عدن نيوز - خاص - 9-9-2006
الشائعات العلمية والأوهام الفلكية ( خرافة قمرين في السماء في نفس الوقت)
الفلكي / سالم الجعيدي
من أكثر الأمور إزعاجاً وإحباطاً في نفوس ذوي الاختصاصات العلمية ، أن تسري في مجالهم شائعات لا يجدون لها في مراجعهم المتنوعة ما يثبت ذلك ، بل ولم تخطر على بالهم من ذي قبل ، ورغم ذلك يجدون تهافت الناس وإقبالهم على نقلها والتندر بها والإخبار عنها في المجالس والنوادي وكأنهم ظفروا على كنز دفين ، وتتبارى الصحف المحلية والعربية في عرضها والتعليق عليها ، محدثين حولها ضجة إعلامية لا مبرر لها سوى تتبعهم لأخبار الغرائب والعجائب والتهويلات التي هي أقرب للخيال منه للحقيقة ، ولا أكون مغالياً إذا ما استثنيت أحد المجالات العلمية عن احتمالية تعرضها للشائعات في أوساطها البحثية ، سواء في ذلك الطب أو الفيزياء أو الجيولوجيا... الخ ، لكن تظل المساحة التي أخذت حيزاً واسعاً من خيال العلماء وأنتجت مرتعاً خصباً للخرافات والأساطير ، حتى تقلصت فيها الحدود الفاصلة بين الخيال والحقيقة هي علوم الفلك والفضاء ، فأغلب أفلام ما يسمى بالخيال العلمي تجري أحداثها في الفضاء ، أو لها صلة وثيقة بالفضاء الخارجي ، حتى القصص التي تدور حول العودة بآلة الزمن نحو الماضي السحيق إنما هي مستوحاة أصلاً من أشهر النظريات الفلكية ، فالإطار العام للمعارف الفلكية تعطي هامشاً واسعاً أساء البعض في تقديرها – للأسف - إلى درجة تخرجهم في أنظارنا من دائرة المألوف وكل ما هو منطقي إلى عالم ملئ بالمبالغات والمجازفات ، كما هو الأمر الطبيعي لكل أعمال الشطط والإسفاف في التصور والحساب .
والأمثلة على ما أشرنا إليه آنفاً كثيرة جداً لا يتسع له المقال ، لكن حسبنا هنا من الشائعات أن نأتي على بعض ما أوردته أجهزة الأعلام المختلفة في الوطن العربي عن أحداث فلكية منسوبة لكوكب المريخ يتوقع أصحابها – حسب زعمهم - حدوثها في أواخر شهر أغسطس .
فمنهم من زعم أن كوكب المريخ سيقترب من الكرة الأرضية في آخر شهر أغسطس من هذا العام 2006 م ، ومنهم من ادعى أن سكان الأرض سيشاهدون حجم المريخ برؤية العين كحجم القمر ، حتى لقد صيغ هذا الخبر بأسلوب مؤثر و ملفت للنظر ، فقال ( لأول مرة في التاريخ سيشهد سكان الأرض في السماء قمرين ، أحدهما البدر ، والآخر المريخ ) ونسي صاحب المقال أن وجه القمر بآخر أغسطس سيكون محاقاً وليس بدراً ، ونحن نجزم باستحالة أن يصدر هذا الهذيان من هواة الفلك والمبتدئين فضلاً عن أن تخطر على بال العلماء والخبراء ، فحجم المريخ عندما يبلغ أقرب نقطة له في مداره من الأرض هو 17 ثانية قوسية وفق المقاييس الفلكية ، أما متوسط حجم القمر فهو 1800 ثانية قوسية ، فمن زعم أن حجم المريخ سيشاهد بحجم القمر فكلامه يندرج في إطار التخاريف ولا يجوز بحال من الأحوال التعويل عليه ، وهناك شخص آخر زعم في مقالته أن المريخ سيقف عن دورانه المحوري حول نفسه من الشرق للغرب وسيدور عكس ذلك بحيث أن الشمس ستشرق فيها من الغرب ، وقد استند صاحب المقال هذا إلى أبحاث المرصد السويدي ، وبعد إطلاعنا على البحث السويدي المشار إليه وجدنا أن كلام المراجع السويدية في وادي ، وكلام صاحبنا المسكين في وادي آخر ، فالمرجع السويدي كان يتحدث عن التراجع الظاهري للكواكب على خلفية الأبراج المرصودة بالتلسكوب ، فأخطأ صاحب المقال في فهم ترجمة المصطلح الفلكي وفسر الأمر على خلاف مقصده وتعرض للتهريج والتشنيع ، أما الصحف الخليجية فقد نسبت تصريحاً لأستاذنا الدكتور عبد الفتاح جلال رئيس مرصد حلوان المصري ذكر فيها بأن القمر سيستر وجه المريخ فيما يعرف بكسوفات الكواكب ، ورغم جواز وقوع مثل هذا إلا أن حساباتنا لشهر أغسطس تدل على تباعد موقعيهما على صفحة السماء فلا يمكن حدوث أي استتار بينهما ، وحاشا أستاذنا القدير الدكتور عبد الفتاح جلال أن تنسب له مثل هذه الأخطاء التي يستحي منها حتى التلاميذ .
الغريب في أمر الشائعات أن ينسب كل هذه الخزعبلات لشهر أغسطس وكأن شؤم كذبة إبريل قد امتدت إليها أيضاً .
فكوكب المريخ الذي طالما احتل موقع الإعجاب والإكبار في نفوس الفلكيين والمثقفين أصبح الآن – للأسف – عرضة للسخرية والتندر ، وصار يقول فيه من شاء ما شاء كيفما شاء دونما اعتبار للمرجعيات العلمية ، حتى لربما قد يظن البعض أن وصف المريخ بالكوكب الأحمر إنما جاء من خجله من كثرة ما يسمع عنه من الافتراءات التي تلصق به بين الحين والآخر.
أما الشائعات والخزعبلات والأكاذيب التي نشهدها على مستوى صفحات الإنترنيت فحدث ولا حرج ، فأغلب الذين يشاركون في المواقع الفلكية فيها ليسوا من المتخصصين في علوم الفلك ، بل أكاد أشك أن أحدهم مسك في حياته القلم والآلة الحاسبة وأجرى حساباته ولو حسابات بسيطة عن حركة الكواكب والأجرام السماوية ، وإنما وجدت أن كل من حك رأسه واستحسن فكرته رمى بمقالته في الإنترنيت ، وظن أنه أتى بما لم تستطعه الأوائل ، وأمثال هؤلاء نعاني منهم كل يوم حتى أصابنا السأم والملل من مجادلتهم وتوقفنا في النهاية عن الرد عليهم والكلام معهم ، فساحة الإنترنيت مفتوح بلا رقيب ولا حسيب .
أنا لست ممن يعارض فكرة نشر الأخبار والتحقيقات العلمية ، ولكن الأجدر بنا عند النشر أن يكون لأصل الخبر الذي نستقيه من مصادره المختلفة تأكيدات من جهات علمية مختلفة ومراكز أبحاث تابعة للدولة لكي تتحمل تبعات الخبر ، فالكثير ممن وقعوا في مغبة الشائعات إنما جرى لهم ذلك بسبب عدم التواصل مع الهيئات والمراكز العلمية والبحثية ، ويحضرني هنا مثالان على ذلك سأذكرهما لأجل الاعتبار
الأول : قبل أربعة أشهر تقريباً تنبأ أحد الدجالين ممن يصف نفسه زوراً وبهتاناً بأنه ( باحث فلكي ؟ ) بزلازل قوية ستضرب المكلا وتعز ومنطقة الجوف ، مما أثار الرعب والذعر في نفوس الناس ، حتى أن بعض أهالي الجوف خرجوا إلى العراء ، وكان الأحرى هنا بأبناء الجوف أن يتواصلوا قبل ذلك مع المسئولين بمركز رصد الزلازل في ذمار ليستوثقوا من صحة الخبر ، والذي تبين فيما بعد أنه عاري من الصحة تماماً ، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا : هو ما دخل هذا الفلكي - إن كان حقاً فلكياً - بمسائل الزلازل والبراكين وهي مسائل لا ناقة للفلكين فيها ولا جمل ، ولا تندرج أصلاً ضمن اهتماماتهم العلمية ، ورغم ذلك فإننا نحمد الله عز وجل على أن مضى أكثر من شهرين على المدة التي حددها هذا الدجال ولم يحدث الله فيها شيئاً في المناطق المذكورة آنفاً ، وندعوه عز وجل أن يحفظنا ويحفظ البلاد من الكوارث والنكبات
الثاني : قبل أسبوعين أعلن الدكتور الكويتي صالح العجيري أن أعلى مد بحري في سواحل الخليج سيبلغ ثلاثة أمتار ، فقام أحدهم ( وربما هو فاعل خير طبعاً ) بتحويل هذا القياس من نظام الأمتار إلى نظام الأقدام المعهودة عندنا بحضرموت ، فوجدها تعادل عشرة أقدام ، ولكن الخبر للأسف وصل إلى آذان السامعين بحضرموت على أن البحر سيرتفع إلى عشرة أمتار وليس عشرة أقدام ، وهكذا هي الحقيقة دائماً لا تصل إلينا إلا وهي مشوهة أو ملطخة ، فلم يجرؤ الصيادون على ارتياد البحر لعدة أيام حتى بلغ ثمن سمك الثمد إلى 900 ريال للكيلو الواحد لقلة العرض وكثرة الطلب بعد أن كان ثمنه لا يتجاوز 400 ريال ، ولو أن الصيادين سألوا القائمين على مركز أبحاث علوم البحار التابع لوزارة الثروة السمكية بالمكلا أو عدن لوجدوا أن أعلى مد بحري في سواحل حضرموت كانت مترين فقط أو أقل .
Jaidysalem@yahoo.com