عدن نيوز - خاص - 14-9-2006

الحادي عشر من سبتمبر...والعبر


د. فاروق حمــــــــــزه

لقد أجبرت أحداث بيرل هاربر، دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب العالمية الثانية، والحقيقة أنها هي التي رجحت كفة الحلفاء في هذه الحرب،
والتي كان بها للفوهرر أدولف هتلر شعاره الخاص بأنه سيأكل أوربا وسيحلي بسويسرا، إنطلاقا من عنجهية التجانس النازي الفاشستي، والغطرسة التي أدت إلى الهزيمة الشنعاء لهكذا عدوان على العالم.
كما أدت أحداث الحادي عشر من سبتمبر المؤسفة لإعلان الولايات المتحدة الحرب على الإرهاب. ولم تكن لنا نحن معشر الجنوبيين، أحداث ال 11 من سبتمبر سوى فاجعة كبرى، أثارت حفيظتنا، كوننا
لم نفيق بعد من وجعنا الكبير ومن مأساتنا وصدمتنا الكبرى، فنحن في الحقيقة صرنا من المرهوبين والموجوعين في العالم والذي سرعان ما نتعامل مع الأحداث بواقع أحوالنا العالقة والمؤلمة أيضا.
وتستجر مشاعرنا الفياضة مع المثل القائل " ذكروا الحزين البكاء"، ولذا نجد أنفسنا على الدوام مشاركين الشعب الأمريكي بهذا المصاب الجلل ومشاركته مشاعر الشعور بهذه المأساة.
فنحن معشر الجنوبيين لا نخاطب الولايات المتحدة الأمريكية بمنطق الندية إطلاقا، ولا يعقل ذلك منا، إلا من منطلق منطق مشاركتنا لها مشاعر
الشعور بالظلم والمأساة بكهذا حدث، وإنما ننظر لها بالدولة الكبيرة والعظمى والتي كانت قد أسست أو بنيت على أساس أن تكون القلعة الصامدة في الحرية والعدل والإنصاف والديمقراطية، وعلى أساس
أيضاً بأنها الدولة الحامية للسلم والسلام والأمن والاٍستقرار في العالم، ومن خلال دفاعها عن الشعوب المقهورة والمكسورة والمغلوبة في العالم، وهذا هو في الأخير ما ستؤول إليه الأمور بكل تأكيد،
خاصة وإنها صارت ستتحمل مسئوليتها الأخلاقية والتاريخية والقانونية تجاه العالم كله بإعتبارها الدولة الأقوى في العالم والراعية الحقة لما تأسست عليه وبه من قيم ومبادئ. وهذه هي الأحوال، وهذا هو
القدر الحتمي لتاريخ الشعوب، وخاصة شعوب الدول العظمى والذي غالباً ما تكون مرجعيتهم الأخيرة، هي في العودة للقيم والأخلاق والمناصرة في إحترام حق الشعوب، في حق تقرير مصيرها، فهذا هو التاريخ، وعدى ذلك فالتاريخ لا يرحم.
ويبدو أننا نحن معشر الجنوبيين لازالت الذاكرة حية فينا، ولم ولن تخوننا إنشاء الله فيما يخص علاقاتنا الطيبة بالجنس الأنجلوسكسن، فقد ربطتنا بهم
الكثير من المواقف الخلاقة والطيبة على مدار عقود طويلة، لدرجة أن قوات الجنوب السابقة وما عرفت بقوات الليوي والاٍكس ليوي، قد كان لها شرف التلاحم مع قوات الحلفاء في صد العدوان النازي
الفاشستي والمشاركة العسكرية في نصرة الحلفاء، وهذا هو الموقف الذي على ضؤه بنيت القوات المسلحة الحديثة لدولة الجنوب بإعتبارهم أحفاد وأبناء لهؤلاء الأبطال القدامى، ومتحليين بسمة الدفاع عن
الحق هكذا وعلى الدوام، بغض النظر وما تعرضوا إليه في نكبتهم التي حولتهم إلى مجرد طوابير عزل مشردين في الداخل والخارج، من خلال خديعة لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيل، بإنتظار الإنصاف
لعودتهم لوطنهم الجنوب وثكناتهم العسكرية، علماً بأنهم عبارة عن فرق عسكرية متكاملة وجاهزة التشكيل الهيكلي، وهم جيش اليمن الجنوبية المتكامل. ورغم تواجدهم هكذا وكعسكريين، إلا أنهم لم
يمارسوا أية أعمال عنف أو إرهاب على الإطلاق لأنهم لا يتعاطفون مع ذلك إطلاقاً، ولأنهم يؤمنون بقضيتهم العادلة، وبحلها وقفاً للقوانين الدولية، وما تتمخض عليه هكذا أمور من دحض الإحتلال
لبلادهم. وهذه هي قيم خلاقة تحلى بها كل شعب الجنوب من مدنيين وعسكريين، بالرغم من أن تاريخهم مع النار قديم، إلا أنهم لا يريدون ولا يؤمنون بإشعال الحرائق جزافاً والذي بالتأكيد ستأكل
الأخضر واليابس والتي ربما قد تنتشر بسرعة إنتشار النار على الهشيم في المنطقة كلها، وهنا تكون قد حلت الكارثة والتي أيضاً ربما قد يستحيل السيطرة عليها ومحاصرتها.
وكما يبدو أيضاً بأن هذه هي الحقيقة، وهذا هو الواقع وهذا هو الموقف، الذي لا زال عسكريو اليمن الجنوبية يتحلون به من حكمة وصبر ومسئولية
بالرغم من وضعهم المزري هذا، والأساس بذلك هي هذه القيم الصرفة لشعب الجنوب أكانوا مدنيين أم عسكريين، وهنا أيضاً لايفوتي من توجيه النقد للموقف الأمريكي الرسمي، والذي لم يعد يكون ليفكر
بجدية بأن ما كان يجري في المنطقة برمتها والعالم أجمع سابقاً، هو نتيجة صراع الكبار في الحرب الباردة، وفي النفوذ والهيمنة، أما اليمن الجنوبية فلم يكن لها ناقة ولاجمل بذلك إطلاقا، خاصة وأن شعبها
العظيم لم يكن ولا بأي حال من الأحوال جزءاً من أي صراع لا بالداخل ولا بالخارج، كما إن حنيته المستمرة والدائمة هي لدولته فقط، دولة الجنوب وليس لأي فكر سياسي أو صراع سياسي أو حزب
سياسي، وهذا هو ما يبدو لي بأنه قد غاب كثيرا عن الولايات المتحدة الأمريكية، بحيث لم تستطع الفصل بين طبيعة شعب الجنوب والحزب الذي نصب نفسه حاكماً على الجنوب، لأنه وهذه هي الحقيقة، لو
أستطاعت إدراك ذلك بحينه، لربما كانت أي الولايات المتحدة بحكم إمكانياتها وقدرتها ومكانتها الدولية، قد عملت على شد أزر شعب الجنوب، مباشرة أثناء وبعد المتغيرات الدولية، ولأستطاعت من أن تدعم
شعب الجنوب في خلق أفضل النظم، ودعم الحرية وإعادة التجربة الديمقراطية السابقة لما قبل الاٍستقلال ونظامها الفيدرالي السابق أيضاً بإعتبارهما قد شكلا النموذج الأسمى ليس فقط في منطقتنا، بل وبالعلم
العربي كله ... إلا أنها وكما يبدو قد تعمدت على صرف النظر بذلك، أو يبدو أن مصالح معينة قد أوهمتها من خلال معلومات زائفة، وهذا هو ما يحصل في غالب الأحيان، وهو ما يؤسف له حقاً،
وقد أثبتت الأحداث بأن ذلك ربما يكون سبباً رئيسياً في مجمل الإخفاقات،وبغض النظر عن هذا وذاك إلا أنه بالتأكيد لم ولن يكون المحاولة النهاية في الأمر، وفي النهاية ولا يصح إلا الصحيح. ولا تبقى
إلا الحقيقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــة، فأبحثوا عنـــــــــــــــــــــــــها... وتعالوا لنستنكر أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولنعلن معاً من ألغى علينا رقصة المـــــركح.



من أقبية القمــــــــــــــــــع ومن زلازل الأعمــــــــــــــــــاق
مهما رفعتم عالياً أسواركم لن تمنعوا الشمس من الإشراق


نزار قباني


صنعاء في سبتمبر 14 ، 2006
dr.farook@yemen.net.ye