عدن نيوز - صحيفة الوسط اليمنيه - 30-8-2006
السؤال المهم: إصلاح مسار الوحدة أم إصلاح
النظام السياسي؟!..

علي هيثم الغريب
الخميس 24 أغسطس 2006
تحدث الدكتور محمد عبدالملك المتوكل في منتدى «الأيام»
المدني يوماً مردداً التأثير المثبط للسؤال المهم: اصلاح
الوحدة ام اصلاح النظام السياسي؟
واتضح أن المتوكل يتنازل احياناً- شأنه شأن الوطنيين
الصادقيين - عن بعض آرائه حرصاً على وحدة الناس وبالتالي
على وحدة اليمن ويوحي تفكير المتوكل بأن المواطن يمكن أن
يتحدث عن اصلاح النظام السياسي دون أن ينسب أيا من مضامين
الاصلاح إلى الوحدة كما لو أن النظام والوحدة يعملان كلاً
منفصلاً على الآخر ولا تبدو افكار الدكتور المتوكل بعيدة
عن كلمات قالها الاستاذ عبد الوهاب الآنسي في نفس المنتدى
«منتدى الأيام» قبل ثلاثة أشهر «اصلاح النظام السياسي على
ضوء مبادرة المشترك» وهذا السؤال يرتفع داخل كل حزب في
اليمن سواءً كان في السلطة أو في المعارضة.ويعتقد البعض أن
«اصلاح مسار الوحدة» هو نقيض «اصلاح النظام السياسي» وحتى
في صفوف الحزب الاشتراكي أصبحت مسألة «اصلاح مسار الوحدة»
وتناقضها - حسب رأي البعض-مع «اصلاح النظام السياسي» مسألة
ملحة.. وفاعلة، بل وتوشك ان تقسم الحزب ذاته لولا موقف
المثقف الوطني الأمين العام الدكتور ياسين سعيد نعمان وقبل
أن نجيب - من وجهة نظرنا - على هذا السؤال نقول: يجب على
كل يمني أن يعلم أننا لا نطلب لليمن إلا الوحدة ونطلب لها
الوحدة بأعلى أصواتنا وعلى مسمع من أمم العالم كلها.. ولكن
حبنا العظيم للوحدة لا يعني نسيان محافظات الجنوب ومصالح
وحقوق الناس فيها..
وهنا نسأل أصحاب إصلاح النظام السياسي ونقول إن اليمن كانت
تعاني كثيراً من التمزق قبل اعلان الوحدة،فمن الذي هز
وجدان الشعب اليمني الوحدة أم النظامان الشموليان اللذان
دمجا الشمال والجنوب؟!.. وهل توجد علاقة بين الوحدة
والنظام السياسي أم لا؟! ومن أجل ذلك كانت اجابات أبناء
محافظة الجنوب منطلقة من أن مبدأ الوحدة نفسه لا يرتكز لا
على النظام السياسي الذي لم يشر إلى شكله على الاطلاق في
اتفاقيات اعلان الوحدة، ولا على رضى النظامين في الشطرين،
فقد كانت رسالتهم وحدوية قبل كل شيء..
وظلت بعيدة عن أي شكل من اشكال النظام السياسي وعن أي
اصلاح إلا اصلاحها..وإذا افترضنا مجازاً أن اصلاح مسار
الوحدة لن يتأتى إلا من خلال اصلاح النظام السياسي .. إذن
ما هو مشروع اصلاح النظام السياسي الذي من خلاله تصلح
الوحدة؟! ولقد قيل عن موضوع الوحدات العربية السابقة (
العراق والاردن.. سوريا ومصر..والمغرب والصحراء) الشيء
الكثير ولعل أكثره صحة هو أن تلك الوحدات مع الأسف لم تكن
أكثر من لعب سياسية تستهدف استفزاز المشاعر الوحدوية
الصادقة وحرفها عن مسارات بناء الوحدات الاساسية
والحقيقية،حيث بدأت تلك الشعوب تستهلك قواها في صراعات
داخلية وكلها من اجل الوحدة ولو لا الزعيم جمال عبد الناصر
لا ثيرت لدى الأغلبية المصرية ردة فعل متطرف ضد الأقلية
السورية يرتد بمصر إلى مواقف التعصب، ويرتد بالأحزب
الوطنية والقومية في مصر وسوريا إلى احزاب متعصبة ومناطقية
ولتوترات مشاعر الكثيرين ولضخمت الآراء بصورة مبالغ فيها
فلا التجربة الديمقراطية كانت موجودة داخل كل قطر ولا
الواقع الموضوعي ولا الأنظمة غير الشمولية، لا شيء من ذلك
كله كان يشير مجرد الإشارة لأي احتمال لنجاح تلك الوحدات
الاندماجية.. ولعله من الضروري الاشارة هنا الى أن غالبية
تلك الوحدات كانت بعيدة تماماً عن مصالح وحقوق اطراف الحق
بالوحدة وانما ارتبطت اساساً بجماعات تريد الحكم على أكبر
مساحة ممكنة ولا اقصد بقولي هذا إن الوحدة اليمنية سيكون
مصيرها نفس مصير تلك الوحدات الاندماجية اطلاقاً، فاليمن
ستظل موحدة بإذن الله إلى يوم الدين،فقط ننصح البعض الذي
يتخذ من الوحدة وليس من النظام ذريعة لنهب وسلب حقوق
واملاك ابناء محافظات الجنوب،لأن هذه الافعال توسع الهوة
وتخلق مناخاً يعمق الخلاف وهكذا تختلط - ربما عن عمد او
غيره - فكرة اصلاح الوحدة باصلاح النظام السياسي كسبيل
للهجوم على دعاة اصلاح مسار الوحدة من منطلق غير صحيح وغير
صحي.. فهو هجوم لا ينبعث عن فهم واضح لمعنى السلطة
والمعارضة - هي مجرد «توسع في مساحة الأرض» و«سلطات فوقية»
وهكذا فهمت فكرة «اصلاح مسار الوحدة» على وجهين واستهدفت
كسلاح لالغاء حقوق ابناء محافظات الجنوب ولكنها حقيقة
اصبحت رؤية وحدوية صادقة وفاعلة في تكوين المناخ الداخلي
العام لبناء دولة للوحدة يختلف عن مفهومها الحالي.
إن الجواب على رافضي اصلاح مسار الوحدة هو المزيد من
الاصلاحات الوحدوية ومن حق المواطن في المحافظات الجنوبية
أن يسأل بعد 16 سنة من اعلان الوحدة عن جردة حساب حول «وقف
السلب والنهب» وعن حقوقه والحفاظ على الوحدة"فماذا يلقى؟
الإلغاء المستمر للإنسان ودور المتنفذين الذين لا تستطيع
سلطات الدولة ايقافهم وعدم افساح المجال امام الوطنيين
الشرفاء القادرين على معالجة الأمور.
ومن هنا فإنه لا يمكن إصلاح النظام السياسي بدون إصلاح
الوحدة والعكس صحيح وإن توزيع الكفاءات من ابناء محافظات
الجنوب بين المقاعد الحكومية والنيابية لا يقدم ولا يؤخر
شيئاً في الجواب عن هذا السؤال المصيري ولا هو يقدم أو
يؤخر كثيراً في الحقوق السياسية والاقتصادية للأكثرية
الساحقة من اليمنيين والكل يعلم كيف قدرنا التعددية الحزبي
والاعلامية والسياسية التي كانت سائدة قبل حرب 94م.
ولكن هذه التعددية بعد الحرب إما أن تكون بيئة لتجدد
الانقسام واما ان تصلح الوحدة وتصير سبيلا لاصلاح النظام
السياسي والفيصل هنا هو اصلاح مسار الوحدة ديمقراطياً
وسلمياً، أي تحقيق المساواة القانونية الفعلية لليمنيين
والغاء القبلية السياسية والادارية، واعادة كل ما نهب من
محافظات الجنوب لابنائه والاعتراف بهم وبحقوقهم وتحريرهم
من اسار المتنفذين الذين يمعنون فيهم سلباً ونهباً
والغاءً.
هذا هو مفهمومنا لاصلاح مسار الوحدة واصلاح النظام السياسي
والذي تتبناه الاحزاب قولا وترفضه فعلا وهذه بداية طيبة.
والاحزاب -خاصة الحزب الاشتراكي- التي يفترض فيها اصلاح
مسار الوحدة تتحول إلى مرآة ينعكس تعطيلها عليها والنظام
السياسي مأزوم بسبب حرب 94م التي عطلت الوحدة ولا يمنع ان
تدعو الأحزاب إلى اصلاح النظام السياسي وأن تمتلك برنامجاً
لذلك ولكن المشكلة ليست في البرنامج ولكنها في القوى التي
تتبنى الوحدة وفي ممارستها، وبرنامج المعارضة سيبقى إلى ما
بعد النظام السياسي بعيداً عن اصلاح مسار الوحدة.. وبما أن
النظام السياسي يرفض الاصلاح إلا عبر مؤسسات «شرعية»..
وهذا رد فعل طبيعي ومشروع على برنامج احزاب المعارضة.
فالخوف أن تتعرض الوحدة إلى مزيد من التفتيت.. تتشاطر
احزاب المشرك فترضى بدخل الانتخابات لأنها لن تحصل على شيء
من النظام السياسي، وتتشاطر السلطة على اللعبة الانتخابية
«المحبوكة» لأنها لن تحصل على «الشرعية الدولية» إلا من
خلالها، لذلك فهما باتا تفضلان الاصلاح الذي لن يصلح
الوحدة.. وأكثر من هذا ان التسليم بنتائج حرب 94م عدوى
انتقلت إلى احزاب المعارضة وإلى كثير من المثقفين مع
الابقاء على شعرة معاوية مع الآراء والتيارات التي تطالب
باصلاح مسار الوحدة وتتوسع داخل كل الأحزاب الوطنية سواءً
كانت في السلطة أو المعارضة.
هذا يعني أن الوحدة التي نسعى إلى اصلاح مسارها لا يمكن
اختزالها في الجمع بين احزاب مؤتلفة لا تحتاج إلا لاصلاح
النظام السياسي، بل ان المنطق هو كون الوحدة اليمنية مشروع
عمل طويل وشاق وصادق لتجاوز عراقيل داخلية مرتبطة
بالخصوصيات البنيوية والسياسية وعراقيل خارجية تتعلق
بتناقضات اقليمية ودولية وموازين قواها.
ان استحضار هذه الأمور عند التعاطي مع اشكاليات عملية بناء
الوحدة، من شأنه أن يساعد على إنارة الطريق امام مسار
الوحدة وان بقى من تكوين ثقافة إلغاء الآخر بالقوة أو
الشعور بالضيم والظلم.
وهذه الاشكاليات الوجيهة غير مستعصية عن إرادة الشعب
اليمني وقواه الحزبية والسياسية إن هي امتلكت وعيا متبصرا
لمصالح الوحدة الآنية والمستقبلية وحتى لا تطرح الوحدة
وكأنها تعويض لنواقص بعض الأحزاب والجماعات والأفراد
وعيوبهم المعروفة، بل أن البعض رأوا في اصلاح النظام
السياسي بديلاً للوحدة.. منطلقين من شعارات صحيحة ومقبولة
في نظر من آمنوا بتوحيد الوطن الواحد (اليمن) متجاوزين
الواقع الموضوعي والمصاعب التي تحول في الواقع دون تحقيق
الضم والإلغاء.. وإن هذه الشعارات المبتورة تفقد
-لافتقارها إلى أي بعد عملي - طابعها الوحدوي، لتحمل عوضاً
عنه طابعاً وعظياً وقومياً ما لبث في حرب 94م أن صار حجر
عثرة في طريق بناء الوحدة.. واكتشف أبناء محافظات الجنوب
أن الوحدة في العلم والنشيد الوطني تختلف عنها في التطبيق،
وأنه لابد من وضعها على المسار الصحيح بعد استلاب احد
اطراف الحق الرئيسي في الوحدة وهو الجنوب، أي الشرط
الضروري الذي تتحقق به وحدة الوحدة بعد ان فشلت الوحدة
السياسية بين الحزبين اللذين أعلنا الوحدة واصبح لا رجاء
لتقاربهما في الوقت المنظور.. لذا فإن الاختلافات الحقيقية
بين دعاة اصلاح مسار الوحدة وبين اصلاح النظام السياسي لا
ترجع إلى خلافات حول «من يحكم» ولا تمزقات فكرية أو نظرية
بل اختيار الشكل الإداري والتشريعي للوحدة نفسها..
ولم تغادر الذاكرة بعد تلك البدايات بعد حرب 94م عندما
انطلق تيار اصلاح مسار الوحدة في مناخات الماضي والاخفاق
ببناء الوحدة والهزيمة المعروفة ليبدو بعد ذلك محاصراً
بغربة سياسية وحزبية خانقة غربة العلاقة بالاشتراكي وعداوة
العلاقة بالسلطة وكانت آراؤه في تلك المرحلة في أحيان
كثيرة تواجه ببعض ردات فعل داخل الاشتراكي مدفوعة ومعبأة
ربما تصل إلى حدود الرفض لكل ما يقدمه التيار حول معاناة
أبناء محافظات الجنوب بل والاستنكار السياسي والمطالبة
بمحاسبة قادة التيار وتبع ذلك الموقف موقف أحزاب التنسيق
الذي كان يتراوح دوماً بين الرفض والاعتراض والتشكيك أما
خطاب السلطة وموقفها فكانا يتراوحان بين التخوين والانفصال
والارتياب.
وفي الحقيقة ثمة توجهات لابد من ذكرها سلكها تيار اصلاح
مسار الوحدة في ممارسته الوحدوية ومواقفه، ومثلت من
الناحية السياسية المفاهيم التي واجه بها اشكالات «الوحدة
ما بعد الحرب» وتعقيداته، وشكل من الناحية العملية إطاراً
سياسياً- اجتماعياً لنشاطه السلمي أو عوامل لازمة لنجاحه
نحددها بما يلي:
1) في السلام الاجتماعي والتصالح حرص تيار اصلاح مسار
الوحدة حرصاً صادقاً على السير في علاقة سلام أهلي ووطني،
واستبعاد منطق الصراعات المذهبية أو المناطقية وعندما فرض
على تيار اصلاح مسار الوحدة أن يكون له موقفه الخاص من
احزاب اللقاء المشترك بفعل مواقفها القاهرة أدى ذلك إلى
تعطيل فاعلية المشترك في محافظات الجنوب.. إذا استبعدنا من
ذلك «موسم الانتخابات» الذي يشكل بالنسبة لأبناء محافظات
الجنوب نموذجاً تطبيقياً في إظهار الرافضين لواقع ما بعد
الحرب، ودرساً نحتاج إليه لفهم «الاقتراع» للحؤول دون
تفاقم الاختلافات خارج إطار اللعبة الهامشية للديمقراطية
ولكي نحول تيار اصلاح مسار الوحدة إلى خيار مجتمعي بعيداً
عن التجاذب غير المنطقي الذي تعيشه محافظات الشمال لاصلاح
النظام السياسي بعيداً عن اصلاح الوحدة وان معادلة السلام
الاجتماعي بدت شرطاً وحدوياً لازماً لنجاح مشروع اصلاح
مسار الوحدة وفتح الآفاق المجتمعية امامه (حرية القول
والاختلاف والانتخاب واحترام الرأي الآخر) بدل انحصار
التيار في الاطار الحزبي البحتي.. وهكذا دفع تيار اصلاح
مسار الوحدة إلى خارج برنامج المشترك في عملية وحدوية
وسياسية قامت على تنقية المضمون الوحدوي لمشروع اصلاح مسار
الوحدة من خلال تأكيد وظيفته الاصلاحية الخالصة للوحدة أي
ان التيار تجنب كل صدام؟ بشأن السلطة التي تشكل اليوم
الموضوع الانقسامي بين المشترك والحزب الحاكم بامتياز وقد
جرى التعبير عن ذلك عبر رفض توظيف «ديمقراطية الأغلبية
والأقلية» في سياق مكتسبات السلطة والمعارضة وهكذا سينجو
تيار اصلاح مسار الوحدة من قنوات الاختلافات بين المشترك
والحزب الحاكم اللذين رفضا تبني مشروع اصلاح مسار الوحدة
ليشكل التيار تجربة متميزة هي اقلية متنورة تقود مشروعاً
وحدوياً في مجتمع قبلي - عسكري تتأسس بناه في الأصل على
القوة.
2) في مسألة الوحدة يتسم موضوع الوحدة الذي ينوي التيار
وضعه على المسار الصحيح مثل قاطرة تجر عشرات العربات بطابع
اشكالي عميق فالوحدة اليمنية عانت على مر التاريخ جراء
اختلاف في تطبيقها وليس في مفهومها غالباً ما كان يأخذ
منحى صراعياً مؤسفاً، وحيث أن الوحدة هي مسألة وعي قبل أي
شيء آخر فقد استقر هذا الصراع في بنية الوعي اليمني واصبح
في فترة من فترات التاريخ بشكل متوالية انقسامية تصاعدية
لا تنتهي ومن البديهي أن تحفل كل شريحة اجتماعية باتجاهات
ومصالح وحقوق شتى لكن أن تنقل الحقوق الأساسية إلى اطارها
غير الوحدوي أو ان تستخدم الوحدة لتغييب تلك الحقوق دون أن
توفر فرصة عقلانية للتصالح بشأن القضايا الجوهرية فإن في
ذلك اتجاها يعيد للأفكار الشطرية المأزومة انتاج نفسها
بنفسها والسؤال هو: كيف واجه تيار اصلاح مسار الوحدة
-والذي ما يزال حتى هذه اللحظة يمثل ابناء محافظات الجنوب-
بما هو تيار وحدوي ديمقراطي هذا المأزق الانقسامي بين
المشترك و الحزب الحاكم لاصلاح النظام السياسي بعيداً عن
اصلاح مسار الوحدة؟! في الواقع إن خطاب تيار اصلاح مسار
الوحدة تدرج في مسار نشاطه وخاض عملية انضاج دؤوبه داخل
الحزب الاشتراكي اليمني ثم داخل المجتمع وبقي اميناً
لأصوله الفكرية والسياسية ومتشبثاً بقضايا أبناء محافظات
الجنوب، واستوعب التعقيدات والمستجدات التي كانت تواجهه
باستمرار بحكم الظروف الصعبة التي كان يعيشها الاشتراكي
ونمو ظاهرة هوة الرفض لما تتعرض له محافظات الجنوب وبطء
التغلب على الماضي القاسي وتفاقم مهمة اقناع الاشتراكي
أولا باصلاح مسار الوحدة واتساع حجم المسؤولية عندما اصبح
اصلاح مسار الوحدة مطلباً جماهيرياً في محافظات الجنوب
وتتسع رقعته في المحافظات الشمالية بحيث صار أكثر انفتاحاً
وأقدر على التواصل وبات أكثر اعتناء بالتنويعات السياسية
التي يحفل بها المجتمع اليمني وهو اليوم يمتلك كوكبة من
رجال الفكر والعلم والسياسة تحفل بهم المعارضة في محافظات
الجنوب، وبات مفهوم اصلاح مسار الوحدة حاضراً ومتكرراً في
خطاب أحزاب اللقاء المشترك والشخصيات الاجتماعية والسياسية
في اليمن، ولم تعد تجدي الاتهامات الموجهة له والمترادفة
مع معنى الانفصال والخيانة وغيرها.. كون انتماءنا للوحدة
هو انتماءً طبيعي لا ايديولوجي ولا من اجل الفيد والسلب
والنهب وتقسيم الأرض والثروة بين شلة من المتنفذين الذي
تتعارض أفعالهم مع الوحدة بين الشمال والجنوب ومن هنا
تكرست وحدوية خطاب تيار اصلاح مسار الوحدة على إزالة آثار
حرب 94م وشراكة الجنوب وليس الحزب الاشتراكي بالدولة وليس
بالنظام السياسي والتواصل مع كل من يعز عليه الوطن،
لتتلاشى مناخات التوتر والانقسامات الداخلية الحادة شيئاً
فشيئاً باستيعاب حقوق الناس لا بالقمع وقد كان التطور
ورسوخ امتداد تيار الوحدة في محافظات الجنوب، أن يعكس تآلف
الطرح مع المعاناة، ويترجم تلك المطالب النظرية والعملية
بين الابعاد الحقوقية والوحدوية والديمقراطية.. إذاً تعكس
تجربة تيار اصلاح مسار الوحدة، من جهة سؤال اصلاح الوحدة
منحى شديد الخصوبة يستبدل الانقسامات بالوحدة والحروب
بالتكامل والسلام الاجتماعي وينطوي على فكر الالتئام بدل
فكر الانقسام.
لقد تمكن تيار اصلاح مسار الوحدة في واقع هذه المعطيات من
أن يجذب إلى قضيته التأييد له من قبل كل المتضررين من حرب
94م والمتطلعين إلى بناء وحدة تحوز على احترام وتقدير
المجتمع اليمني والمجتمع الدولي.
وهكذا فإن اتجذاب فروع الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني في
المحافظات مع اطروحات التيار أظهر أن وجود طليعة حيه تحمل
على عاتقها القضية الوحدوية، وتتشبث بمهمة اصلاح الوحدة،
سيفضي حتماً إلى تحول سياسي اجتماعي وإلى اصطفاف المجتمع
المدني على قاعدة بناء وحدة قابلة للاستمرار،هكذا يتبين
لنا أن وجود التيار بين اوساط الناس كمعبر عن مطالبهم
ومعاناتهم من شأنه أن يبقى قضية ازالة آثار حرب 94م حاضرة
ومستعصية على الالغاء.. فاللجان الشعبية واللجنة التضامنية
واجتماعات التصالح والتسامح تحوز على التعاطف بل والتبني
من قبل الأغلبية وهذا بدوره سيؤسس حالة جديدة تسمح بتحويل
الخيار الحزبي (من داخل الحزب الاشتراكي) إلى خيار وحدوي
حقيقي عام وهنا ستولد معادلة جديدة تطرح على أحزاب اللقاء
المشترك واقعاً يتسم بالإحراج والتحدي، وعلى السلطة اسئلة
لابد لها من اجابات في إطار الوحدة والديمقراطية لاخارجهما
وفي حالة الحزب الاشتراكي تأرجحت العلاقة الداخلية في مسار
اضطراب لم يخل من التباين الواضح في الآراء المطروحة:
اصلاح مسار الوحدة أم اصلاح النظام السياسي؟! إلا أن
الأمور استقرت على قاعدة الحوار الداخلي المطروح من قبل
الاستاذ الأمين العام.
أما في محافظات الجنوب فيعتبر تيار اصلاح مسار الوحدة قوة
حية مسالمة وصادقة واصبح المجتمع هناك حاضناً ومؤيداً له
كما هو حاضن ومؤيد للوحدة والديمقراطية.
إن الدمج بين دلالات هذه الآراء: اصلاح مسار الوحدة ام
اصلاح النظام السياسي دور احزاب اللقاء المشترك في ازالة
آثار حرب 94م، دور الحزب الاشتراكي في تبني مطالب أبناء
المحافظات الجنوبية وتحويل اصلاح الوحدة إلى عنوان صادق
ومكثف لكل القوى اليمنية الحية يسمح بنشوء الرؤية الوطنية
العامة لاصلاح النظام السياسي.
ويبدو من الناحية السياسية أن رؤية اصلاح مسار الوحدة توفق
بين اتجاهين مختلفين ولكنهما يرتبطان بالتوازن المطلوب في
اصلاح مسار الوحدة واصلاح النظام السياسي في بعديهما
الوطني والوحدوي.
وهذان الاتجاهات يقومان على الاعتراف بخصوصية المسألة
الجنوبية، وهي خصوصية حقوقية، وعلى عمومية المسألة، وهي
كيفية اصلاح الوحدة من قبل الجميع دون استثناء وفي أي حال،
انه لا يمكن اصلاح النظام السياسي دون اصلاح مسار الوحدة
والعكس صحيح، والتيار يرسم للمعارضة السلمية الصادقة
والمتشبثة بالوحدة وظيفتين استراتيجيتين.. وظيفة اصلاح
الوحدة ووظيفة اصلاح النظام السياسي وحتى الآن لم تتحقق لا
الوظيفة الأولى ولا الثانية؟! ويبقى السؤال سؤال المرحلة
المقبلة.