عدن نيوز - خاص - 5-11-2006

الخضر الحسني..... بين الحقيقة  والتشويه.

 علي صالح محمد                                                                                           

Alisma3000@yahoo.com

 في الواقع لم أكن انوي الرد على المقالة المنشورة هذا اليوم والتي كتبها الأخ الخضر الحسني ناعتا فيها كل من الأخوة سالم صالح وياسين نعمان بممارسة التجارة السياسية وذلك لان  مثل هذه  الكتابات ينطبق عليها القول  ( جواب العيف السكتة) وهي كثيرة  ونتعامل معها من واقع الحكمة التي تقول انه ( بالصبر تلتئم الجراح ومع الوقت  تظهر الحقيقة) وعامل الذي يسئ إليك بالحسنى لأنك إن عاملته بالسؤ بررت إساءته لك  , وهنا أقول للأخ الخضر إنني اكتب لا لأرد على عباراته ألمستخدمه  فكل إناء بما فيه ينضح  ولسنا في المكان أو الزمان الملائمين للمساجلات العبثية غير ألمسئولة لان الذي لم  يتعض أو يتعلم مما جرى ويجري يكون أشبه ببتول الويل ( ذلك الذي يسقي بعد مرور السيل)  , ومهم القول إن سلاح الصحفي الحقيقي ليس قلمه كما يعتقد البعض , بل  مخزونه من المعلومات الحقيقية  والصحيحة التي يمتلكها  ويستخدمها ليقيم عليها حجته ووجهة نظره أو كتاباته ,   لان ( زجا البندق من خزانته ) كما يقول المثل الشعبي.   

 ولأن المقالة تضمنت معلومات مغلوطة تسيء للأخ الخضر- قبل غيره - كصحفي من واجبه أن ينقل الحقيقة إلى القارئ  كما هي , وبصفتي شقيق سالم صالح وشاهد حي ومطلع على العديد من الأمور  وحتى لا نشوه تاريخ بعض ونحن  لم نزل أحياء أود هنا  التطرق إلى بعض الحقائق ليس من باب الدفاع عن سالم صالح ومواقفه- فهذه أمور حتى نحن كأخوين قد  نتفق عليها وقد نختلف وهذه من بديهيات  الأمور ومن ضرورات التميز والتنوع -  وإنما من باب درء التشويه وبالذات حين يتعلق الأمر بمعلومات  تهدف إلى التشويه والتضليل  أكثر مما تهدف إلى  تنوير القارئ بمعلومات صحيحة تحترم عقله  ...  وهنا اشكر الأخ الخضر لأنه دفعني إلى الحديث عن أمور لم أكن متحمسا للحديث عنها على الأقل في الوقت الحاضر من باب التريث و مقتنعا بان لكل شيء أوان... لهذا أضع أمام القارئ الكريم   ما يلي من معلومات  ووقائع يأتي تسلسلها وفقا لما تناوله الحسني في مقالته المنشورة بعدن نيوز بتاريخ 19-10-2006:

1: الأزمة السياسية والحرب عام 1994 الأسباب والنتائج , لست بصدد الخوض فيها  لأنني والآف من أمثالي , لازلت  أعاني منها كأحد ضحاياها الرئيسيين وكأحد قياديي حزب (خليك في البيت )المغضوب عليهم والمصادرة حقوقهم الوظيفية حتى اليوم , بما في ذلك  الأرض خاصتي  الواقعة تحت  البسط المتعمد عليها حتى يومنا هذا  ,يضاف إلى ذلك  ما تعرضت له وأسرتي من عملية ترويع إرهابية في عام 1997 حين تم تفجير عبوة ناسفة في حوش منزلي وأدت إلى إصابة  إحدى بناتي إصابة  بالغة  لا زالت تعاني منها حتى الآن وتحدثت عنها العديد من وسائل الأعلام العربية والمحلية حينها  ,وقوبلت باستهجان  شديد من قبل منظمات إنسانية وحقوقية داخلية وخارجية . 

 هذه المقدمة ضرورية حتى يعرف القارئ إن سالم صالح لم يزل يعاني اقرب الناس إليه من مأساة الحرب بما فيهم  الآلاف من أبناء منطقته ومن أبناء محافظة لحج  الذين لا زالوا يعانون كثيرا  من نتائج الحرب وهي الحرب التي استهدفت هذه المحافظة بصورة أساسية وأخرجتها من المعادلة السياسية , كما إنها  الحرب التي أعلن سالم صالح موقفه منها في أكتوبر 1993 حين وجه رسالته الشهيرة  إلى الرئيس علي عبد الله صالح ونائبه علي سالم البيض  والمنشورة سابقا  في صحيفة الشرق الأوسط في عام 1996 ويمكن العودة إليها بالرجوع إلى إحدى كتبه المنشورة في العام الماضي ,  يناشدهم فيها باسم المقدسات أن يجنبوا اليمن الحرب لأنها لا تحمل سوى الدمار للجميع , وهو نفس الرأي والموقف الذي قاله في كل اللقاء آت التي عقدت مع كبار القياديين العسكريين والمدنيين  في عدن ولحج وأبين بعد عودته من رحلة علاجية في ألمانيا , مرددا قوله الشهير وهو يخاطب الجميع ( إياكم والحرب فبدايتها طلقة ونهايتها دمار لا يعرفه غير رب العالمين) 

2: في منتصف مارس  1994توجه سالم صالح على رأس وفد إلى كل من المملكة العربية السعودية ومصر وسوريا والأردن في إطار شرح موقف القيادة الجنوبية من تداعيات الأزمة السياسية اثر التوقيع على اتفاقية العهد والاتفاق الموقع عليها في الأردن لمزيد من بذل الجهود لدرئ الحرب المبيتة.

بالمناسبة هنا أود أن اطلع القارئ بأنني كنت المرافق الشخصي له في هذه الرحلة التي كان مخططا لها أن تكون لمدة أسبوع وإذا بها تتحول إلى رفقة دامت عامين تقريبا كان حالنا فيها كحال ذلك الذي خرج ولم يعد. 

  3 : أثناء تواجد الوفد في الأردن  كمحطة أخيرة لهذه الزيارة تعرض الأخ سالم صالح للانزلاق بسبب  الوزن الزائد  الأمر الذي نصحه الطبيب بالتوجه إلى لندن لإجراء العلاج اللازم فتوجه إلى لندن وعاد بقية أعضاء الوفد إلى عدن  وهناك أشار إليه الطبيب بدخول (مصح وعيادة الشامبنيز) الواقعة في ضواحي لندن لتلقي العلاج ألإلزامي فيها  لفترة أسبوعين وكان ذلك في5-4-1994 الذي خرج منها في 20-4-1994 ليقرر العودة إلى عدن في29-4-94 وأثناء ذلك كان الشهيد صالح بن حسينون متواجدا في لندن ومقررا السفر في يوم الثلاثاء 26-4-94 ويومها كان الأخ  سالم يلح عليه أن يؤجل السفر إلى الجمعة ليسافرا معا  - ولكنه  كان مصرا على السفر في نفس الموعد  مبررا ذلك بوجهة نظر- لا داعي لنشر تفاصيلها الآن - اقنع من خلالها سالم  بدواعي العودة , وودعه متمنيا له التوفيق على أمل اللقاء  في عدن ولم يكن يدر في خلدهما  إن هذا كان  اللقاء الأخير بينهما  .

4: في يوم الأربعاء 27-4-94 انفجر الموقف في عمران لتبدأ رحلة ومآسي الحرب حتى

7-7-94 وبسبب من ذلك تم البقاء في لندن  لمتابعة الوضع المتدهور وتطوراته ومع إن موقف سالم صالح المبدئي  هو ضد الحروب , إلا انه لم يترك له خيارا غير الوقوف إلى جانب أهله وناسه بوضوح وبعلانية  وهو الموقف الذي لم يخفيه  حتى حين لقاءه بالرئيس علي عبد الله صالح بعد سنوات , حين عاتبه على موقفه مع انه ضد الحرب,  فكان إن أجابه بصيغة السؤال لو تقاتلت القبيلة الفلانية مع قبيلتك يا أخ الرئيس فمع من تقف ؟ قال: مع قبيلتي . قال:  وأنا وقفت مع ناسي وأهلي .

5: كنت أتمنى أن تكون معلومة الأخ الخضر بشان الملايين من الدولارات صحيحة  لأننا أثناء تواجدنا في لندن تنقلنا من الفندق (انتركونتيننتال) الشهير في منطقة الهايد بارك , إلى شقة جميله في البارك لاين 5 ومنها وبعد إن أصبحنا عاجزين عن الدفع قام الأخ الكريم  أحمد  فريد بن صريمه مشكورا بوضع شقته الواقعة  بجانب الشيراتون تاور تحت تصرفنا لنسكن فيها  

6: كاد الأخ الخضر أن يقارب الحقيقة بشأن الملايين لو صحت رؤيته حول سالم صالح بصفته تاجرا  ولكن (وبلا أسف ) ولان سالم صالح لا  يعرف أبسط مبادئ التجارة   يومها  فقد مرت بالقرب من( أبوابنا) وكادت أن تدخل (جيوبنا) معا وليس لوحده  ليس ملايين بل مئات الملايين من الدولارات  أثناء الحرب  وعرضت علينا كقيمة صفقة من صفقات  السلاح , وعدد من الملايين بعد  الحرب  لكنها  ظلت طريقها عنا واتجهت إلى جيوب أصحاب الخبرة  مثلها مثل ( الخباز الذي يعرف وجه المتغذي )  وهذه المعلومة المؤكدة اهديها للأخ الحسني ليوثقها لديه كصحفي يبحث عن المعلومة  الحقيقية  أما  التفاصيل   فنتركها  للوقت المناسب .

 ولا اخفي هنا إن الميزانية التي أشير إليها و جعلتنا نعيش معززين مكرمين طيلة  فترة وجودنا في لندن بعد إن تخلت السفارة عن التزاماتها تجاهنا  تعود إلى ما جاد به أولئك النبلاء من أهلنا ورجالنا  وأخوتنا الكرام  والمتواجدين في بريطانيا وكندا والولايات المتحدة والسعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وألمانيا وفرنسا وكينيا  ومصر واليابان والصين واندونيسيا  والهند وماليزيا وروسيا وأوكرانيا وغيرها من بلدان الهجرة والاغتراب.أولئك الذين يظهرون وقت الشدائد والمحن والمنتشرين في أرجاء ألمعمورة  كمكافحين لا يكلون من أجل حياة حرة ومعيشة كريمة  , والذين تظل أسمائهم محفورة في الذاكرة , وهنا  أجدها فرصة  أن أتوجه إليهم بخالص الامتنان والشكر لمواقفهم النبيلة .

7 : لم تعلن الفيدرالية من لندن لان فكرتها جاءت إثناء الأزمة السياسية أي قبل الحرب وحين اعتكف علي سالم البيض للمرة الثالثة كان لابد من تبرير هذا الاعتكاف  وكانت فكرة الفيدرالية متداولة حينها  كمخرج للأزمة فكُلف الأخ سالم أن يقوم بدور( بلال)  للإعلان عن ذلك وحين اشتدت الهجمة المضادة للفكرة تخلى عنها البيض  ونسبت إلى سالم الذي لم يتنكر ولا زال يرى فيها حلا سليما  للوضع اليمني حتى الآن- أ نظر آخر مقالة له  بعنوان( لا لإعادة تقسيم الأوطان )- بغض النظر عن التسمية  لأنه يرى في ذلك منذ ما قبل الوحدة  المدخل الطبيعي للبناء المؤسسي الجديد  للدولة ,والطريق الطبيعي لممارسة الديمقراطية  وإشراك الناس في السلطة واتخاذا لقرار على قاعدة التنوع في إطار الوحدة  , لهذا  كان أحد الذين أسهموا في صياغة النقاط الثمانية عشر   وتم عرضها على البيض لتكون وجهة نظر الحزب ونقاطه التفاوضية بدلا من الاعتكاف بلا قضية واضحة  , وبنتيجتها جاءت وثيقة العهد والاتفاق الموقع عليها من قبل جميع الإطراف في العاشر من رمضان في العاصمة الأردنية , وهي الوثيقة التي لم ترى النور بسبب الحرب التي نسفتها ونسفت معها مشروع الوحدة الذي قام بين النظامين القائمين في الشمال والجنوب وتحق سلما في 22-مايو 1990.

= لمزيد من التوضيح موضوع الفيدرالية و الكونفدرالية  كخيارات  للوحدة طرحت في مقترحات اللجنة التي شكلت عام 1989 وترأسها سالم صالح   لدراسة وتحديد خيارات الوحدة وضمت في عضويتها كل من المهندس حيدر العطاس وجار الله عمر ومحمد حيدره مسدوس وسيف صائل وحسين علي حسن , و قدمت الدراسة والمقترحات  إلى اجتماع اللجنة المركزية التي  صادقت  علي خيار الكونفدرالية , ولكن عند زيارة الرئيس علي عبد الله صالح إلى عدن في30 نوفمبر 1989 فوجئ الكل بالإعلان عن الوحدة الاندماجية الفورية من قبل البيض وعلي عبد الله صالح ليصبح الموضوع أمرا واقعا  وهو ما وصفه سالم صالح( باتفاق النفق) بين العليين في أحدى المقابلات  وتفاصيل ذلك سيأتي الحديث عنها في الوقت الملائم. 

وهو في موقفه هذا عبر عن قناعاته الصريحة والمعلنة والموثقة  قبل وبعد الوحدة , وقبل وبعد الحرب, ولم يزل من دعاة أصلاح النظام السياسي عبر إصلاح منظومة الحكم القائمة على التعدد والتنوع واللامركزية  وبناء مؤسسات الدولة وتطوير تجربة الحكم المحلي والعملية الديمقراطية التي تمنح الناس حقوقها السياسية وتؤدي في نهاية الأمر إلى تحسين معيشة الناس وتحقيق التنمية  ومحاربة الفساد الذي يمثل أهم المعوقات.

 وهذه العناوين والأجندة ليست بالجديدة وطرحت منذ بداية الوحدة وهو بذلك لا يتجنى على أحد حين ينتقد السياسة الأمريكية في المنطقة والقائمة على الاحتلال والتدمير والنهب لمقدرات المنطقة, فهل ما يجري في العراق ولبنان وفلسطين إصلاح سياسي يستحق الإشادة ؟ أم يستحق المقاومة؟  و  ما يجري ليس له أي صلة بما يسمى بالإصلاح السياسي أو نشر الديمقراطية بل يأتي  في  المخططات  التي تخدم الوجود الإسرائيلي والصهيونية في المنطقة .ويتناقض كليا مع مقولة الفيدرالية التي تقوم على احترام التعددية والتنوع والاعتراف بالآخر لتمنح الأمة قوه  عبر مشاركة الجميع بالاستفادة من قدراتهم   , وليس ضعفا يتحقق عبر مشاريع التجزئة والحروب المدمرة للإمكانيات المادية والبشرية  وسياسات الإقصاء والإلغاء والتهميش والهيمنة أو الاستحواذ على الخيرات والمقدرات .  

8: إعلان الانفصال لم يصدر من لندن بل من عدن بعد شهر من المعارك كردة فعل تجاه الحرب, ومع ذلك أشهد هنا إن سالم صالح اتصل بعلي البيض قبل أسبوع من إعلان الانفصال وقال له بالحرف ( انتبه يا أخ علي من المطب  الكبير لأنه سيبرر استمرار الحرب وسيضعف موقفنا من موضوع الوحدة  وبالتالي ستتحول الحرب من حرب ضد الحزب إلى حرب ضد الجنوب) , وهو الذي شبه الوحدة   بالقنبلة الذرية التي ستعصف بناء في حال انفجارها  وهذا   التصريح الشهير سبق وان أطلقه في إحدى المناسبات حين تم الحديث عن الوحدة , وجاءت الأحداث لتؤكد صحة رؤيته ومع ذلك لم يتخل عن موقف قيادة الحزب رغم إن له أرائه ألمختلفة وقناعاته الخاصة  ولعب دورا توفيقيا كبيرا بين القيادتين خلال فترة الأزمة باتجاه انتصار الحوار ولم يكن يخفي انتقاداته لطريقة علي البيض في إدارة الصراع , ولا جهوده مع الرئيس علي عبد الله صالح لإقناع الأطراف الأخرى  كهيثم قاسم وزير الدفاع  وصالح عبيد احمد لتجنب الحرب  باعتبارها حربا ستحرق نارها أبناء محافظة لحج بالتحديد  لان أغلب العسكريين من هذه المحافظة , وهي الجهود التي كادت أن تحقق غاياتها لوتم التزام الأطراف بما اتفق عليه لكن اتضح  ولا زال يتضح إن هناك( أطرافا) سعت بقوه  نحو الحرب و الإصرار على إبقاء نتائجها   حتى يومنا هذا   ولسنا هنا بصدد تفاصيل الحرب والانفصال ونتائجها  المتوقعة  وغير المتوقعة والتي لا زالت جاثمة على الصدور حتى اليوم ليستفيد منها ويستثمرها من قاد إليها  وليجد البعض فيها فرصة  تاريخية للثأر والانتقام في إطار جولات الصراع  ومسلسل الحروب القائم على ثقافة عدم الاعتراف بالآخر وسياسات الإقصاء التي  كانت ولم تزل وراء المأساة اليمنية قديمها وحديثها و ستظل  تشكل في مجموعها ألغام  كبيرة موقوتة وخطيرة ,   والتجارب علمتنا انه في حروب  الإخوة لا منتصر ولا مهزوم وإنما الكل فيها  خاسر لأنها حروب غير عادلة   

9 : تم الإعلان عن موج بعد الحرب  في لندن و احتراما لرغبة الجانب السعودي الذي قام بإيواء وتقديم الإعانة الإنسانية لأغلب النازحين والذي  اشترط عدم ممارسة أية نشاط من أراضي المملكة  من شأنه أن يؤدي إلى تعكير العلاقات الثنائية باليمن,  لهذا أُعلن عن تشكيلها من لندن من مجاميع الاشتراكي والرابطة والمستقلين , وكان الهدف من قيامها  تنظيم شؤون النازحين في مناطق الشتات  , وتدريجيا  دب  الاختلاف حول أهدافها,  إذ كان هناك  طرف يدعو إلى الكفاح المسلح , وطرف آخر  ممن ذاق مرارة الحروب  يدعو إلى المصالحة الوطنية ليتسع الخلاف وبنتيجة ذلك  وأمور أخرى جمد كل من  سالم صالح وحيدر العطاس نشاطهما في قيادة موج  . 

10: قرار العودة إلى الداخل  اتخذ في اجتماع اللجنة المركزية الذي انعقد في دمشق في عام 1994 الذي أصبح بموجبه قرار العودة  حق واختيار شخصي لكل شخص يعود لقناعاته وظروفه لهذا عاد الكثير من القياديين والكثير من النازحين , وسالم صالح كان منذ اليوم الأول قد اتخذ قرار العودة , وهنا ليس بخافي القول إن الرئيس علي عبد الله صالح أرسل وفدا من قياديين مقربين إلى دمشق لإقناع سالم صالح بالعودة ولكن اللقاء لم  يتم لان هناك من سعى إلى إفشاله   في اللحظة الأخيرة , كما إن عملية  ترتيب أوضاع النازحين لم تكن تساعد على العودة  يومها .

وهو الأمر الذي سألني عنه الرئيس علي عبد الله صالح وعن المانع من عودة سالم صالح وذلك  حين التقيت به  بعد عودتي  في عام 1996 حاملا معي رسالة بشأن عودة الكوادر  , والذي أجبته إن الواجب الأخلاقي والمسئول تجاه هذه الكوادر  كان وراء تأخير العودة  , وأنه لو كنتم في مكانه لاتخذتم نفس القرار والمسألة مسألة وقت, عندها سألني عن أسباب عدم عودة الكوادر فبادرته بالسؤال في إطار الإجابة : هل يشرفك يا أخ الرئيس أن يتحول طيار سوخوي إلى جندي شرطة في قطر ؟ فقال لا طبعا من هو ولماذا ؟ فشرحت  له عمن يكون  .أما عن   السبب فيعود  إلى الجوع الذي يعاني منه وأسرته  جراء بقاءه في المنزل بل عمل  لسنوات , الأمر الذي دفعه إلى الهجرة وهناك من أمثاله  الكثير  ولهذا  كيف يمكن  للكوادر المتواجدة في مصر والسعودية والإمارات وسوريا أن تعود ؟  فما كان منه إلا إن حملني والأخ قاسم الجانحي رسالة تعهد إلى الكوادر المتواجدة في هذه البلدان لحل أمورها عند العودة  , وكلفنا بالسفر إلى مصر والسعودية  التي التقينا فيها بالعديد من هذه الكوادر وأبلغتهم شخصيا بالنص (( انه طالما الواحد منهم يحصل على الإعانة الشهرية فعلية البقاء إلى حين انقطاعها لان الوضع في البلد لا يساعد على العودة المبكرة  باعتباري  نموذج لم أحظى  بعد بأية حقوق منذ العودة وحتى الآن . 

11:في عام 1997 استدعيت إلى صنعاء بهدف الترتيب لعودة الأخ سالم صالح وسافرت للقائه بجده  وتم الاتفاق على العودة وتم أبلاغ مكتب الرئيس بالموعد الذي حدد بتاريخ 19سبتمبر 1998 وبعد إجراء الترتيبات اللازمة للعودة تم إفشالها في اللحظة الأخيرة ليتم تأجيلها إلى  حين تنضج الظروف لذلك . 

12: وبعد عامين وأثناء زيارة الرئيس للأمارات العربية التقى به سالم صالح  لأول مره وأكد له بان العودة وشيكة ,  وكان الأخ سالم قد انتقل  حينها إلى الإمارات للإقامة فيها ولتتمكن ابنته الصغرى من دراسة الطب وبعدها بفترة وجيزة تم التوقيع على المعاهدة واتفاقية الحدود بين اليمن والسعودية الأمر الذي انعكس تدريجيا على وضع النازحين الذين تعرضت إعانتهم للتقليص التدريجي  وعلى مراحل . 

13:في العام التالي وأثناء زيارة الرئيس الخاطفة لدولة الأمارات فاجأ الجميع باصطحاب سالم صالح في طائرته الرئاسية ليصل إلى عدن , ليسعى منذ عودته وبكل إخلاص إلى إقناع الرئيس بإصدار العفو العام عن قائمة الستة عشر والعمل على إغلاق ملفات الصراع وحل مشاكل ضحايا الصراع السياسي القديم والجديد  وغيرها من الأمور , والذي بنتيجته وبنتيجة قطع ما تبقى من الإعانة على جميع النازحين عادت الكوادر والقيادات تباعا ولعل آخر دفعه شملت القياديين الذين كانوا متواجدين في الإمارات بما فيهم الدكتور ياسين سعيد نعمان الذي عاد بعد عامين من عودة سالم صالح تقريبا أي إن سالم صالح حين عاد لم تكن الإعانة قد قطعت . 

14: مهم أن أبين  للأخ الخضر وللقارئ العزيز  بعض السمات التي يتسم بها  أخي سالم لأنها  خصال نمت وترعرعت  منذ  الطفولة   لتصبح جزء من مكوناتنا التربوية والثقافية  ومن  الثوابت السلوكية في حياتنا وفي مبادئنا وفي علاقاتنا وفي مواقفنا  كقيم ثابتة لا يمكن  تجاوزها , أما   ما دونها فيأتي  في إطار المتغير و الهامش المسموح  ومن هذه الثوابت :

            = إن السرقة في معاييرنا التربوية  والسلوكية  تعتبر من الجرائم الكبرى وبناء عليه تعلمنا من صغرنا  القاعدة التي تقول كن في موقع العطاء فان لم  تستطع فلا تكن في موقع الأخذ و لا تشكو فقرك إلى من لا يغنيك  وخذ ما هو لك واترك ماهو لغيرك, وكلٍ صاحبه حقه وذي ما معه حق ما حد  معه صاحب  .

          = إن الكذب والغدر والخيانة  ليست من شيم الرجال , والوفاء بالعهد  والتسامح والعفو عند المقدرة أهم الصفات , و عامل الناس كما تريد الناس أن يعاملوك  .

          = إن القتل من الجرائم المحرمة  , لهذا لم يشهد تاريخ سالم صالح وسجله إن تلوثت بدم أي إنسان حتى في أحلك الظروف التي مر بها وكان في موقع الانتقام كان شعاره العفو والتسامح مع انه تعرض للقتل في أكثر من مره ونجا منها بقدرة الخالق لأنه أصلا ينتمي  إلى مدرسة اللا عنف  طيلة تاريخه السياسي .

         =  اتبع  ولم يزل مع جميع الرؤساء الذين عمل تحت قيادتهم  والذين اختلف أو اتفق  معهم  منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا  لغة التخاطب المهذبة البعيدة عن المدح الشديد أو التجريح المبالغ فيه وذلك على قاعدة الاحترام الشخصي المتبادل بغض النظر عن المواقف السياسية  وحرص دائما  بوعي وبمسؤولية إن لا يقطع شعرة معاوية حتى مع الذين وجهوا  الرصاصات إلى صدره وقتلوا اعز رفاقه , لان لسانه لا تجيد  نطق الشتائم  والسباب وروحه عامره بمشاعر التسامح وعدم الحقد , وإذا أراد الأخ الخضر أن يتأكد من هذه الميزة التي يتمتع بها وتعكس أخلاقه ومستوى التربية التي حصل عليها منذ طفولته فما عليه إلا أن يتصل بالأخ علي ناصر محمد كقريب له ليقول له كيف كان لقاءه به حين التقيا  في أبو ظبي , وهو الذي يفترض أن يكون العدو الأول له ومع ذلك فالرجال حين تتقابل تتصافح  حتى وان كانت الجروح تغطي أجسادها,  ولكنها لا تتسامح حين تجرح كرامتها ومشاعرها . 

لهذا أطمئنك يا أخي الحسني بان المديح الذي تقصده وتعتبره سلوكا  مشينا  إنما يندرج في إطار هذه الخاصية التي يتميز بها سالم صالح مع الكل وإذا كانت في نظرك ومفهومك الأخلاقي شكل من أشكال التجارة السياسية فانا  أتحدى هنا  أمام الملأ  , أن تحدد كم استلم سالم صالح أولا  من علي ناصر  لقاء خطابه المهذب معه قبل الاختلاف وأثناء وبعد الاختلاف  وثانيا كم استلم من الرئيس علي عبد الله صالح   قبل الوحدة وبعدها وقبل الحرب وبعد العودة وما هي أرباح وفوائد هذه التجارة وعلى حساب من ؟

 وإذا كان هذا حاله لأنه لا يجيد سوى هذه اللغة فماذا تقول عن الذين تلطخت أياديهم بدماء الرجال منذ 30نوفمبر وحتى 1994 و تلطخت بدماء اقرب الناس إليهم ويعدون بالآلاف في شمال اليمن وجنوبها, وماذا تقول عن الذين يتقاسمون السلطة والبلاد  ويشاركون في ممارسة فنون الفساد ونهب الأرض وتجويع العباد , والذين يلجاءون للحروب لتصفية الخلافات ليعيشوا على هذه الحروب وعلى أشلاء ضحاياها  ولا غرابه أيها الصديق الحسني فلابد من الاعتراف بان لكل إنسان نظرته الخاصة للأشياء وفقا للمعايير  و القيم التربوية والأخلاقية  التي تطبع بها ومن شب على شيء شاب عليه ,ففي حين ينظر البعض إلى السرقة باعتبارها جريمة كبرى في بعض المناطق , ينظر إليها البعض   باعتبارها رجولة في مناطق أخرى , وهكذا الحال عند النظر إلى الأمور المختلفة   . 

15: المقابلة التي عرضتها   قناة الجزيرة ضمن برنامج زيارة خاصة أجريت في رمضان الماضي بعد إن أجلت لأكثر من ستة أشهر واستمرت لمدة ثلاث ساعات والبرنامج عادة  يستعرض مع الضيف محطات حياته منذ نشاء ته حتى لحظة المقابلة وخلال المقابلة تم استعراض والوقوف أمام العديد من المحطات التي شارك فيها الضيف ومن ضمنها كانت محطة 13 يناير والوحدة وحرب 1994 وغيرها  وبعد شهرين من المقابلة تم عرضها , وجرى التركيز على محطة يناير لتظهر وكأنها الموضوع الرئيسي  ليعتقد البعض إن المقابلة  وتوقيت  بثها  جاءت لتضرب جهودهم المخلصة في إعادة الوئام بين أبناء المناطق الجنوبية تحت شعار التسامح والتصالح بعد إن بينت لهم التجربة والمعاناة أنهم جميعا ضحايا حروب والكل أصبح خاسراً إذا لا منتصر ولا مهزوم في الحروب بين الأخوة كما اشرنا إلى ذلك , وهو  الأمر الذي كان يجهله الأخ سالم صالح مع إن عملية التسامح والتصالح قد بدأها هو وتمت  على يديه  بعد الوحدة   وبعد الحرب أي منذ سنوات , حتى إن موضوع المقابلة المشار إليها  وتفاصيلها  كان قد اطلع عليها الأخ علي ناصر قبل غيره وقبل إن تنشر في الجزيرة بما في ذلك  الحديث الأهم ولكنه لم ينشر.

 والمهم في الأمر إن سالم صالح حين تحدث وان لم يكن يعرف ما يجري من قبل البعض فهو أولاً لم يكن موجها أو مكلفا  من احد لقول شيئا يضر أو يستهدف منه  أحد وثانيا انه في حديثه عن أحداث يناير لم يكذب أبدا  وقال حقيقة ما جرى كشاهد حي على الأحداث وليس مدعياً  أو شاهد ما شاف حاجه ,  وسبق إن تحدث عن ما جرى قبل ذلك ونشر ما قاله بوسائل الأعلام في حينه , وهو الذي  أكد في أكثر من مناسبة سابقة بان الوحدة جبت ما قبلها , مع إن البعض لم يحترم هذا التأكيد لأن حرب 1994 ونتائجها  جاءت لتعمق  الجروح ولتطمس الوحدة التي كان يجب أن تجب ما قبلها وتضمد كل الجروح,ومع كل صنوف التسامح الذي أبداها سالم صالح كمناهض للعنف والحروب وداعية من دعاة الحوار , فانه   لا يمكن لأحد أن يقول حتى بعد ألف عام إن أحداث يناير لم تكن كارثة ومأساة إنسانية وبقعة سوداء في حياتنا  أُزهقت  فيها أرواح أكثر من عشرة ألف إنسان من خيرة الرجال, وإنها جريمة كبرى مثلها مثل أحداث سالمين وما قبلها من تصفيات جسدية ,  وأحداث المنطقة  الوسطى وأحداث أغسطس في الشمال  وحرب 1994 وحرب صعده وكل أنواع الإقصاء ومصادرة الوجود الإنساني للفرد أو الجماعة يجب إدانتها على الدوام لأنها بقع سوداء في حياتنا وتاريخنا , وجرائم    ليست مبعث افتخار ولا مصدر للاستقرار والتنمية أبدا ,بل أنها تدمير للقدرات وللثروة البشرية  لا تجلب معها سوى الخراب والأنين  , لهذا يجب السعي وبإصرار نحو التسامح    لتسود ثقافة الحوار بين الناس وتسود ثقافة  الاعتراف بالآخر واحترام الوجود الإنساني لبعضنا على قاعدة إن كل إنسان يمثل قيمة اجتماعية يجب الحفاظ عليها وتنميتها , وفي هذا الاتجاه أرى أن نتعلم من تجارب هذا الصراع بما في ذلك لغة التخاطب التي نستعملها لان الحروب تبدأ بكلمه ولكل كلمة معنى وكما يقولون في يافع ( الكلام مثمن ) أي إن له قيمه معينه ولهذا قيل أيضا ( لسانك حصانك ) أو  ( الرجال تحبل من ألسنتها والنساء من ركبهن ) وهذه الحكم والأمثال إنما لتجنب الأساءه ولتسود اللغة المهذبة بين الناس كجزء من أخلاقهم , (وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فا ن ذهبت أخلاقهم ذهبوا ).

 وإذا كنا ننشد التسامح والتصالح فعلينا أن نتحدث بلغة تكون بمستوى هذا الهدف أما لغة التجريح والتشهير الهادفة إلى الإساءة والتضليل  فهي لا تعكس سوى مستوى صاحبها وثقافته وأخلاقه و تسئ إليه قبل أن تسيء إلى الآخر , وهنا  أتمنى على الأخ الحسني وهو يتحدث عن أشخاص عموميين أن يتجنب التجريح قدر المستطاع  , مع إن من حقه أن يناقش أفكارهم أو مواقفهم أو رؤاهم أو مسلكهم  لكن علية أن يتحرى الدقة وان يكون  حصيفا وصادقا في نقل المعلومة حتى يصبح ما يقوله محط احترام الآخرين.