عدن نيوز - نسيج/قدس برس - 10-9-2006

 كيف بدأ الشرخ بين المؤتمر والاصلاح؟..وهل هناك شرخ حقيقي؟

قراءه لمقال قديم يحوي الكثير مما يثير الانتباه وخاصه الآن

اليمن : حل المعاهد العلمية شرخ بين الإصلاح والمؤتمر
18-6-2001
صنعاء - من سعيد ثابت - خدمة قدس برس:

 أثبتت الأحداث التاريخية التي جمعت
الرئيس اليمني علي عبد الله صالح والحركة الإسلامية في اليمن (التجمع اليمني
للإصلاح) أن ثمة خصوصية في هذه العلاقة تقوم على أساس الثقة المتبادلة،
والحرص المشترك على حماية الثوابت الدينية والوطنية، الأمر الذي يجعل خصومهما
في حالة ترقب وقلق دائمين، كلما التقيا في موقف أو منعطف تاريخي ويسعون عقب
كل اتفاق بينهما إلى تدمير عوامل الثقة التي تجمع الرئيس بالإصلاح. ولذلك
يسارع هؤلاء إلى إثارة اتهامات وإطلاق إشاعات بشأن حقيقة موقف الإصلاح من
الرئيس كما حدث عقب الانتخابات الرئاسية التي أعلن الإصلاح أن الرئيس علي عبد
الله صالح هو مرشح الحزب فيها والتشكيك، على الرغم من التصريحات الواضحة التي
أطلقها الرئيس صالح في أغسطس عام 1999م بأن العلاقة التي تربطه بالإصلاح ليست
استراتيجية فحسب بل مصيرية أيضا، فإن خصوم الرئيس صالح والإصلاح راحوا
يراهنون على عدم استمرارية هذه العلاقة، بسبب متغيرات جديدة في طريقها
للتبلور، وبالتالي ضغطوا باتجاه دفع الأمور إلى التأزيم مستفيدين من بعض
الأحداث كالانتخابات النيابية والمحلية والتعديلات الدستورية.


محطات الالتقاء بين الحركة الإسلامية والسلطة

- المحطة الأولى:
كانت البداية الجادة في التقاء نظام الحكم في صنعاء مع الحركة الإسلامية عند
تحالفهما لمواجهة المعارضة اليسارية المسلحة التي ضمت الماركسيين والبعثيين
الموالين لسوريا، والناصريين الذين كانوا يتحركون من خلال واجهة الجبهة
الوطنية الديمقراطية في المناطق الوسطى منذ عام 1979 حتى نهاية عام 1981م.
وأسهم التحالف الإسلامي مع السلطة في صنعاء آنذاك واقترابه من رموزها في
تسهيل التعرف على أفكارها وأطروحاتها التي لم تكن غريبة عن الإطار المرجعي
لرموز السلطة، وسهل على الحركة الإسلامية أن تكون شبكة واسعة من العلاقات
الإيجابية مع الرموز القبلية التي يستمد النظام منها أسباب ثباته وقوته. وحقق
هذا التحالف إنجازات ملموسة على الميدان العسكري وتمكن من دحر المليشيات
اليسارية المدعومة من النظام الماركسي في عدن آنذاك ومن ليبيا وسوريا
وألمانيا الشرقية وموسكو.


- المحطة الثانية:
تمثلت هذه المحطة في عمليات التحضير والإعداد لصيغة الميثاق الوطني وتأسيس
المؤتمر الشعبي العام كإطار تنظيمي واسع يستوعب مختلف ألوان الطيف السياسي
والحزبي في اليمن. وامتدت فترة الالتقاء هذه منذ عام 1981 وحتى عام 1983م.
وتركزت على الإجراءات المتعلقة بإنجاح المؤتمر الشعبي العام وإخراج الميثاق
الوطني ليكون الوثيقة الوطنية التي تجمع عليها مختلف القوى والتوجهات
السياسية.
واستطاع الإسلاميون، مستفيدين من المحطة الأولى، طرح الرؤية الإسلامية في
الميثاق الوطني المنسجمة مع رؤى وتطلعات غالبية الشعب، ولا زالت تمثل حتى
اليوم أهم القواسم الفكرية المشتركة بين المؤتمر الشعبي (الحزب الحاكم)
والتجمع اليمني للإصلاح، ونجحوا في إلزام بقية القوى العلمانية اليسارية
والقومية والليبرالية بأن يكون الميثاق الوطني هو الدليل النظري لليمنيين إذ
كانت هذه القوى قد خرجت من المعارك التي خاضتها ضد نظام صنعاء يومئذ مهزومة
منهوكة القوى.

- المحطة الثالثة:
كانت هذه المحطة عندما أعلن الرئيس علي عبد الله صالح نيته الانسحاب من الحكم
في فبراير 1983م فقام الإسلاميون بتحريك أنصارهم والأعضاء المنتمين إلى
الحركة الإسلامية الإخوانية مطالبين بإعادة انتخابه لرئاسة الجمهورية لدورة
جديدة. وما زال يذكر طلاب الثانوية في مدرسة عبود بمنطقة دار سعد في جنوب
اليمن حديث رئيس ما كان يسمى باليمن الجنوبية علي ناصر محمد الذي اتسم
بالتذمر من التأييد الإسلامي لإعادة انتخاب الرئيس صالح لرئاسة جديدة.
وقال بالحرف: "إن الذين يخرجون في شوارع صنعاء وتعز والحديدة ليسوا هم غالبية
أبناء الشعب, إنما هم مجاميع الإخوان المسلمين الذين لا يريدون الوحدة
اليمنية". ومن المعروف أن المسيرات الشعبية أثمرت إعادة انتخاب الرئيس صالح
في 23 مايو 1983م.

- المحطة الرابعة:
وتجلت عندما تعرضت الوحدة اليمنية للخطر، وبدأت قيادات الحزب الاشتراكي
اليمني التي كانت في ذات الوقت تتربع في هياكل الدولة تطرح خيارات بديلة عن
الوحدة مثل الكونفدرالية والفيدرالية وغيرها من المشاريع، فدخلت الحركة
الإسلامية في تحالف مع الرئيس صالح للدفاع عن الوحدة اليمنية وتمكن الطرفان
بعد معارك دامية من دحر المحاولة الانفصالية.

- المحطة الخامسة:
كانت هذه المحطة عندما أعلنت هيئات التجمع اليمني للإصلاح في منتصف عام 1999م
اعتبار الرئيس صالح مرشح التجمع اليمني للإصلاح للانتخابات الرئاسية التي جرت
لأول مرة في اليمن في سبتمبر 1999م. ففي هذه الانتخابات خاض الإصلاح حملته
الانتخابية مع الحزب الحاكم بصورة مشتركة، لكن هذه الخطوة لم تحظ بالقبول من
بعض الأطراف السياسية داخل الحزب الحاكم وأبرزها التيار الليبرالي والعناصر
التي ارتبطت تاريخيا بأحزاب مناوئة للتيار الإسلامي في اليمن وتحمل مواقف
عدائية قديمة ضد الإصلاح.


- محطات افتراق:
يلحظ المراقبون المهتمون بملف علاقة الحركة الإسلامية بالسلطة في اليمن أن كل
محطة لقاء تعقبها مرحلة توتر وشبه افتراق، وليس ثمة تفسير نهائي لهذه
الظاهرة، ويمكن إجمال تلك المراحل تاريخيا في الآتي:
فبعد إلحاق الهزيمة العسكرية بصفوف المعارضة اليسارية المسلحة في شمال اليمن
أوائل الثمانينات نتيجة تحالف النظام الحاكم مع الحركة الإسلامية تعرضت
الحركة لمحاولة انشقاق قادها عدد من الشخصيات داخلها بدعم من أطراف في
السلطة. وكان على رأس تلك الشخصيات نائب المراقب العام عبد الملك منصور الذي
قام بمحاولة انقلاب هادئة ضد المراقب العام ياسين عبد العزيز بإبعاده إلى
الولايات المتحدة كملحق ثقافي من دون رغبته، وكان ذلك على خلفية محاولة حل
الحركة الإسلامية ودمج كوادرها في إطار المؤتمر الشعبي، لكن المحاولة فشلت
تماما، واستطاعت الحركة تجاوز المأزق, وفصل الأشخاص المنشقون الذين تم
استيعابهم في إطار السلطة، ومنحهم مواقع قيادية في الحكومة والمؤتمر الشعبي.
ثم لجأت أطراف في السلطة إلى عملية أخرى لتوتير الأجواء بين الإسلاميين
والرئيس صالح من خلال طرح موضوع المعاهد العلمية مطلع عام 1985م، بعد أن قام
الرئيس بإجراء تعديل وزاري في حكومة عبد العزيز عبد الغني (رئيس مجلس الشورى
حاليا). وتمثل التعديل في استبدال الدكتور عبد الله حسين العمري بالدكتور عبد
الواحد الزنداني في وزارة التربية والتعليم وصدور قرار بتشكيل المجلس الأعلى
لتوحيد المناهج التعليمية برئاسة الوزير الجديد الدكتور العمري وعضوية 15
شخصا.
ودخلت الحركة الإسلامية في معركة إعلامية وقضائية وسياسية للدفاع عن المعاهد
العلمية التي تعتبرها من إنجازات الثورة اليمنية في تحقيق وحدة فكرية لدى
الشعب اليمني الذي مزقته ثقافة العهد الإمامي إلى مزق مذهبية ومناطقية
وطائفية. لكن عادت الحكومة وجمدت المشروع نتيجة انفجار الأحداث الدامية في
جنوب اليمن مطلع يناير 1986م.

كانت الدولة حريصة على تقليص نفوذ الحركة الإسلامية خلال تلك الفترة، وقد
تميز عام 1985م بالتوجه الرسمي نحو إصدار القرارات الجمهورية لإنشاء وتأسيس
الاتحادات والجمعيات والهيئات المختلفة على طريق بناء مؤسسات للدولة، كما شهد
هذا العام حدثا بارزا تمثل في انتخاب ممثلي المجالس المحلية وتوسعة عضوية
المؤتمر الشعبي في 16 يوليو 1985م وتمكنت الحركة الإسلامية اليمنية من إحراز
نتائج إيجابية وسجلت حضورا قويا لفت انتباه عدد من المراقبين الغربيين، إذ
اعتبر روبرت دي باروز الباحث في مركز هاكوب كيفوركيان بجامعة نيويورك ذلك
بروزا واضحا للحركة، فقد كتب يومها يقول "إن حركة الإخوان المسلمين في اليمن
ظهرت بوضوح أثناء إجراء الانتخابات لجمعيات التنمية المحلية". وقد أثار
النجاح الانتخابي للحركة الإسلامية في المجالس المحلية حنق وغضب أوساط نافذة
في الدولة والحكومة..
وبحلول عام 1988م كانت البلاد على موعد مع إجراء انتخابات مجلس الشورى. ولأول
مرة برزت التوجهات الحزبية المتباينة لتتنافس على مقاعد مجلس الشورى وفاجأت
الحركة الإسلامية العالم بحصولها على أكثر دوائر العاصمة تقريبا إضافة إلى
دوائر بعض المحافظات الشمالية والغربية التي كانت تسمى الجمهورية العربية
اليمنية، الأمر الذي أثار قلق بعض صناع القرار في الدولة.
وقد اعتبر مراقبون سياسيون يمنيون وعرب وأجانب الانتخابات تلك بأنها الأكثر
نزاهة ونظافة مما تبعها من انتخابات في عهد الوحدة والتعددية والعلنية.
وقد تسارعت الخطوات الرامية لتوحيد شطري اليمن مع نهاية عام 1989م، وبدأ
الرئيس صالح يواجه قيادات الحزب الاشتراكي الحاكم في جنوب اليمن بعدد من
الخيارات الوحدوية المختلفة مستفيداً من انهيار ما كان يسمى بالاتحاد
السوفييتي والكتلة الاشتراكية.
ولم تتردد الحركة الإسلامية في إعلان موقفها الصريح تجاه التطورات الجديدة،
إذ رحبت بالوحدة اليمنية، ورفضت عددا من مواد مشروع الدستور المطروح
للاستفتاء واعتبرتها موادا تكرس التوجه الشمولي والعلماني لدولة الوحدة،
ودفعت الحركة الإسلامية ثمن هذا الموقف بتعرضها لحملات إعلامية قوية من وسائل
إعلام الحزبين الحاكمين في صنعاء وعدن، واندفع خصومها في جهاز الحكم بصنعاء
للتشهير والتشنيع برموز الحركة الإسلامية.

وبلغت حراجة الموقف ذروتها عند زيارة الرئيس صالح ونائبه حينذاك علي سالم
البيض مكة المكرمة لتأدية العمرة، وتم طرح فكرة تسليم الشيخ عبد المجيد
الزنداني رئيس مجلس الشورى للإصلاح للسلطات بتهمة التحريض ضد مشروع الدستور.
وفي 21 مايو 1990م اجتمع برلمانا الشطرين كلا على حدة وأقرا مشروع دستور دولة
الوحدة وانسحب ممثلو الحركة الإسلامية من مجلس الشورى احتجاجا على عدم
الاستجابة لتعديل بعض نصوص مشروع الدستور، غير أنهم في الوقت ذاته أرسلوا
ممثلين عنهم للمشاركة في احتفالات إعلان الوحدة اليمنية وقيام الجمهورية
اليمنية وكانوا بذلك الموقف يؤكدون موقفهم المؤيد لقيام الوحدة اليمنية
والداعم لها ولكن على قواعد دستورية راسخة ومتينة على حد تعبير قياداتهم، وهي
نقطة الخلاف التي كانت بينهم وبين الرئيس صالح الذي كان يرى أن ذلك يمكن
تحقيقه في وقت لاحق ومن خلال المؤسسات الدستورية لدولة الوحدة الوليدة.
ويمكن القول إن المرحلة التي امتدت من نهاية الثمانينات وحتى العام الأول من
قيام دولة الوحدة، قد شهدت توترا ملحوظا بين الرئيس صالح والحركة الإسلامية،
نتيجة تباين رؤية كل منهما إزاء التعامل مع مستجدات الأوضاع التي أفرزتها
أحداث يناير 1986م في جنوب اليمن وانتخابات المجالس المحلية والبرلمانية في
1985 و1988م على التوالي واندفاع الرئيس نحو تحقيق الوحدة دون الالتفات
للتحفظات على بعض الإجراءات التي أعلنها الإسلاميون وتيارات أخرى واعتبروها
نواقص وثغرات تتيح للمتربصين وأعداء وحدة اليمن الدخول من خلالها. وعلى الرغم
من التوتر السياسي بين الإسلاميين والرئيس صالح فإن ذلك كان يعني أن ثمة سقفا
محددا للاختلاف والتباين، وأن ليس مسموحا لأي منهما بتجاوز الخطوط الحمراء.

البيئة الداخلية والخارجية للصراع السياسي الراهن:
الخلاف الناشب بين التجمع اليمني للإصلاح (الحركة الإسلامية) والمؤتمر الشعبي
العام حاليا ليس على خلفية المعاهد العلمية (الدينية) فحسب ولكن ثمة
استحقاقات محلية وإقليمية ودولية تدفع بصناع القرار في البلاد لأن يدخلوا في
مواجهة سياسية ضد الإصلاح. فلقد تأخر موعد تطبيق قانون التعليم أكثر من ثمان
سنوات وهو القانون الذي قضى بدمج المعاهد العلمية ماليا وإداريا وفنيا بسبب
عدم رغبة الرئيس صالح بتنفيذه يومئذ ربما لوجود عدد من الملفات الداخلية
والخارجية العالقة التي هي في حاجة لإنجازها، قبل الدخول في مواجهة سياسية
وإعلامية مع أنصار المعاهد.
لقد فرغت الحكومة اليمنية الآن من عدد من الملفات التي كانت تشكل لها قلقا
كبيرا. فعلى الصعيد الداخلي نجحت تماما في إضعاف المعارضة وخاصة الحزب
الاشتراكي الذي تم تجريده من عوامل القوة، وفرض برنامج الإصلاحات الاقتصادية
وتحرير كثير من السلع الأساسية والاستجابة لشروط وروشتات الصندوق والبنك
الدوليين، والتسلل الآمن إلى مواقع قوى المعارضة المتبقية, وتجفيف منابعها,
وافتعال صراعات داخلية.
وعلى صعيد العلاقات الخارجية استطاعت الحكومة الانتهاء من الملفات الشائكة
التي كانت تسبب توترا مع دول الجوار لا سيما تلك الملفات المتعلقة في القضايا
الحدودية، وبالتالي تحسين العلاقات مع دول الجوار.
فقد أنهت اليمن الأزمة الحدودية مع المملكة العربية السعودية بترسيمها والتي
ظلت عالقة لسنين طويلة جدا، كما خرجت من المشكلة ذاتها مع سلطنة عمان
وإريتريا، وبالتالي أصبحت اليمن لا تعاني من المشاكل الحدودية، ومن ثم سعت
إلى تكييف نفسها لتكون منسجمة مع المنظومة السياسية لدول المحيط الإقليمي.
وفي المقابل اعترى العلاقات اليمنية مع بغداد فتور وتوتر لاسيما في الأيام
الأخيرة بسبب تصريحات عدي صدام حسين ضد القيادة اليمنية ورد صحيفة "الثورة"
الرسمية عبر افتتاحياتها، مقابل استئناف نشاط صندوق التنمية الكويتي في
اليمن.
ولقد بدأت مؤشرات القبول الدولي الآن أكثر من الأعوام الماضية، إذ لم يستطع
الرئيس إجراء لقاء عمل جدي مع الرئيس الأمريكي السابق كلينتون على الرغم مما
حدث من دخول السياح اليهود إلى صنعاء بصورة متزامنة مع تلك الزيارة. ولذلك
أعلنت مصادر مقربة من الحكومة أن الزيارة المرتقبة خلال الشهر القادم إلى
واشنطن، والشروع في مباحثات جادة مع الإدارة الأمريكية برئاسة جورج بوش الابن
مما يعطي مؤشرا على تطور العلاقات مع الولايات المتحدة وخاصة بعد أن أبدت
اليمن مرونة كبيرة وقدمت تسهيلات للمحققين الأمريكيين الذين جاؤوا على خلفية
تفجير المدمرة كول.

توقيت إلغاء المعاهد:
إن إلغاء المعاهد بحسب كثير من المراقبين في هذا التوقيت بالذات يجيء منسجما
مع المتغيرات الجديدة، وشعور السلطة بانتفاء مبرر وجودها، وخاصة أن تلك
الظروف التي كانت تمنحها البقاء قد زالت، كما أن نتائج الانتخابات المحلية
الأخيرة أشعرت السلطة أن الحزب الحاكم لا يستطيع تحقيق نتائج أفضل مستقبلا ما
لم يتم تجفيف منابع منافسه الرئيسي المتمثل في تجمع الإصلاح، بعد أن حقق
الأخير انتصارا في هذه الانتخابات التي رافقتها أعمال عنف متبادلة، اضطرت
الأمين العام للإصلاح لأن يؤكد في مقابلة تلفزيونية إثر الانتخابات عن وفاة
التحالف الاستراتيجي بين حزبه وحزب المؤتمر مع تشديده على العلاقة المتميزة
التي تربطه بالرئيس صالح.

غير أن الرد المؤتمري كان سريعا وحازما، إذ رحب مصدر مسؤول بإعلان وفاة
التحالف وكشف عن تخلي الحزب الحاكم عن التزاماته التاريخية تجاه الإصلاح.
وتساءل مراقبون عن طبيعة تلك الالتزامات، غير أن المهتمين بالعلاقة بين
الحزبين لم يترددوا في القول إن أهم مظهر لتلك الالتزامات هي رعاية الدولة
للمعاهد العلمية.
لكن لماذا أبدى المؤتمر الشعبي الحاكم حماسة كبيرة لقطع تحالفه مع الإصلاح؟
ليس ثمة إجابة محددة لكن سياسيين يعتقدون أن الأخبار التي ترددت مؤخرا عن
مساعي ومشاورات تجري بشأن تشكيل حزب مواز للمؤتمر يقوده ليبراليون وبعض أبناء
مسؤولين كبار في الدولة يكون بديلا عن الحزب الحاكم ويتسم بالتوجه الغربي
ويقطع علاقاته مع حلفاء الأمس ما يساعد في تحديد الإجابة.
فقد كانت صحيفة محلية قريبة من بعض أركان السلطة قد أكدت أن عملية الانضمام
إلى ما أسمته بالحزب الليبرالي الجديد ستكون مقتصرة على قيادات سياسية تتوفر
فيها الشروط والمواصفات المحددة من قبل الموجهين لنشاط الحزب.
وقالت صحيفة "الشموع": إن من بينهم قيادات سياسية تبوأت مواقع كبيرة في
السلطة وغادرت تلك المواقع لأسباب متعددة.
ولعل هذه الأخبار والتسريبات دفعت بعدد من قيادات الحزب الحاكم إلى السعي
لسحب البساط من أي توجه يسعى لإيجاد حزب ليبرالي يتكيف مع متطلبات توسع
النفوذ الأمريكي في المنطقة، من خلال مواقف حادة وصارمة مع التوجه الإسلامي
وتقديم براهين عملية على جدارة الحزب الحاكم على أن يكون هو الحزب القادر على
تحجيم النشاط الإسلامي، وإنجاز مشاريع تنسجم مع تطلع قوى ما يسمى بالحداثة.
ولذلك كان المؤتمر الشعبي يروّج بأنه استطاع تحقيق أهم مشروع يتمثل في تأسيس
شرطة نسائية لأول مرة في تاريخ اليمن، وهو بذلك حسب سياسيين يمنيين، يقطع
الطريق على الذين يروجون أنفسهم أمام القوى المؤثرة دوليا باعتبارهم البديل
الجاهز لتحقيق شروط النظام الدولي الجديد.
وبغض النظر عن صحة الأخبار بشأن الحزب الليبرالي البديل إلا أن الدلائل
الواقعية تشير إلى نجاح التيار الذي يطلق عليه خصومه وصف العلماني في السيطرة
على مواقع القرار، والوصول بالعلاقة بين الحليفين المؤتمر والإصلاح إلى
النقطة الحرجة، وهي لم تكن لتصل إليها لو لم توجد إشارات خضراء من قيادة
الحزب العليا.

مستقبل غامض:

من المبكر الحديث عن مستقبل العلاقة بين الرئيس صالح والإصلاح، لكن الأمر
المؤكد أن حالة التأزم ستظل عند مستوى الشد والجذب، إلى نهاية العام الحالي
إذ ستدخل البلاد مرحلة الاستعدادات للانتخابات المحلية والنيابية, التي ستكون
متزامنة في أبريل 2003م. وستتيح لكليهما أن يلعب بأوراق جديدة.
ولعل الرغبة الرئاسية في إعادة النظر في النظام الانتخابي والتي أعلن عنها
بوضوح الرئيس صالح في أول اجتماع مشترك مع أعضاء الحكومة الجديدة، وكشف عن
نيته جعل اللجنة العليا للانتخابات من دون تمثيل حزبي، تؤشر إلى أي مدى يمكن
أن تصل العلاقات بين الجانبين على وجه أخص وعلى العلاقة مع بقية أحزاب
المعارضة الأخرى.
إذ لا يستبعد مراقبون سياسيون أن تلحق الحكومة اليمنية اللجنة العليا
للانتخابات بوزارة الداخلية كما هو قائم في عدد من الدول العربية. وهو ما
يرفضه التجمع اليمني للإصلاح وجميع أحزاب المعارضة، وتعده خطوة ارتدادية عن
الهامش المتبقي من النهج الديمقراطي، حسب أحد القيادات الاشتراكية.