموعة الوطنية بعين الاهتمام الواعي بعيداً عن المشاعر
الوطنية العاطفية بل العقلانية (الواقعية والغير مصادرة
لوطنية الآخرين) فنحن نتداول في الخطاب الإعلامي الرسمي
وغير الرسمي وفي الدراسات والبحوث: إعادة تحقيق الوحدة ،
شطري اليمن ... الخ.
وهي مبررة وهامة لتحقيق الأهداف المرسومة من قبل المخطط
السياسي والإستراتيجي, فالوطن قصة حسب تعبير المفكر ادوارد
سعيد. ولكن على النخب السياسية الحاكمة التعامل مع الوضع
بعقلانية وهي أعمق وأصدق وطنية من الوطنية العاطفية التي
من المتوجب توفرها أو توفيرها للجماهير. فالوحدة تمت بين
كيانين مستقلين على المستوى الواقعي والدستوري والدولي
ولهم رموز تاريخية ووطنية شُربت للأجيال والجماهير
ومرجعيات فكرية وايديولوجية متغايرة ومتصارعة. وعملت سلطة
الشطرين على إحاكة المؤامرات والاختراقات ضد بعضها البعض.
ودعم احتواء كل طرف خصوم الآخر فضلاً عن الحروب المخاضة
بالنيابة أو مباشرة بين الشطرين. لقد ظل الخطاب الإعلامي
معادياً لسنوات وكانت جملة تحقيق الوحدة اليمنية سطراً في
البيانات والبرامج. وعندما أعلنت الوحدة اليمنية عام 1990م
وفرت اللحظة الوطنية استعداداً نفسياً واجتماعياً وسياسياً
لدى الأفراد والجامعات تجاوز كل المعوقات الذاتية
والموضوعية. ولم تستثمر النخب السياسة ذلك الاستعداد جيداً
بل جاءت حرب 1994م والسياسة المتبعة بعدها لإدارة المجتمع
والدولة على إضعاف ذلك الاستعداد النفسي وإنعاش الهوية
الجنوبية.
وسوف استعين ببعض ما تناولته في مقالي المشار إليه سابقاً
إضافة إلى كثير من الإخافات, فكما نعلم أن اليمن تصنف ضمن
البلدان الأقل نمواً وهذا يعني أن قطاعاً كبيراً من
المجتمع يعاني من الفقر والتهميش نتيجة تردى الأوضاع وهذا
يشمل المجتمع اليمني برمته والعنصر السابق إذا ما أضيف
إليه بعض العوامل الأخرى بصبح الإقصاء مزدوجاً لأبناء
المناطق الجنوبية؟! كيف ذلك:
- إثر حرب 1994م اتبعت السلطة أسلوباً إعلامياً وسياسياً
إقصائياً لخصومها من الرموز والقيادات المؤثرة ولم تأخذ
بعين الاعتبار قصر الفترة الممتدة من الوحدة (أربع سنوات)
لقد تشكلت تلك الرموز في الذاكرة الجماعية خلال عقود
ومازالت معبرة عن هويتهم الجماعية قد تغيب لفترة ولكن
الشعور بالإقصاء الناتج عن عدم المشاركة سوف يستدعيها في
لحظة ما.
- التوسع المعماري المتسارع مختلف النمط السائد لا ينعكس
اقتصادياً على أبناء المناطق الجنوبية لأن الأراضي ملك
الدولة (على عكس صنعاء).
- تغير العملة «الوطنية» وتسميتها له تأثيره العميق لأنها
متداولة يومياً وتشكل جزءاً من الهوية (فكان بالأحرى
المزاوجة).
- عدن كانت مدينة مركز فلا بد أن يحافظ على درجة أهميتها
ونشاطها طوال العام حتى لا يتغير نمط العيش والمعاملة
الإدارية.
إن العوامل السابقة هي مساعدة لتعزيز الشعور بالإقصاء الذي
يمكن تجاوزه بتوسيع نطاق المشاركة الحقيقية واعطاء اهتمام
خاص وعقلاني للمناطق الجنوبية، فعند تحقيق الوحدة
الألمانية تذمر مواطنو ألمانيا الغربية من الكلفة
الاقتصادية لتلك الوحدة التي خطط لها السياسي الألماني
بعقلانية مجردة. ونستطيع نحن إعادة سياستنا تجاه المناطق
الجنوبية بعين واعية تأخذ كل الأبعاد النفسية والاجتماعية
والاقتصادية والسياسية بما يحقق في النهاية ما نريد. فإذا
ما اتبعت سياسة إقصائيه لبعض الرموز المشاركة في الوحدة،
أو العسكرية والسياسية في مرحلة ما لأسباب منطقية لم يعد
لها ما يبررها اليوم. والمخرج الوحيد توسيع نطاق المشاركة
في العملية السياسية وتعزيز المواطنة المتساوية على تكافؤ
الفرص وإلا سيظل أبناء المناطق الجنوبية في مقارنة دائمة
حياتية واقعية تعزز شعورهم بالهوية المغايرة وهذا أبعد من
تعبيره الدحباشي. إننا لا نفرق ولا نيمز أبناء المناطق
الجنوبية ولكننا ندعو بعقلانية لأخذهم بعين الاعتبار من
خلال فسح اهتمام خاص بهم متعدد الأبعاد: نفسي، اقتصادي،
اجتماعي، سياسي،..الخ.
لخصوصية وتميز المرحلة الانتقالية وارهاصاتها وأخيراً
نقول: إن الوطن كله بحاجة إلى إعادة إدارته بسياسة جديدة
مستندة على عقد اجتماعي جديد.
الحواشي السفلية
(1) أنظر ثناء فؤاد عبدالله، آليات التغير الديمقراطي في
الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 1997، صـ
208
(2) نفس المرجع ، 208
(3) على اسعد وطفه «إشكالية الهوية والانتماء في المجتمعات
العربية المعاصرة» مجلة المستقبل العربي العدد 282 ، بيروت
2002م.
(4) رضوان زيادة «الديمقراطية التوافقية كمرحلة أولية في
عملية التحول الديمقراطي في الوطن العربي»، مجلة المستقبل
العربي، العدد 334 ، ديسمبر 2006م.
(5) مقابلة أجراها جورج بالاندية مع هاشم صالح لمجلة الفكر
العربي المعاصر، العدد 41 بيروت 1986م.
E- mail: Fanon@yahoo.com