عدن نيوز - خاص - 2-10-2006

 الانتخابات الرئاسية اليمنية

عبد الكريم حسين
مواطن يمني من سويسرا


انتهت المعركة الانتخابية في اليمن بفوز متوقع للرئيس علي عبد الله صالح رئيس حزب المؤتمر، بعد معركة لم تشهد لها اليمن مثيلاً، فلأول مرة تجري انتخابات تعددية ليس من الناحية الشكلية فقط، بل كان للمعارضة دور واضح فيها، بدليل أن مرشحها حصد وحصل على أصوات المقترعين بنسبة عالية، وهذا إنجاز مهم، فمن الوهم أن يظن أحد أن يفوز أي تحالف على السلطة الراهنة من أول تجربة ديمقراطية، لكنها مرحلة تأسيس لمبدأ التداول السلمي على السلطة، ويمكن البناء على ما تحقق فيها للفترة القادمة لتغيير الموازين تدريجياً.
وقد سادت في صفوف قيادات المشترك أثناء الحملة الإعلامية الانتخابية وبعد إعلان النتائج حالة من الارتباك والتردد، فبدأت في البداية برفض النتائج واعتبارها مزورة، والاحتكام إلى الشارع والقيام بثورة برتقالية، ثم قبلت بها فيما بعد، وشعرت بهزيمة وخسارة وكأنها نهاية الدنيا ونهاية المشترك.
وكان من المعروف مسبقاُ أن النتيجة ستكون لصالح الرئيس، ففي فترة الحملة الانتخابية جرت عدة أمور صبت لمصلحته، فإضافة لمصادر القوة التي يمتلكها من مال وإعلام وجيش وأمن ونفوذ وعلاقات داخلية وإقليمية ودولية، فلديه تجربة طويلة في الحكم، وهذا كله جعل من المعركة غير متكافئة، كما أنه استطاع اختراق كل أحزاب المشترك:
ـ ففي حزب الإصلاح الشريك الأكبر في حملة المشترك، لعب حميد الأحمر دوراً مهماً لصالح بن شملان، وكان بحق نجم الحملة الانتخابية للمشترك، لكن موقف والده الشيخ عبد الله الأحمر (رئيس حزب الإصلاح، ورئيس مجلس النواب، وشيخ مشايخ حاشد) كان مختلفاً وتسبب في حالة من الارتباك بين صفوف المواطنين، وهو الذي استخدم كلمته المشهورة ( جني تعرفه خير من أنسي ما تعرفوش) وجاءت مباركته هذه وهو في السعودية مما أعطى انطباعا بأن السعودية أعطت علي عبد الله صالح الضوء الأخضر، خاصة وأنها دعمت الانتخابات، ومن المعروف أنه تربطه بالرئيس علاقات ومصالح لا يريدها أن تنقطع ولا تتضرر، كما أن حسين الأحمر أدلى بأكثر من تصريح متناقض، ففي البداية أعلن أنه سينسحب من حزب المؤتمر وسيشكل حزباً جديداً، ثم تحول إلى صف الرئيس، بعد وساطة ليبية للمصالحة بينهما، وحصل على دعم ليبي لحملة الرئيس كما أكد ذلك والده، وقد رافقه في زيارته إلى مؤتمر القمة في السودان،وطرابلس ، يضاف إلى ذلك موقف الشيخ عبد المجيد الزنداني رئيس مجلس شورى الإصلاح ، الذي أرسل ابنه إلى مهرجانات المشترك، وبنفس الوقت لم يعلن موقفاً واضحاً، بل كان يتقرب للرئيس لأنه مطلوب دولياً بتهمة الإرهاب، ويريد دعم الرئيس وحمايته له من المطالب الأمريكية بتسلمه، علماً أن الرئيس بدأ حملته الانتخابية من جامعة الإيمان، وهذا ما جعل البعض يعتقد أن هناك توزيع أدوار.
في الحزب الاشتراكي استطاع الرئيس اختراقه من عدة جهات:وفي المقدمة سالم صالح الأمين العام المساعد السابق للحزب الاشتراكي اليمني، فقد انشق أثناء الحملة عضو المكتب السياسي أحمد بن دغر وآخرون ووقفوا مع الرئيس في حملته الانتخابية بعد أن حققوا مصالحهم الخاصة.كما أشار إلى ذلك الدكتور ياسين نعمان
وفي ذروه الحملة رشح أحد اعضاء الحزب الاشتراكي (أحمد عبد الله المجيدي) نفسه لمنافسة بن شملان بهدف تشتيت الأصوات، ومقابل حصوله على دعم مالي من الرئيس والمعروف أن المجيدي ارتبط بالرئيس منذ كان في الخارج. كما شارك عدد من أبناء شهداء الحزب في الحملة لصالح الرئيس: في عدن (عمد) ابن عبد الفتاح إسماعيل أحد مؤسسي الحزب، وعين أخاه صلاح في سفارة القاهرة وفي الضالع قاد الحملة الضابط (لحسون) ابن الشهيد صالح مصلح قاسم العدو اللدود للرئيس صالح.
أما الناصريون فقد أرسل الرئيس عبد الملك المخلافي الذي يعتبر مقرباً منه، في مهمة خاصة إلى لبنان لمساعدة المتضررين من الحرب الأخيرة، وللإشراف على إعادة بناء قرية في الجنوب بدلا من إرساله إلى صعطه لبناء ما دمرته الحرب في المعركة مع الحوثي.

لقد خاض المرشح المهندس فيصل بن شملان معركة غير متكافئة ووقف بشجاعة وقدم نفسه واسمه وتاريخه كمرشح لهذه الأحزاب وتعرض لحملة تشهير واسعة، ولكنه ظل صامداً، رغم كل الإشاعات المغرضة ضده، حول صحته ومرضه وسفره وهروبه وإدارته لمصنع صيرة في عدن، ومن أكثر الأقاويل تداولاُ أن أحزاب المشترك لم تجد من بينها مرشحاً مناسباً فلجأت إليه واستأجرته، لكن هذه ليست معيبة لا في الأحزاب ولا لشخص بن شملان، ففي التاريخ القريب أمثلة كثيرة على حصول الأمر نفسه: فعندما قامت ثورة 23 يوليو في مصر قدمت اللواء محمد نجيب لقيادتها رغم أنه لم يكن في تنظيم الضباط الأحرار، وارتبط اسمه وتاريخه بهذا الموقف الوطني والقومي رغم كل ما تعرض له بعد ذلك .
وعند قيام ثورة 26 سبتمبر في شمال اليمن، تكرر الموقف نفسه مع المشير عبد الله السلال، الذي يقال أنه لم يكن من تنظيم الضباط الأحرار، إلا أنه بمواقفه الشجاعة وقيادته للثورة في أصعب المراحل تحول إلى القائد الفعلي لهذه الثورة منذ قيامها وحتى نهاية عام 1967م. بداية المصالحة الوطنية، وأصبح مخلداً في تاريخ اليمن.
وفي السودان لم يكن الفريق سوار الذهب قائداً للضباط الذين قاموا وقادوا حركة 30 يونيو 1989م. ولكنه كان الرمز والقائد لهذه الحركة حتى تنحيه من قيادة الحركة والنظام في السودان حيث قادها لعام كامل، وتسلم الرئاسة المشير عمر البشير الذي لم يكن معروفاً إلا في أوساط ضباط الجيش عند قيام الحركة.

والسؤال هل كان هؤلاء مستأجرين من قبل هذه الحركات وهل حزب الإصلاح كان مستأجراً عندما تحالف مع حزب المؤتمر الشعبي في انتخابات الرئاسة عام 1999م. وهل استأجر عبد الرحمن الجفري العائد من السعودية في أثناء حملته الانتخابية

المهم اليوم بعد كل ما جرى على الساحة اليمنية من حراك وعراك، فقد آن للجميع أن يقيموا هذه التجربة بحيادية بعيداً عن المزايدات والمكائد السياسية، وأن يستخلصوا منها العبر، وعلى حزب المؤتمر بقيادة الرئيس علي عبد الله صالح، مسؤولية أكبر في هذا الاتجاه، من تقييم للسلبيات والإيجابيات، من منطلق الحرص على استمرار التجربة الديمقراطية وتقدمها، ومن مراجعة برنامجه السياسي ليحوله إلى برنامج وطني للمرحلة القادمة مستفيداً حتى من برامج الأحزاب الأخرى.التي عارضته واختلفت معه
وعلى المعارضة بكل أطيافها أن تعمل بين المواطنين في المرحلة المقبلة، لتزرع في النفوس والعقول المبادئ والأخلاق الديمقراطية، والتي لا يمكن تلخيصها بانتخابات رئاسية أو محلية، فهي تشمل الكثير من قبول بالآخر المختلف، وتنفيذ رأي الأكثرية وبرنامجها، وحق الأقلية في النقد والعمل للتحول إلى أكثرية، وحرية النقد الإعلامي بما يتضمنه من حرية التعبير والتنظيم والإضراب والتظاهر، وقيام نقابات مستقلة عن الدولة، وجمعيات أهلية كوسيلة ضغط لتحقيق مصالح قطاعات محددة من المجتمع.
وعلى كل القيادات السياسية والاجتماعية التزام العمل السياسي السلمي، والحوار طريقاً للتعامل فيما بينها من أجل بناء مجتمع يمني ديمقراطي وسعيد.