عدن نيوز - الاهالي المصريه - 14-11-2006

أمريكا على وشك السقوط وشهد شاهد من أهلها


د. محمد سكران

وشهد شاهد من أهلها بأن السقوط لا محالة آت
فى هذا المقال نطرح ما يؤكد مقولة محددة، وهى أن الولايات المتحدة تسير
على طريق السقوط ديمقراطيا واقتصاديا وعسكريا، وأن هذا ليس من باب
التمنى وإنما الحقيقة والواقع، على عكس ما قد يراه البعض أن هذا مجرد
أحلام - بل ومن أضغاثها، حيث إن أمريكا - كما يرون - قوة رهيبة، وتمتلك
من عناصر القوة ما يجعل منها فعلا القطب الأوحد، ليس فقط الآن، وإنما
لسنوات طويلة، قد تمتد لتشمل القرن الحادى والعشرين كله، وعلينا أن
نعترف بهذا الواقع ونتعامل معه، بل وتجنب إظهار العداء لها، كما يجب
استثمار قوتها وتوظيفها فى خدمة مصالحنا العليا، ومن يرى غير هذا الرأى
فإنه واهم، غارق فى الوعى المزيف، وعلينا عدم الاستماع لأصوات هؤلاء
الواهمين المخدوعين، رافعى شعارات العداء لأمريكا، هذه كانت وجهة نظر
بعد ردود الأفعال، بل ونجد بعضه فى أطروحات كتابنا الكبار.
---
على أى حال وعلى طريق وشهد شاهد من أهلها نطرح هنا ما يقوله أحد
المحللين الأمريكان حول السقوط الأمريكى فقد يكون فى طرحه ما يقنع
الآخرين بأن السقوط آت لا محالة، وعلى قوى التحرر فى العالم تكريس روح
النضال والتحدى للهيمنة الأمريكية والمشاركة فى الإسراع بهذا السقوط.
أما هذا المحلل فإنه الخبير السياسى والاقتصادى المحنك، ورئيس مجلس
العلاقات الخارجية بمعهد الاقتصاديات الدولية بيترج. بيترسون، وجاء
طرحه فى مقاله القيم الطريق إلى السقوط ترجمة فوزى قشوع، ويتلخص ما
يطرحه أن هناك تحديات ثلاثة، باتت تواجه الولايات المتحدة لعقود طويلة،
وسوف تكلفها هذه التحديات ما لا تطيق أو تقدر عليه، وفى الوقت نفسه لا
تستطيع الولايات المتحدة الفكاك منها، حيث ترى فى نفسها، ويرى الآخرون
معها أنها القوة العظمى التى يجب أن تتولى المسئوليات، والمهام الجسام
فى عالم محفوف بالمخاطر، لكن وبكل الحسابات والتكلفة الباهظة سياسيا
واقتصاديا لن تستطيع الصمود، والاستمرارية فى التحدي، وإنما - وهو
الأكثر احتمالية - سوف تسقط وسوف يكون السقوط مدويا ومخزيا، أما
التحديات الثلاثة فهي:
1- الإرهاب: الذى تراه الإدارة الأمريكية - وعلى رأسها بوش - أنه يشكل
أكبر تهديد لأمن الولايات المتحدة القومي، الآن وفى المستقبل القريب
منه والبعيد، وبالتالى فلا مفر من القيام بحرب لا هوادة فيها على
الإرهاب، مهما كان الثمن أو التضحيات. لهذا طلب بوش - وهو ما يزال فى
الأيام الأولى من حربه على العراق - إنفاقا حربيا طارئا بلغت قيمته
حوالى 87 بليون دولار، وهى تكلفة تزيد عما تم رصده فى الأشهر الأولى من
الحرب العالمية الثانية، وإذا وضعنا فى الاعتبار أن تكلفة فرقتين فقط
تشاركان فى الحفاظ على الأمن والاستقرار فى العراق - وليس الحرب - تبلغ
بليون دولار فى الأسبوع الواحد، لتبين لنا مدى الكلفة الباهظة المذهلة
للقوات المسلحة الأمريكية المتواجدة فى العراق وحده، حيث تصل فى العام
الواحد إلى ما يزيد على 7،54 بليون دولار، ومن المتوقع تزايد هذا
الإنفاق إلى ما يزيد على 100 بليون دولار فى السنة الواحدة بحلول عام
2010، وبهذا التوقع سوف تصل الزيادة فى الإنفاق العسكرى الأمريكى خلال
العقد القادم إلى 101 تريليون دولار.
---
ويقول بيترسون: إن هذا الإنفاق لا يتضمن كلفة العمليات العسكرية
الجديدة المنتظر أن تقوم بها الولايات المتحدة فى السنوات القليلة
القادمة، وكلها تؤكد الحاجة المتزايدة للإنفاق فى الحرب على الإرهاب فى
ظل الرعب والخوف الذى يعانيه الأمريكان، ناهيك عن الإنفاقات التى يتم
رصدها لصد ما يتوقعونه من هجوم إرهابى بيولوجى كبير، وكلها تستنفد
طاقات وإمكانات ضخمة، وتؤثر بالسلب - وبدرجة تفوق التصور - فى حياة
الأمريكيين، والخدمات التى ينبغى توفيرها لهم، واستمرارية فرض الضرائب
المتزايدة فى ارتفاعها وتصاعدها، وغيرها مما يحمل فى طياته سخطا، وربما
انفجارا اجتماعيا داخل المجتمع الأمريكي، مما يضعه على طريق الانهيار،
والسقوط المدوي.
2- أما التحدى الثاني: فإنه يرتبط بما سبق، ويتلخص فى تلك الصعوبات
والأزمات المالية والاقتصادية التى تعانى منها الولايات المتحدة
الأمريكية حاليا، ومن المتوقع تزايد حدتها فى المسقبل القريب والبعيد،
وقد تكفى الإشارة إلى إنها تقترض سنويا، ومن سائر أنحاء العالم حوالى
540 بليون دولار، للوفاء بتكاليف العجز الإجمالى فى تمويل استهلاك
الأمريكيين من السلع والخدمات، وتحويلات المعونة الأمريكية الخارجية،
كما أنها تستورد ما يقارب الأربعة بلايين دولار يوميا من رأس المال
الأجنبي، نصفها لسد العجز فى الحساب الجارى والذ ى وصل إلى 4.5% من
إجمالى الناتج المحلى خلال الأشهر الثلاثة أشهر الأولى من عام 2004
والنصف الآخر لتمويل الاستثمارات فى الخارج، وكلها مؤشرات تؤكد أن
النفوذ الاقتصادى الأمريكى آخذ فى التضاؤل والتناقص بشكل خطير، فقبل
ربع قرن كانت الولايات المتحدة أكبر الدول الدائنة على الكرة الأرضية،
وكانت أصولها العالمية تتجاوز وبكثيرا مديونياتها، أما الآن فإنها
أصبحت فى وضع شديد الخطورة، حيث إنه من الصعب استمرارية الدول فى إقراض
أمريكا الاعتمادات المالية اللازمة، لتحسين وضعها الاقتصادي، ولتفادى
هذا قد تلجأ الولايات المتحدة إلى شن حروب وإحداث العديد من الفتن
والاضطرابات فى بعض المناطق الغنية بالنفط تحت مبررات الدفاع عن الأمن
القومى الأمريكي، أو الدفاع عن دول هذه المنطقة أو فرض ما يسمى
بالإصلاح السياسي، والقضاء على النظم المستبدة، وغيرها من الدعاوى
الواهية التى تبرر لها شن الحروب وإحداث الصراعات، وممارسة أعمال
البلطجة الدولية لتحسين أوضاعها الاقتصادية، فى حين أن هذه الحروب وهذه
الأعمال سوف تكون مكلفة للغاية، ومستقبلا سوف تزيد من معاناة أمريكا
اقتصاديا.
3- ونأتى للتحدى الثالث، وهو ما يطلق عليه - بيترسون - شيخوخة العالم
المتقدم - وفى القلب منها الولايات المتحدة حيث تتناقص، وبشكل متزايد
أعداد المواليد.، وانخفاض الوفيات، ومن المتوقع تزايد هذا الوضع -
وبشكل خطير - خلال بضعة عقود قادمة، وهذا التحدى الديموجرافى يواجه
الاستراتيجية المالية طويلة الأجل للولايات المتحدة، حيث تتزايد أعباء
معاشات التقاعد والإعانات، وتوفير الخدمات لكبار السن، وفى الوقت نفسه
تتناقص القوى العاملة القادرة على دفع الضرائب، وكلها مظاهر ومؤشرات
كاشفة لما تحمله شيخوخة العالم المتقدم من مخاطر على الاقتصادى القومي،
خاصة فى السنوات والعقود القادمة، ويخلص كاتب المقال إلى أن هذه
التحديات وغيرها تحمل فى طياتها مؤشرات الانهيار والسقوط الاقتصادى
والسياسى للولايات المتحدة، وهذا ما تؤكد عليه العديد من الكتابات
والتحليلات الأخري، وقد سبق أن تناولنا بعضها فى مقالات سابقة.
---
وهنا لابد أن نشير إلى أننا لا نستهدف من وراء ما نكتبه حول توقع
السقوط والانهيار الأمريكى هو بث الطمأنينة، فى نفوس من يقعون فى دائرة
التهديد الأمريكى وفى القلب منها البلدان العربية والإسلامية، والركون
والاعتماد على هذا السقوط فى الخلاص من تهديداتها وهيمنتها، وإنما الذى
نقصده - وبالدرجة الأولى - هو التذكير بأن دولة الظلم ساعة ودولة العدل
إلى قيام الساعة، وأن علينا مواجهة هذه القوى الاستعمارية الإمبريالية
التى استنزفت مواردنا، ونهبت خيراتنا، وثرواتنا، وتآمرت علينا، وعلى
ثقافتنا، بل ذاتنا ووجودنا، وماتزال تتآمر، وستظل هكذا طالما أننا
نهابها، ونخشاها، بل ومطالبة بعض المحسوبين على أمتنا العربية، بضرورة
استجداء أمريكا، وليس أمامنا - كما يقولون - سوى هذا الاستجداء، مما
أعطاها فرصة التدخل فى شئوننا، واتخاذها أطهر بقاع الأرض مكانا
لقواعدها العسكرية، ومن ثم تهديد استقلالنا وسيادتنا واستمرارية
تبعيتنا لها، لتزداد هيمنة وسيطرة، وقوة وجبروتاً، ونزداد فقرا وتخلفا
ضعفا ومهانة.
باختصار، إننا نستهدف إثارة الوعى وشحذ الهمم للمقاومة والتحدي، وفى
الوقت نفسه البناء اعتمادا على إمكاناتنا وقدراتنا الذاتية، وامتلاك
إرادة الفعل والحركة، لأن فى امتلاك الآخرين لها ليس إلا تكريس
التبعية، وفقدان الذات والكيان، إن لم يكن الانهيار والفناء، من هنا
يأتى هذا المقال، وما سبقه، وما سوف نكتبه بإذن الله، ولنا فيما يحدث
فى أمريكا اللاتينية من الصمود وقوة التحدى الدرس والعبرة.