عدن نيوز - وجهات نظر - 14-8-2006

نهايات طرق العربي التائه 2001


هذه فصولٌ مما كتبت سنة 2001، وهى سنة طلع على
الدنيا فيها قرن جديد، ومن المفارقات أن البداية
فيما كتبت كانت حديثا عن مؤتمر القمة العربى فى عمان
ـ مارس 2000، وكان عنوانه: «نهايات طرق». ثم إن هذه
الفصول ـ اليوم على شكل كتاب ـ تصل إلى قارئها،
والأمة تتطلع إلى مؤتمر قمة عربى فى بيروت ـ مارس
2002. والظاهر ولسوء الحظ أن الطرق تبدو عند
نهاياتها وكأنها وصلت إلى تيه لا يظهر عليه أفق.
ومع بداية هذا القرن الجديد ـ القرن الحادى والعشرين
ـ فإنه يبدو أن «العربى» أصبح هو «التائه» ـ وهو صدى
بالمقلوب لتعبير شاع قبل ذلك قرونا عن «اليهودى
التائه».
وفى قرن سبق ـ وهو القرن العشرون ـ فإن ذلك «اليهودى
التائه» وجد لنفسه مكانا حَط فيه رحله، وحَصَّن
موقعه ـ وفى نفس الوقت فإن «العربى» اختلطت عليه
الأمور، وبدا وكأنه ضيَّع عالمه وفيه تراثه
ومستقبله، ثم إنه ارتحل بحاضره تائها بين الحقيقة
والوهم، وبين الرؤية والسراب، وبين الحلم والعجز.
وهكذا بدأ القرن الحادى والعشرون واليهودى الذى كان
«تائها» متحصنا فى المشروع الصهيونى على أرض فلسطين،
فى حين أن العربى الذى كان راسخا فى الطبيعة
والتاريخ أصبح هو الشارد فى التيه: قد يعرف من أين؟
ـ لكنه لا يعرف إلى أين؟!
وكان ذلك هاجسى وأنا أعيد قراءة هذه الفصول حتى تظهر
بين دفتى كتاب.
ورجائى ودعائى ألا أكون قد أسرفت فى القلق على
الحاضر وأهله، وعلى المستقبل وأصحابه، ثم يكون
الهلال قد أصبح بدرا فى كماله أمام الناس، فى حين
عطلتنى الوساوس أمام الوجه الآخر ـ المظلم ـ للقمر!
محمد حسنين هيكل
***

بدأ القرن الحادى والعشرون واليهودى الذى كان
«تائها» متحصنا فى المشروع الصهيونى على أرض
فلسطين، فى حين أن العربى الذى كان راسخا فى
الطبيعة والتاريخ أصبح هو الشارد فى التيه: قد
يعرف من أين؟ ـ لكنه لا يعرف إلى أين؟!

وَقفة مع الصديق الأمريكى
1 ـ زيـارات الربــيـع إلـى واشــنطن !
مع بَشائِر الربيع يبـدأ موسِم السَفَـر العربـى إلى
واشنطن، والسَفَـر على مُستوى القِمَـم العربيـة ـ
أو بعضها ـ غايته الحِوار والتشاور مع «الصديق
الأمريكى» ـ وذلك تقليدٌ مُستَحدَث جاءت به
مُتَغَيِّرات أساسية فى السياسة العربية بَدأت منذ
سنة 1975، ومازال ذلك التقليد مُستَمِراً، مَرعِياً،
مُحافَظاً عليه وزيادة، بدليل أن عُروضه فى العاصمة
الأمريكية تَـزداد تَنَوُّعاً كل موسِـم،
وتَتَوَسَّع مَظاهِرها كل زيـارة.
الموسِـم هذه المرة له أهميـة يَختَلِف بها عن أى
موسِـم سبـق، لأنه يجـىء بعد سِلسِلة من الوقائع
بَدَّلَـت المشهَـد فى الشرق الأوسـط، وغَيَّرَت
أجواءه، وفاجأته بما لم يكن يَتَوَقَّع
(1) أولى المفاجآت (قبل موسِم زيارات الربيع إلى
واشنطن) ـ هى نتيجة انتخابات أمريكية للرئاسة خـرج
بها «بيـل كلينتون» من البيت الأبيـض، ولم يجــئ
بعـده «نائبـــه آل جـور» كما كانت مُعظم العواصِم
العربيـة تَتَوَقَّع ـ إلى ما قبل أسبوعين على
الأكثر من يوم الاقتراع. وكان ظـن مُعظم العواصِم
العربيـة أن «آل جـور» ـ ! ـ عندما يجـىء سوف
يُكْمِـل «المسيرة» من حيث تَرَكها «بيل كلينتون»،
وهو فى اعتبار عَدَدٍ من الملوك والرؤساء العَرَب
أول رئيس أمريكى قضـى «كل هذا الوقت» مع «قضايانا
الكبرى» وخصوصاً فلسطـين، وكان رهان هذا العَدَد من
الملوك والرؤساء العَـرَب عالياً على «كلينتون»، وقد
تَمَـنَّى بعضهم ـ أو ألَحَّ ـ على السُّلطة
الفلسطينية أن تَنتَهِز فرصـة وجوده فى البيت
الأبيـض وتَقبَل ـ ولو فى الدقيقة الأخيرة من إدارته
ـ حِزمَـة المقتَرَحات التى طرَحَها للقفز فوق
السدود الأكثر وُعورة فى القضيـة الفلسطينية
(القـدس، واللاجئين، وحدود الدولة، وخريطة
الاستيطان). وعندما بَـدا أن السُّلطة الفلسطينية
مُتَرَدِّدة زادَت الغوايات والضغوط ـ تُحَرِّض على
«قفـزة جريئة» تقـوم بها السُّلطة الفلسطينية
بحجَّـة أن وجود «كلينتون» فى البيت الأبيـض فُرصة
لا تَتَكَرَّر، ولأن «المعتَدِلين العـرب» اعتمادا
على ذلك سوف يُساعدون، وإذا لم يكن فى مَقدورهم
قبـول شـىء نيابـة عن السُّلطة الفلسطينية، فإنهم
يَتَعَهَّدون ـ عندما تَقَـع «القفـزة الجريئـة» ـ
بتَوفـير «شَبَكـة أمـان» تَتَلقَّفها فى الهـواء
قبل أن تَرتَطِم بالأرض !
لكن الوقـت نَفَـد قبل أن تَقتَنِع السُّلطة
بـ«القفزة الجريئة». فهى من الأصل لم تَـرَ الحوض
الذى كان عليها أن تَقفِـز إليه، وعندما دَقَّقَت
النظـر وَجَدَت قـاع الحوض فارغاً بلا مـاء يَكفيها
لتَغطَس فيه وتَقِـب ـ وهى فى الغالب لم تَشعُر أنها
مُستَعِدَّة لكسـر رأسها على بـلاط حـوض فارغ ! ـ
وهى على الأرجَح لم تكن مُتَأكِّدة أن هناك «شَبَكـة
أمـان» جاهِزة ـ وحتى إذا كانت جاهِزة فإن كفاءتها
بـدَت مَوضِع شـك من اتساع الخروق. ولم تَفقِـد
العواصِم العربية ـ أو بعضها ـ ثقتها فى صِحَّة
رهانها بمَنطِق أن «جـور» استمرار لـ«كلينتون» ـ
فهما إدارة واحدة رغم اختلاف الطبائع والأمزجـة.
وعندما نَجَـحَ «جورج بـوش» الابن ـ فإن العواصِم
العربيـة تَرَكَت رهانها فى الساحة ولم تَسحَبه، ذلك
أنه إذا كان المنتَظَر من «جـور» أن يُواصِل سياسة
«كلينتون» ـ فإن المؤَكَّد أن «بـوش» الجديد هو ابن
«بـوش» القديم ـ «عَرَفناه صَديقاً»، و«تَعامَلنا
معه وتَعامَل معنا»، و«أحببناه وأحَبَّنا» ـ
وبالتأكيد فإن الابن مُلتَزمٌ بتَوَجُّهات الأب،
أكثر من التزام أى خَلَـف سياسـى بسَلَـفٍ له
سَبَقَه فى منصِبه (أى «جـور» بعد «كلينتون»، وقد
أصبحا عَدُوَّين لَدودَين بعد أن كانا صَديقَين
حَميمَين ـ وإذن فإن المقادير التى أسقَطَـت «جـور»
كانت كَريمة مع العَـرَب حين جـاءت لهم بـ«جورج
بـوش» !)
(2) وكانت المفاجأة الثانية (قبل موسِم زيارات
الربيع إلى واشنطن) هى نتيجة انتخابات رئاسة الوزارة
فى إسرائيل، وكانت تلـك عملية تابَعَتها العَواصِم
العربيـة ـ كلها ـ دون أن يَبـين فى رَدِّ فِعلِها
إشـارة تَـدُلُّ على قَـدر كـافٍ من الفَهـم
لمعناهـا !
كان التَصَوُّر الشائع ـ فى العواصِم العربية ـ أن
«باراك» دَعـا إلى انتخابات رئاسة الوزارة كجنرال
أجـرى تَقديراً إستراتيجياً لموقفه، وحَسَب الحِساب
دقيقاً لاحتمالاته، وهَدَفه من الدَعوة لانتخابات
قبل أوانها أن يُدَعِّـم مركزه ويُحاصِر الأحزاب (أو
الطوائف ؟!) التى تَزدَحِم بها الكنيست، ويَحصُل على
تَفويض واسع وكامل لإنقـاذ «مَسيرة السـلام» (على
طريقته) ـ وهذا التفويض يَجعَل منه فى الشكل وفى
الفِعـل ـ «نابليون إسرائيلى» مُكَلَّفًا بإنقـاذ
الدولة من أعدائها ومن نفسها أيضاً !
وكما حَـدَث فى حالة «كلينتون» و«بـوش» ـ حَـدَث فى
حالة «باراك» و«شارون» ـ فقد ظلَّـت العواصِم
العربيـة ـ كلها تقريباً ـ وإلى ما قبل أسبوعين
اثنين من يوم الاقتراع ـ تَظُـن أن القادِم إليها
«بـاراك» وليس «شـارون».
وبَدَأت الصَدَمات تَجـىء ليلة ظهور نتائـج
الانتخابات الإسرائيلية، فقد سَقَـطَ «باراك» ـ
ونَجَـحَ «شارون» ـ وكان نجاحه بأغلبية لم يَسبق لها
مثيل فى انتخابات سَبَقَـت (على مُستوى الكنيست أو
على مُستوى رئاسة الوزارة) ـ أى أنه تَفويض واسِـع
من الناخب الإسرائيلى للسياسة الإسرائيلية الأخطَـر
فى تَشَـدُّد مواقفها، والأعنَـف فى إدارة هذه
المواقِـف !
أضيـف إلى ذلك أمام عَواصِـم عربيـة مأخوذة
بالصَدَمات أن «الأصدقاء» ـ ! ـ فى حِـزب العَمَـل
(المعتَبَر فى تقدير هذه العواصِم «حِزب السـلام»)
تَمَـزَّق وخَـرَج منه جيـل الشباب ـ ! ـ الذى كان
عليه المعَـوَّل (!) مُهاجراً أو مَنفياً، ناقِماً
فى الحالتين، وشديد الإحساس بالإهانة إلى دَرَجَة أن
واحِداً من شباب هذا الجيـل («حاييم رامون» ـ 55
سنة!) ـ قـال لـ «باراك» فى اجتماع لمركـز الحِـزب:
«إن كل ما فَعَلته طول رئاستك للوزارة هو أنك وَقَفت
فى مكانٍ أعلى من الحِزب ثم..... (وَصفُ فِعـل
تَصعُـب كتابته على الوَرَق) ـ وقُلـت لنا : هذا هو
المطَـر فازرعوا واحصُدوا واشكروا «الـرب» الذى
أفـاضَ عليكم نِعَمَـه!»
وبرغــم هــذه الصَدَمات كانت العواصِــم العربيـــة
(أو بعضهــا) تَرفُـــض تَصديق ما تراه، وتَبحَث
لنفسها عن ذرائع للطمأنينة، وقد عَـثرَت عليها،
وأولها «أن مجـىء شارون سوف يُثبت للإدارة الأمريكية
عجـز إسرائيل عن مسـيرة السـلام، وبالتالى فهى
الطـرَف الذى يَقَـع اللـوم عليه وليس العـرب،
«وكذلك فإن الأصدقاء القدامـى ـ العائدين من جديد ـ
أوْلـى بالفهـم ـ وسوف يُقَـدِّرون» ! ـ وأقـدَر على
«الضغـط» ـ وسوف «يَضغطـون» ـ بالطبع على إسرائيل !»

(3) وكانت المفاجأة الثالثة (قبل موسِم زيارات
الربيع إلى واشنطن) هى تَصعيد الغارات الأمريكية على
بَغـداد دون إخطـار مُسبق أو تَشاوُر مع الحكومات
العربيـة «الصديقة» ـ التى وَجَدَت نفسها مُحرَجة
أمام جماهير غاضبـة : أقلقها ما وَقَـع فى إسرائيل،
ثم أثارَها تَصاعُد الغارات فجـأة على العـراق.
وتَفَشَّـى فى العواصِم العَرَبيـة ـ كلها تقريباً ـ
نـوعٌ من الارتباك لا يَعرف ماذا يَفعـل؟ ـ بل ولا
يَعرف ماذا يَقـول ؟!
وعندما خَـفَّ وَقـع الصَدمـة تَصَوَّرَت العواصِم
العربية ـ بعضها ـ أن هناك خطـأ فى تَرجَمة إشارات
مُبَكِّرة بينها وبين واشنطـن، وهى إشارات جرى
تبادُلها عبر رُسُـل أو عن طريق رسائل من هنا إلى
هناك، ومن هناك إلى هنـا.
> وعلى سبيل المثال فمن بين هذه الإشارات ـ أنه
ظهَـرَ فى بعض العواصِم الخليجيـة مَبعوثٌ يُمَثل
نائب الرئيس الأمريكى «ديـك تشينى» الذى قيل أن
وَضعَـه فى إدارة «بـوش» يَختَلِف عن وَضـع أى نائب
رئيس سبقه، فهو فى واقع الأمـر رئيس الوزراء
الفِعلـى مع رئيـس دولـة (لا) يَملـك و(لا) يَحكُـم.

وفى إحدى هذه العواصِـم الخليجية (وذلك طِبقاً
لإيجاز حَضَره عَدَدٌ من الصحفيين المختارين، فى
اجتماع بالمقـر التنفيذى للرئاسة وهو مُواجِه للبيت
الأبيض) ـ سَمـعَ المبعوث الأمريكـى ما يُمكن
اعتباره رسالة لَـوْم إلى السياسة الأمريكية بسبب
«تَقاعُسِها فى حِصار العـراق، مما جَعَلَ هذا
الحِصار يَتَداعى ويتآكل ـ ويُوشِك على السقـوط !» ـ
ومَثـار اللـوْم «أن ذلك «التَقاعُس» غير مَفهوم
«لأصدقاء أمريكا من العَـرَب» ـ ونتيجته أن النظام
العراقـى يَقـوى ولا يَضعف». ـ وكان هناك من البداية
انقسام فى الـرأى بين هؤلاء «الأصدقاء العَـرَب
لأمريكا» ـ فيهم من يـرى أن أمريكـا عازمة على إسقاط
النظـام، وفيهم من يَشُـك فى «صِحَّـة نواياها أو
صِـدق عَزمهـا» ـ والآن ثَبَـتَ للجميع ـ الذين
صَدَّقوا والذين شَكُّـوا ـ أن «الولايات المتحدة
لها قَصـدٌ فى الباطن يَختَلِف عما تقول به فى
الظاهِر».
ويَبـين مما طُـرح فى ذلك الإيجاز الصحفى فى المقـر
التنفيذى للرئاسة ـ وفى صَدَد مُهِمَّـة المبعوث
الأمريكى ـ أن هذا المبعوث أشار إلى «تَصعيد
الغارات» باعتباره شاهِداً على «حَزم السياسة
الأمريكية تجاه صـدام». وكان الـرَدُّ عليه «أن هذه
الغارات وحدها لن تُسقِـط النظام العراقـى، بَل على
العَكس سوف تُكسِبـه تَعاطُفـاً ـ ثم إن شَعبيَّتَه
سوف تَـزداد عندما تثبـت مَقـدِرة احتماله !»
وقيل فى ذلك الاجتماع أن المبعوث الأمريكى سَمـعَ
بعد ذلك من مضيفيه تعبيراً صريحاً عن التَوَجُّـس
يقول له : «إنكم بما تَفعَلون ـ أو بما لا تفعلون ـ
تَضَعوننا بين نارين : نار أن سياسة النظام فى
العراق خطـر على حُدودِنا، ونـار أن سياستكم تجاه
هذا النظـام خطـر على حكوماتنا !»
وطِبقاً لمعلومات طُرحَـت فى نفس الإيجاز فى المبـنى
التنفيذى للرئاسة ـ فإن المبعوث الأمريكى أشـار إلى
«أن الإدارة الأمريكية الجديدة، وإدارة «كلينتون»
قبلها ـ كلتاهما مُصابة بخيبة أمَـل من عَجـز
المعارَضة العراقية عن إسقاط النظام» ـ وكان
الـرَدُّ الذى سَمِعَـه بنفاد صَـبر :
«لا تُحَدِّثونا فى هذا الموضوع. الناس كلهم يَعرفون
أنكم إذا أردتم الخلاص من «صدام حسين» فلن تُعجزكم
الوسائل ـ وأنجعها أن وكالـة المخابرات المركزية لا
بُد أن تكون قادِرة فى أى وقـت على الخلاص منه
بوسيلة ما ـ ! ـ ودون انتظار مُساعَدة من مُعارَضة
عِراقية مُفَكَّكة ومَعزولـة؟!»
> وعلى سبيل المثال كذلك أنه ضِمن تلك الإشارات
أيضاً وَصَلَت إلى واشنطن رسالـة حملها زائـر عربـى
قَصـدَ إليها فى «مُهِمَّـة خاصـة» ـ مُؤدَّاهـا :
«أن مَجـىء «شارون» إلى رئاسة الوزارة فى إسرائيل
أحدَثَ استنفارا شديداً فى العالم العربـى مع أن
مَجيئه كان فى الأسابيع الأخيرة مُتَوَقَّعاً» !
والمأزق الذى يُواجه كل الأطراف أنه يَصعُـب «تَسويق
شارون» بوَصفِه «أمَـلاً» يَستَحِق أن يُعطيه
العَـرَب فُرصـة تَسمَح لمسـيرة السـلام أن
تَتَواصَل ـ والاقتراح (هكذا بالتحديد) : «أن
«شارون» جُرعَة شديدة المـرارة ويَلزمها كِساء خارجى
من السُكَّـر حتى يُمكن بَلعهـا. وكساء السُكَّر
المعقول الذى يمكن التفكير فيه أن يَجىء «شيمون
بيريز» وزيراً للخارجية، بحيث يَتَصَدَّى هو ـ وليس
«شارون» ـ لقيادة «عملية التفاوُض على الناحية
الإسرائيلية، والسَبَب أن «بيريز» وَجـهٌ مألوف فى
المنطقة، ومَلامِحه مُقـتَرنة بالدَعوة لاستمرار
مسيرة السـلام» !».
وبالفِعل فإن هذا «الرجـاء العربـى» تَـمَّ نقلـه
إلى اثنين من المبعوثين الإسرائيليين ذهَبـا
مُبَكِّراً باسم «شارون» إلى واشنطن لشرح طلباته
وسياساته ـ هما «زالمان شوفال» و«دورى جولد» ـ
وكلاهما كان سفيراً لإسرائيل لدى الولايات المتحدة
على عهـد حكومات سابقة لتَجَمُّع أحـزاب الليكود.
وحَـدَث أيضاً أن الرئيس الأمريكى الذى انتهت إدارته
وهو «بيل كلينتون» عَرَف بهذا «الرجاء العربـى» بعد
أن غادَر واشنطـن، ووَجَدَها فُرصة لعَودةٍ إلى
الأضواء يَحِـنُّ إليها، وهكذا فإنه عَـزَّز
«الرجـاء العربى» بمَجىء «بيريز»، وأضاف إليه من
عنده «تَزكيـة» بدُخول «باراك» وزيراً للدفاع فى
حكومة «شارون»، وبذلك يَطمَئِن العَرَب إلى أن
«مَسيرة السـلام مُستَمِرَّة كما كانت فى إدارتى»،
وأن «حِزمَة المقترحات التى قَدَّمتُها» ما زالت على
المائدة». ولم يُبـق «كلينتون» اقتراحه سِـرًّا،
وإنما أذاعه فى حديث صحفـى قال فيه أنه «بنفسه»
أبلَغَ «شارون» «مُباشرة» به).
........................
........................
[وليس مَعنى ذلك أن دخول «بيريز» فى وزارة «شارون»
كان «رجاء» عَرَبياً أو «وَساطة» عَرَبية ـ لأن
الحقيقة أن دخول «بيريز» (حتى وإن كانت فِكرة كِساء
السُكَّر ـ ! ـ لعَلقَـم «شارون» واردة فيه) كان
داعيه الأكبر والأهَـم داخلياً إسرائيلياً ـ ولعله
كان مَطلَبَ مُؤسَّسة عسكرية تريد وزارة تُعطيها
غطاءً سياسياً واسعاً، وفترة ثبات فى السُّلطة
تَحتاجها لمواجهة مَهام أمنية لازمة. وكان من
العناصر المساعِدة على دخـول «بيريز» أنه صديق
حَمـيم لـ«شارون» وزميل فِكر مُتقارب معه، حتى وإن
غطـى أحدهما تقاطيع وَجهه بالسُكَّر، ووَجَدَ الآخر
أنه فى غِـنى عن حَلاوة مَـذاق (صِناعى) وخِداع
بَصَـر (بالألوان).
وهكذا دَخَـلَ «بيريز» وزارة «شارون» ـ ولم يَدخُل
«باراك» رغم أن «شارون» كان يريده ـ لكن حِـزب
«باراك» نفسه كان ساخِطاً على رئيسه السابق،
مَمروراً منه ـ وكان على رئيس الوزراء الجديد أن
يَختار الرَجُل أو يَختار الحِـزب. وتَحَقَّقَ ما
أرادَته بعض العواصِم العَرَبيـة ودَخـلَ «بيريز» ـ
ولم يَتَحَقَّق رجـاء «كلينتون» وتَأكَّـدَ استبعاد
«باراك» ! ]
........................
........................
وعلى أىة حال فقد ظَـلَّ الارتباك ظاهِراً،
والإشارات مُتَناقِضة ـ والاتصالات مُتَقَطِّعة
ومُتَعَثرة بين واشنطن وبين العواصِم العربيـة (أو
بعضها) ـ وهى أحياناً بالرمـوز، وأحياناً عن طريق
الرسائل والرُّسُـل.
ولعله كان أفضـل للجميع لو أن موسِـم زيارات الربيـع
إلى العاصِمة الأمريكية بـدأ مُبَكِّراً ـ دون
تَداخُلات ـ من رسائل ورُسُـل ـ زادَت فى خلـط
الأمور بَدَل أن يُساعِدوا على جَلائها. لكن موسِـم
الربيع فى واشنطن كان عليه أن يَنتَظِر عَقـد مؤتمر
عربى على مُستوى القِمَّـة فى عَمّان، وهو مؤتمـر
فَـرَضَ نفسه وتَوقيته منذ شهور، ولم يكن فى اعتبار
أطرافه حين قبلـوا به وعَيَّنوه أوانـاً لبداية
الانتظام السَّنَوى للقِمَّـة العربيـة ـ أنه سوف
يَحِـل مُتوافِقاً مع ما وَقَـع من مُتَغيِّرات.
على أنه فى فترة الحَيرة ما بين التَوَقُّعات
الأوَّلية والمتَغيِّرات الطارئة ـ تَعَلَّل رجاء
الجميع بزيارةٍ كان مُقَـرَّراً أن يقوم بها الجنرال
«كولين باول» وزيـر الخارجية الأمريكى الجديد ـ إلى
منطقة الشرق الأوسـط فى مُهِمَّـة استطلاعية.
وكان تَقدير العواصِم العربيـة ـ أو بعضها ـ أنها
سوف تَسمَع وتَفهَـم من الجنرال الدبلوماسى ما لم
يَستَطع الرُّسُـل والرسائل نقلـه بدِقَّـة،
وتَرجَمة إشاراته بأمانة فى اللغـة وفى الدلالـة !
وبمُجمَل الظروف فإن انتظار وزيـر الخارجية الأمريكى
الجديد اكتسب أهميـة كبيرة فى الموضوع وفى الشـكل :
ــ فى الموضوع لأن «الوزير الجنرال» لديه ـ بالتأكيد
ـ ما يُقَدِّمه لمضيفيه شرحاً وإيضاحاً.
ــ وفى الشكـل لأن مَجـىء «الوزير الجنرال» ـ بعد
الخلـط فى الإشارات ـ تَبَـدَّى مُحَيِّراً
ومُشوِّقاً، مُتَشابهاً مع أسلوب «صمويل بيكيت» فى
مَسرحيته الشهيرة : «فى انتظار جـودو» ـ وكان «جودو»
المتَحَرِّك على المسرَح فى المشهَد الجديد نَجماً
لامِعاً من نجوم واشنطن لأكثر من رُبع قـرن عـاش
فيها الدخائل، واطلع على الأسرار، وخـبر حروب السلاح
وحروب السياسة من أرفع الدَّرَجات، وهو الآن وزيـر
للخارجية الأمريكية قادِماً إليها بعد تَجربة
سَبَقَت له ـ رئيساً لأركان الحرب فى البنتاجون ـ
وكذلك فإنه جَمَعَ «المجد» من طرَفيه ! ـ ثم هو يجىء
إلى المنطقة مُمَثـلاً لإدارة جديدة فى الولايات
المتحدة، تُواجه مَوقِفاً بالِـغ التَعقيد فى منطقة
بالِغة التَوَتُّر ـ والأجوبة التى يحملها تَـرُدُّ
على أسئلة حَرجة ـ تُواجه قِمَّـة عَرَبية على وشك
الانعقاد (جمهور مُتَلَهِّف)، وموسِماً من مَواسِم
الربيع فى واشنطن لم يَبـقَ عليه غير شهر واحد !
2 ـ إخطـار الأصدِقاء على الطريقة الأمريكية:
إذا كان صحيحاً ـ وهو صحيح ـ ما صَـدَرَ رسمياً من
تصريحات فى عَـدَدٍ من العواصِم العربيـة وأولها
القاهـرة ـ بما مَعنـاه أن الولايات المتحـدة لم
تَستَشِـر أحداً من أصدقائها العَـرَب ـ ولا
أخطرَتهم ـ بتصعيد الغارات الجَوِّيـة على بغـداد ـ
فذلك مَعناه «الأسهَل» أن الولايات المتحدة ضُبطَـت
مُتَلَبِّسـة بخيانة أصدقائها والتَّقصير فى
حَقِّهـم ـ لكن المعنى «الأهـم» (بصرف النظر عن
الصداقات والحقوق) أن العواصِم العربيـة المهتَمَّـة
كانت فى حالة غيـاب عن حِـوار سياسى يَخصها دارَ فى
واشنطن ـ وكان حِواراً نِصف سِـرِّى فى الواقع لأنه
وإن دارَ فى غُـرَفٍ مُقفَلة ـ تَسَـرَّب منه كثير
إلى بعض العارفين الواصلين من كِبار الخُـبَراء
والمحَلِّلـين، وبينهم «آرثر شليزنجر» و«لورانس
كابلان» و«جيمس تراوب» و«جون بارى» ـ وكذلك فإنهم ـ
وربما غيرهم أيضاً ـ تابَعـوه وخاضـوا فى تفاصيلـه،
وكتبـوا عنه وهُـم يُتابعون ويَدرسون خطـوط السياسات
المتَوَقَّعة من إدارة «بـوش» الجديدة.
ويَبـين مما تَسَـرَّب أنه أثناء فترة الريبـة التى
انقضت من إعـلان نتائج الانتخابات الأمريكية يـوم
الثلاثاء 7 نوفمبر، إلى تَثبيت هذه النتائج فى
مُنتصف ديسمبر سنة 2000 ـ أى فـترة خمسة أسابيع أو
أكثر ـ كان الحِزب الجمهورى واثِقـاً من فَـوز
مرَشَّحـه. ولأنه لم يكن فى مَقدور «جورج بوش» الابن
أن يُشكِّل ـ على الفور ـ وزارة أو يُعلِن سياسة،
فقد وَجَـدَ أركان حُكمـه وأولهم نائبه «ديك تشينى»
أنه لا داعى لقضاء فـترة الريبـة فى انتظار عَـدِّ
الأصوات، وأوْلـى من ذلك الاستفادة بفُسحَة الوقت فى
عَقـد اجتماعات «تَخطيـط سياسى» يكون جاهِزاً
للعَمَل فى مناطق لها حساسية خاصة بالنسبة للولايات
المتحـدة وأولها الشرق الأوسـط. وعلى هذا الأساس
تَكَوَّنت «مجموعة رئاسية» تَضُـمُّ شخصيات كان
مَعروفاً «أنهم رجال ونساء قادمون» إلى المواقع
الرئيسية للإدارة الجديدة، وكانت المجموعة تَضُـمُّ
نائب الرئيس المنتَخَب «ديك تشينى» ومعه صديقه
المَوثوق به «دونالد رومسفيلد» (أصبح عند التشكيل
الرسمى للإدارة) وزيـراً للدفاع ـ والسيدة
«كوندوليزا رايس» (أصبحت عند التشكيل الرسمى
للإدارة) مُستَشارة الرئيس للأمـن القومى ـ والجنرال
«كولين باول» (أصبح عند التشكيل الرسمى للإدارة)
وزيراً للخارجية ـ و«ريتشارد أرميتاج» (أصبح عند
التشكيل الرسمى للإدارة) نائباً لوزير الخارجية ـ
و«بول وولفويتز» (أصبح عند التشكيل الرسمى للإدارة)
نائباً لوزير الدفاع ـ و«ريتشارد هاس» (أصبح عند
التشكيل الرسمى للإدارة) مَسئولاً عن التَخطيط
السياسـى للإدارة الجديدة.
<
ويَبـين مما تَسَـرَّب ـ وبالتحديد فيما كَتَبَه
«آرثر شليزنجر» و«لورانس كابلان» و«جون بارى» ـ أن
مَجموعة التَخطيط الرئاسية تَوَصَّلَت فى شأن أزمـة
الشرق الأوسط إلى خُطوط مُحَدَّدة :
(1) أوَّلها أنه ضِمن مُراجَعة عامة للسياسة
الأمريكية ـ وهى مُراجَعة تقوم بها كل إدارة جديدة،
خصوصاً إذا كانت قادِمة من قاعِدة حِزبية مُختَلِفة
عن سابقتها ـ وهَدَف المراجَعة هو التأكُّد من أن
«أفكارها» وليس أفكار الإدارة السابقة هى النافِذة
والمنفَّـذة، وإعادة النَّظَـر فى الأولويات .
وبالطبع فإن منطقة الشرق الأوسـط كانت مَدار استقصاء
واسع ودَقيق، ليس فقط بسبب أهميـة المصالح الأمريكية
فيها ـ وإنما أيضاً لأن شكل التطوُّرات على ساحاتها
المختلفة بـدا وكأنه يأخذ مُنحَنى خطراً ـ أو على
الأقل غير مُلائـم.
وجَـرَت مُراجَعة عادَت ـ كما يجب أن يَكون ـ إلى
أصول المسائل، وهنا فلم يكن هناك خِـلافٌ بين أفـراد
المجموعة الرئاسية على أن المصلحة الأمريكية العُليا
لها فى المنطقة ثلاثة مَطالِـب : السيطرة على
البترول ـ وضمان أمـن إسرائيل ـ وتَوسيع النفوذ
الأمريكى فى المنطقة بصفة عامـة.
وتَبَدَّى للمجموعة الرئاسية أن البترول العربـى ـ
بترول الخليج بالدرجة الأولى ـ لا يَتَعَرَّض
للتَهديد، فهو فى حماية وجود أمريكى عسكرى قـوى على
الأرض ـ وفى عُهدة نُظُـم محلية موالية. ثم إن أمـن
إسرائيل ليس مَكشوفـاً، بل العكس فإن إسرائيل لم تكن
فى يـوم من الأيام مغطاة بدَرَجة التَفَـوُّق التى
تَتَمَتَّع بها الآن.
وبرغم ذلك كان واضحاً للمجموعة الرئاسية أن هناك
مَخاطِر تَتَحَفَّـز فى المنطقة ـ وتَزحَف إلى حيث
تستطيع أن تمـس أمـن الخليج وأمـن إسرائيل ـ وتُؤثر
سلباً على النفوذ الأمريكى ـ والسبب أن مشكلة
فلسطـين التى كانت «تَفاعُلاتها مضبوطة» منذ مؤتمر
مدريد سنة 1991 ـ والتى جَرى وَضعها على طريق الحَـل
والتصفية بعد اتفاق أوسلـو سنة 1993 ـ تَبَدَّت
مُعَرَّضة للانفلات، وهو انفلات راحَ «يَفيض» على ما
حَوله بنوعٍ من «الانسكاب» spill-over ـ وبسَبَبه
استيقظت مَشاعِر كَراهِية لإسرائيل كانت مَحجوزة ـ
ومَشاعِر عَـداء للولايات المتحدة كانت كامنة ـ
ومُجمَله أدى إلى وضـع نُظُـم صديقة للولايات
المتحدة على «مَوقِف دِفاع» يَخشـى من الاختراق
ويَتَخَوَّف من تَحَـوُّل هذا الاختراق إلى تَطويق،
وتلك أحوال يُضاعِف من خطرها أنها تجـىء فى ظروف
اقتصادية واجتماعية حَرجـة، لا يَظهَر لها عـلاج
قريب أو سَهـل، وفى مَوعِـد يمكن انتظاره والصَـبر
عليه حتى يجـىء !
(2) وفيما بـان من الخطوط المحَدَّدة التى تَوَصَّلت
إليها مجموعة العَمَل الرئاسية أن السياسة الأمريكية
وَصَلَت إلى هذا المنزلق الوَعر فى الشرق الأوسـط
لأن «بيل كلينتون» اندفع بَعيداً وراء حُلـمٍ
راوَدَه بصُنـع سـلامٍ كامل ونِهائى للقضية
الفلسطينية، مُخالِفاً فى ذلك كل الإدارات السابقة
جُمهورية وديمقراطية ـ وبالتحديد من زمَـن الرئيس
السابق «ريتشارد نيكسون» ووزير خارجيته «هنرى
كيسنجر» (1974 ـ 1975) ـ إلى زمَـن «بـوش» الأب
ووزير خارجيته «جيمس بيكر» (1990 ـ 1992).

اختارت كل الإدارات الأمريكية السابقة مُعالجة
أزمـة الشرق الأوسط بأسلوب «خطوة خطوة»، مُدركة أن
طلـب السـلام الكامل والشامل سوف يَطرَح قضايا
مُستَحيلة الحَـل: أولها: القـدس وثانيها:
اللاجئـون إلى جانب قضايا أخرى لا تَقِـل خطورة
واستعصاء على الحـل

والحاصِل أن كل الإدارات السابقة اختارت مُعالجة
الأزمـة بأسلوب «خطوة خطوة»، مُدركة أن طلـب السـلام
الكامل والشامل سوف يَطرَح قضايا مُستَحيلة الحَـل:
أولها: القـدس (وهى صراع آلِهـة ورُسُـل ـ كذلك
قيـل) ـ وثانيها: اللاجئـون (وقضيتهم بالنسبة
لإســرائيل ســـؤال مَصـير: يَطرَح عليها أن تكون
دَولة يهودية أو لا تكون ؟) ـ إلى جانب قضايا أخرى
لا تَقِـل خطورة واستعصاء على الحـل (وبينها
الاستيطان والحـدود).
والواقع أن هَـدَف «كلينتون» من مُقاربة الحَل
الكامِل والنهائى ـ كان هَدَفاً شخصياً، وقد جاراه
رئيس الوزراء الإسرائيلى «إيهود باراك» على أمـل أن
الرئيس الأمريكى المُتَشَوِّق لصُنـع السلام
(والمتَلَهِّف على جائزته) ـ قادِرٌ بقـوة مَنصِبه
على الإتيان بمُعجزة تاريخية تستطيع إسرائيل أن
تَتَعَلَّق بها وتَفوز بتسوية ختامية لكل الحِسابات
المعَلَّقة بينها وبين العَـرَب على أساس الأمـر
الواقع وبلا تَنازل يأخـذ منها شيئاً تَحوزه الآن أو
تطلبه قبل إغـلاق الدَّفاتِـر !
........................
........................
[كان هناك بين أعضاء المجموعة الرئاسية مَن ذهَبـوا
إلى أن «باراك» لم يكن يُجارى رَغبَـة «كلينتون»،
وإنما الحقيقة أن «كلينتون» هو الذى استسلم للغواية
مرة أخرى ـ وهى هذه المرة غوايـة «إيهود باراك»
وليست غوايـة «مونيكا لوينسكى» ـ وقد رَجَـحَ هذا
الظـن عندما تَبَـيَّن أن الرَّجُلين ـ «كلينتون»
و«باراك» ـ كانا على اتصال تليفونى مُنَظَّـم كل يوم
فى ساعة مُحَدَّدة (قبل أن يَنام «كلينتون» فى ليل
واشنطن، وفـور أن يَصحو «باراك» فى فَجْر تل أبيب.
وفيما يقول به «بودِستا» رئيس أركان البيت الأبيض
على عهد «كلينتون» ـ أن الرئيس الأمريكى السابق كان
مَبهوراً بـ«باراك» لسَبَبين :
أوَّلهما : إنه كان العسكرى الذى حَمـل أرفع الأوسمة
فى الجيش الإسرائيلى (المقاتِل) ـ و«كلينتون» (فى
نَظَر الكثيرين) لديه عُقـدة المتَهَرِّب من
الجُندية فى فيتنام.
والثانى : إن «كلينتون» كان مأخوذاً بنفوذ رئيس
وزراء إسرائيل وَسَط الجالية اليهودية فى أمريكا
بتأثيرها النافِذ فى الإعلام ـ وكان ذلك سَبَب قبوله
لوَساطة «باراك» فى عَفـوٍ رئاسى وَقَّعَه فى اللحظة
الأخيرة عن بليونير يهودى أمريكى («مارك ريتش»)
هَرَبَ إلى سويسرا بعيداً عن مُتَناوَل القضاء
الأمريكى الذى كان يُطارده فى تُهَم فَساد، وكانت
«دِنيز ريتش» (زوجة البليونير الهارب وشريكته حتى
بعد طلاقهما) واحِدة من أكبر المتَبَرِّعين لحمَلات
«كلينتون» ولمكتَبَته التذكارية فى ولايته الأصلية
«أركنسو» ـ وكانت تلك آخر فضيحة خَـتَم بها
«كلينتون» رئاسة حافِلة بالفضائح ! ]
........................
........................
وفى المحَصِّلة (وهذه عَودة بعد استطراد إلى ما بـان
من مُداوَلات المجموعة الرئاسية) فقد كان الـرأى
الذى عَرَضَـه «ريتشارد هاس» واحتل مِساحة واسعة فى
الحِـوار الرئاسى ومالَت إليه الآراء «أن أزمـة
الشرق الأوسط لم تَبلُغ بَعد مرحلة النُّضج maturity
الضرورية لحَلِّها (ومن المعروف أن لـ«ريتشارد هاس»
نَظَرية مَشهورة فى هذا الشأن مُلَخَّصها أن الأزمات
لا تُحَـل برَغبَة الأطراف فى حلِّها، وإنما
بتَوافُر شروط «مُعَيَّنة» تَجعَل الحَـل مُمكِناً)
ـ وكان رأى «ريتشارد هـاس» تَحديداً أن «أزمـة
فلسطـين غير قابلة للنُّضـج من الأساس لأنها تَنطوى
ـ ضِمن عَوامِل كثيرة ـ على مُقَدَّسات يَصعُب أن
يكون لها «حَـلٌّ وَسَـط» ـ وهذا النوع من الأزمات
ليس له دَواء غير وَصفـة إجـراءات تَتَكَفَّل به وهى
:
ــ عَـزل الأزمـة ـ وإحكام عزلهـا عن مُحيطها حتى لا
يَتَّسِع نطاقها ولو بالعَـدوى.
ــ وإفـراغ الأزمـة أولاً بأول من عناصر التَوَتُّـر
حتى لا تَنفجر فى مكانها مُدَوِّية فى محيطه.
ــ ثم تَركها بعد ذلك للزمَـن يزيحها إلى النِسيان،
وفى هذا النسيان تَستَهلك الأزمة نفسها بنفسها
بالتَحَلُّل والتآكُل والتلاشـى !»
<
(3) وفيما تَسَـرَّب أيضاً أن حِـوار المجموعة
الرئاسية تَوَصَّل إلى أن «المـأزق الراهن فى الشرق
الأوسـط ـ استحكم بسبب التَعَسُّف مع الحقيقة فى
طَلَب حَـلٍّ نهائى لأزمة الشرق الأوسط، والنتيجة أن
القضيـة الفلسطينية عادَت واحتلت رأس جَدوَل الأعمال
فى اهتمام حكومات وشعـوب المنطقـة، وبما أن الحَـلَّ
الكامل الذى سَعـى إليه «كلينتون» و«باراك» طلـبٌ
مُستَحيل ـ فإن العَودة الضرورية إلى الخطوات
الجُزئية نَقلـة بعد نَقلـة مُناوَرة صَعبـة.
ولا بد من تَهيئـة المنطقة لهذه المناوَرة بجهـد
عالى الكفاءة، مَـرن وحازم فى نفس الوقت، يُحَقِّـق
نزول القضيـة الفلسطينية من البَنـد رقم واحد إلى
البَنـد رقم اثنين أو ثلاثة إذا أمكـن.
وإذا كان ذلك ـ فإن الفراغ الناشـئ من إخـلاء
البَنـد رقم واحد (بعد تَنزيل الأزمة الفلسطينية
منه) لا بد أن تَملأه أزمـة أخرى يجرى تَصعيدها إلى
رأس القائمة، وهذه الأزمـة فى تقدير أهَـم
المنَظِّرين للإدارة الجديدة ـ وهو «بول وولفويتز»
المساعِد المقَرَّب من «ديك تشينى» نائب الرئيس،
والمكَلَّف بمنصب نائب وزير الدفاع ـ هى بالطبع
أزمـة الخليج، وبمعنى آخر فإن المطلوب على عَجَـل هو
إحياء التَحالُف القديم لحَـرب الخليج، وإعادة بناء
الحصــار على العــراق، والحَشد من جديد لمحاوَلة
إسقاط النظام فى بَغـداد، وذلك مَطلَـبٌ لم
يَتَيَسَّر تحقيقه ـ فى وَقته ـ بالحَـرب ـ لكن
المطالِب الإستراتيجية لا تَسقُط بالتقادُم (كذلك
قَدَّروا) .
وقد تَجَلَّت لأهمية ـ وضرورة ـ تغيير قائمة
الأولويات مَزايا إضافية ـ مُلَخَّصها «أن مشكلة
فلسطـين وفيها القـدس تَملك جاذبية غلاَّبة تَشـد كل
العَـرَب إلى قضيـة واحدة، وذلك يَخلق مَناخاً
مُتَفجِّراً يَصعُب التعامُل معه ـ فى حين أن وَضـع
العراق على رأس القائمة يُفَـرِّق صفوف العَـرَب،
وهو مَنـاخ يَسهُـل ويَطيب التعامُـل فيه !
(4) وفيما تَبـيَّن أنه دارَت فى المجموعة الرئاسية
مُناقشات كان بعضها عنيفاً إلى حَـدٍّ نَكَـأ جراحاً
قديمة، وبالذات فى العلاقة ما بين «ديك تشينى» نائب
الرئيس والجنرال «كولين باول» وزير الخارجية.
والظاهر أن المناقشات زادَت سخونتها عندما طُـرح
للبحـث أسلوب إقناع الدوَل العربيـة ـ وشعوبها إذا
أمكن ـ بتغيير قائمة أولويات المنطقة، بمعنى
«تنزيـل» بَنـد فلسطـين و«تَصعيد» بَنـد العـراق ـ
وكان الظَـنُّ فى البداية أنه يمكن «تَسريب» هذا
التغيير فى الأولويات من خلال اتصالات تمهيدية جارية
بالفِعل بين الإدارة الجديدة وبين أطـراف فى الشرق
الأوسـط تَتَعَجَّـل استطلاع تَوَجُّهاتها ـ وكان
التقدير أنه بعد «التسريب» يَتَهَيَّـأ الجَـو
لنَقلـة يَتحَوَّل بها «التسريب» غير الرسمـى إلى
«إخطـار» رسمـى.
ولم يكن «كولين باول» ـ فيما ظهَر من تفاصيل
مُناقشات المجموعة الرئاسية ـ مُقتَنِعاً بأن قائمة
الأولويات يمكن تغييرها بهذه السرعة من «فلسطين» إلى
«العراق». وكان «باول» يَعـرف ويُوافِق على أنه ليس
من المرغوب فيه ترك فلسطين على رأس قائمة الأولويات
ـ لكنه فيما يَتَعَلَّق بتصعيد بَنـد العـراق كان
يَحسـب أن الأمـر يلزمه عِـلاج من نـوع مُختلف
لدَواعٍ مُتَعَدِّدة بينها أن الحِصار حول العـراق
بالفعل يَتَهاوى، وأن هناك تَعاطفاً شعبياً عربياً
واسع النطاق مع العـراق، ثم إن النُّظـم العربيـة
حتى تلك التى شاركت فى التحالُف ـ تُبدى كثيراً من
التَمَلمُل والضيق بعد استمرار الحصار عشـر سنوات،
وعملية خَنـق للعـراق لم يَعُـد ممكناً أن تَستَمر
إلى الأبد.
وطُرحَت للبحـث فكـرة استبدال الحصار ضِـدَّ العـراق
كما هو الآن بنـوع آخر «أضيَـق» ولكنه «مباشـر»
أكثر، وأطلَق «تشينى» عليه وَصـف «العقوبات
الذكِيَّـة»، والمطلوب منها أن تكون «عقوبات تُصيـب
نظـام الرئيس «صدام حسين» وتُـؤدِّى إلى إسقاطه دون
أن تُصيـب الشعـب العراقـى وتزيـد من مُعاناتـه» !
ويَظهَر أن «الجنرال الدبلوماسى» لم يَستَطِع أن
يَتَفَهَّم وَصـف هذه «العقوبات الذكِيَّـة» و«كيف
يُمكن تَنفيذهـا» ؟
وهنا (طِبقاً لبعض ما نُشِـرَ من معلومات وَرَدَت
فيما كَتَبَه «جون بارى») وَقَعَت مَشـادة بين
«كولين باول» وبين «ديك تشينى» استعيدت خلالها
تَجربة حـرب الخليـج حين تَبايَنت الآراء بين
«تشينى» (وهو وزير الدفاع وقتها) وبين «باول» (وهو
رئيس هيئة أركان الحرب وقتها).
كان «تشيـنى» (أيامها) يَـرى استمرار زحـف قـوات
التحالُـف (1991) حتى قلـب بغـداد.
وكان «كولين باول» (أيامها) يَرى أن هَـدَف ضَـرب
العـراق تَحَقَّـق بالكامل خلال شهر من القصف الجوى
المستَمِر، وأن العمليات البرية من الأصل لم تكن لها
ضرورة، وحتى بعد بِدئِها واستمرارها لعِدَّة أيام
فإن الذهاب إلى قلـب بغداد ليس ضِمن الهَـدَف
المقَـرَّر للعمليـات ـ بالإضافة إلى أن بعض دُوَل
التحالُف تُظهِر تَحَرُّجها وتُبدى خِشيتها من أن
«الاستمرار فى العمليات أصبح غزواً للعراق وليس
تَحريراً للكويـت».
ووَسَط مناقشات تلك الأيام قبل عشر سنوات ـ احتد
«تشينى» وقال للجنرال (بوَصفِه وزيراً للدفاع
و«كولين باول» مَرءوساً له) ما مُـؤدَّاه : «إننى لا
أفهـم أن تكون لدى الولايات المتحدة أكبر وأكفـأ
قـوة عسكرية فى العالم ثم لا تستطيع هذه القـوة أن
تَخدم سياستها، ثم يكون ذلك بتَوصِية من رئيس أركان
ـ تَرَكَ مُهِمَّتَه وهى الحَرب لكى يُفـتى فى
السياسة !» ـ ثم يقول «تشينى» لـ«باول» بحَزم : «لا
دَخل لـك بالتقديرات السياسية، والتزم بتقديم خُطَـط
عسكرية لما يُطلَب منك، وتلك حـدودك» !
وهنا وفى إطار حِوارات مجموعة العَمَل الرئاسية
تَحَـوَّلَ الحِوار (بعد عَشر سنوات) إلى اشتباك بين
نائب الرئيس ووزير الخارجية.
........................
........................
[وأظن أننى أستطيع الوثوق فى معلومات «جون بارى»
لأنى عَرَفته عن قُـرب، وكان ضيفاً علىَّ فى
القاهـرة ثلاث زيارات. والرَّجُل صحفى بريطانى فى
الأصل، وقد ذهَب إلى الولايات المتحدة يُغَطِّـى
أخبارها ولكنه اختار البقـاء فيها. وكنت أعرف
بالتجربة كثيراً عن دِقَّتِـه فيما يَكتُب، وكان
رئيس تحريره «فرانك جايلز» يقـول عنه : «إن جـون
عندما يَتَحَرَّى خـبَراً يُعِـدُّ له مادة كِتاب
كامل». وفى الولايات المتحدة أصبح «جون بارى» من
أبـرز المحلِّلين السياسيين والعسكريين، ووَثـق
صِلاته بـ«ديك تشينى» وبأقطاب المؤسَّسة العسكرية
الأمريكية عموماً ـ ولا يُساورنى شـك فى أنه كان
يُعَـبِّر عن رأى نائب الرئيس الأمريكى فى مَقال
شهير وَضَعَته مجلة «نيوزويك» على غُلافها تحت عنوان
: «هـل هو الرَّجُـل المناسِب فى المكان المناسِب ؟»
ـ وكان المقال عن «كولين باول»، والمقال من أوله إلى
آخره تساؤلات عن صلاحية «كولين باول» لمنصِب وزير
الخارجية. وفى نَوادى وصالونات «جورج تاون» ـ مركز
السياسة والصحافة فى واشنطن ـ حِكايات كلها تُشـير
إلى أن بقـاء «كولين باول» فى مَنصِبـه أجـلٌ مَحدود
ـ سنتـان على أكثر تقديـر ؟! ]
........................
........................
(5) وفيما بـان من حِوار المجموعة الرئاسية ـ فى
فترة الريبة ما بين النتائج الأوَّليَّة لانتخـابات
الرئاسة وحتى تأكيدها بعد خمسـة أسابيع بإعـلان فـوز
«بـوش» الابن ـ أن المناقشــات تَطَرَّقَت لكيفيـة
تحويل التسريـب غير الرسمـى عن تغيـير قائمـة
الأولويات إلى إخطـار رسمـى، وبـدأ سِياق
المناقشــات بأسلوب وانتهى بأسلوب آخر :
> فى البداية كان هناك اقتراح بأنه ربما يكون كافياً
تَوصيل الإخطار بواسِطة السفراء الأمريكيين فى
العَواصِم المعنية (وقد نُحِّـىَ هذا الاقتراح
جانباً لأنه يُضيف خشونـة الشكل إلى خشونة الموضوع).

> وكانت مجموعة الخارجية («باول» و«أرميتاج») لا
تُمانِع أن يقوم بالمهِمَّة مَبعوث يُستَحسَن أن
يكون وزيـر الدفـاع «رومسفيلد» (لكن ذلك الاقتراح
نُحِّـىَ جانباً بدَوره لأن الإخطار عن طريق وزيـر
الدفـاع قد يَبـدو عسكريـاً).
> وأخيراً وَقَعَـت المهِمَّـة على «كولين باول»،
وقَبلهـا باقتناع أنها فى اختصاصه، ثم إنها لم تكن
مُتناقِضة ـ بشدة ـ مع اقتراحاته فى الاجتماع : فهو
يُوافِـق على «تَنزيـل» أزمـة فلسطـين من رأس قائمة
الأولويات، وهو لا يُمانِع فى تَصعيد الأزمـة مع
العـراق، وإن كان يُبـدى خِشيَتـه من أن الأحوال فى
المنطقة تَغيَّرَت كثيراً عما كانت عليه سنة 1991 ـ
ومع أن أحداً لم يَتَوَصَّل إلى تَوصيف دَقيـق
لاقتراح «العقوبات الذكِيَّة»، فقد وَجَـدَ «كولين
باول» فى ذلك الاقتراح مَخرَجاً له من تَصادُم
مُبَكِّر مع «تشيـنى» يمكن أن يَتَحَوَّل إلى خـلافٍ
حَسَّاس بين البيت الأبيـض ووزارة الخارجية، ويَكشِف
الإدارة الجديدة من بداية عهدها ويُعَرِّضها
للانشقاق وما يَتَرَتَّب عليه سياسياً وإعلامياً ـ
كذلك وَجَـدَ «بـاول» فى اقتراح «العقوبات
الذكِيَّـة» مَدخَلاً له فى لقاءاته المتَوَقَّعة مع
ملـوك ورؤساء المنطقة حين يَنقِـل إليهم الإخطـار
بتغيير فى قائمـة الأولويات.
ولكن «كولين باول» كان يُريـد «تَوجيهاً رئاسياً»
بشأن الأسلوب الذى يَتَّبعه ؟!
<
(6) وكان الـرَدُّ على طَلَـب «كولين باول» ـ
اقتراحا طَرَحَه «بول وولفويتز» نائب وزير الدفاع
(وهو جنرال سابق ـ يهودى ـ لعـب دَوراً مُهِمًّـا فى
حرب الخليج كضابط اتصال بين قيادة التحالُف وبين
رئاسة أركان حرب جيش الدفاع الإسرائيلى ـ وكان
مُقيماً بهذه الصِفـة فى إسرائيل طوال شهرى يناير
وفبراير 1991 ـ وكان هو المسئول عن مُطالبة القيادة
الإسرائيلية السياسية والعسكرية بأهمية ضبـط النفـس
وعَدَم الـرَد على صواريخ عراقية وُجِّهَت إلى
عَـدَدٍ من المواقِع فى إسرائيل، مُذكِّراً الجميع
فى تل أبيب بأن إسرائيل أول مُستَفيدٍ بتَدمير
القـوة العراقية ـ وبدون تكلفة عليها فى الموارد أو
فى الـدم).
والآن كان اقتراح «وولفويتز» أن تَجربَتَه مع
العَـرَب أقنَعَتهُ بأن أفضـل أسلوب لفتـح أى موضوع
معهـم هو «وَضعهـم أمام أمـرٍ واقـع» يبـدأ منه
الحِـوار معهم !
وقـام «وولفويتز» بتَطوير اقتراحه من خلال المناقشة
فعَرَضَ أن الولايات المتحـدة تستطيع من جانبها
وبدون تَشاوُر مع أحـد أن تبـدأ بتصعيد عسكرى فى
الغـارات على العـراق ـ ويُصاحِب هذا التَصعيد
إعـلانٌ يُظهِـر هَـدَف التَصعيد على حقيقته حتى لا
يَفـوت على أحـد (بالتَجاهُل أو بالجَهل) ـ وبَعدها
فسوف يَنتَقِـل الاهتمام بالضرورة (باقتناع العَرَب
أو دون اقتناعهم) إلى حَـدَثٍ مُستَجَدٍّ وَقَـع
ويَستَوجب البحـث العاجل فى أمـره ـ وكذلك يكون
جَدوَل الأولويَّات قد بَدأ حَرَكَتَه الأولى ـ لأن
تَصعيد الغـارات سوف يَطـرَح نفسه، وسوف تكون
الأطراف العربيـة هى التى تَفتَـح مَوضوعه لتسـأل
فيه بعد أن تكون رسالته قد وَصَلَـت إليها.
وبَعدها يَتَوَجَّه «كولين باول» إلى المنطقة، ولن
يكون عليه حَرَج فى كيف يُبادر ويَعرض ـ لأنه سوف
يكون أمام إلحاح ورجاء من الآخرين !
وإلحاح الآخرين ورَجاؤهم مُؤكَّـد لأن «باول» سوف
يجىء والأطراف كلهم يَستَعِدون لمؤتمر عَرَبى على
مُستوى القِمَّـة، ثم إن بعضهم يَستَعِـد لحَـزم
الحقائب تأهُّباً لزيارات موسِـم الربيع إلى واشنطن
!
3 ـ الجنـرال والـدبــلـومـاسيــة:
وحَدَث فى مُقابلات «كولين باول» مع الملوك والرؤساء
العَـرَب فى زيارته السريعة (خمسة أيام لسبع عواصم)
ما كان مُتَوَقَّعاً بالضبط فى تقديرات «وولفويتز»
التى أقَرَّها «الاجتماع الرئاسى» بعد عِدَّة جلسات
امتدت من فترة الرَّيْبـة ووَصَلَت إلى حيث انعقد
آخرها فى مكتب نائب الرئيس «ديـك تشينى» قبل سَفَـر
وزير الخارجية إلى المنطقة بثلاثة أيـام.
........................
........................
[ولم يُتَـح لى أن أطلـع على مَحاضِر ما دار فى
اجتماعات وزيـر الخارجية الأمريكى مع مَن قابلهم من
كبار المسئولين العَـرَب ـ لكنه أتيـح لى ـ كما
أتيحَ لغيرى ـ أن أسمـع أكثر من رواية وأن أقـارن
وأستَوثِق قبل أن أجازف بنَقـل روايـة أو ذِكـر
تَفصيـل.]
........................
........................
> وفى ملاحظة عامـة (تَكَرَّرَت أكثر من مـرة فيما
سَمِعت) ـ أن وزير الخارجية الجديد بـدا لمن قابلهم
«غير مُستَريح» فى أدائه، وطِبقاً لوصـف أحد الذين
قابلوه فقد بـدا مثل «فنجان فى غير طبَقِـه»، وفى
تقدير صاحب الملاحظة أن «بـاول» ما زال «يَشعُر
بعَدَم انسجام مع المكان» ـ أى أن «الجنرال الذى
كانه ذات يوم لم يتأقلـم بَعد مع الدبلوماسى الذى
حَـلَّ محله داخل ثيابه الآن !» ـ وقد بـدا من
تَصَرُّفِه أنه يَستَشعِر الفجـوة، ويُحاول تغطِيتها
«بشىء من العلاقات العامة»، يَستَعيد به بعض
الحِكايات القديمة من تجربة حـرب الخليج، خصوصاً مع
الذين تَعامَل معهم تلك الأيام ـ ولوحِظ أن
«الجنرال» تَعَمَّـد أن تكون الحِكايات ضاحِكة
تُشيـع جَـوًّا من الألفـة ـ تُجَدِّد الذكريات
القديمة وتَستَعيـد دِفئهـا.
> وعندما بـدأ «بـاول» كلامـه عن مُهِمَّته كان
قولـه للجميع بما مُؤدَّاه «أنه لا يَحمِل جديداً
لأن إدارة «بـوش» ما زالت بصَدَد تَحديد سياساتها
بعد غِيابٍ للحِزب الجمهورى عن القرار «طـالَ ثمانى
سنوات» (طول رئاسة «كلينتون») ـ وقد استجدت فى هذه
المـدَّة حقائق كثيرة أولها أن الولايات المتحدة بعد
ما جرى فى الاتحاد السوفيتى وَقَعَـت عليها مسئوليات
دولية واسِعة ـ ثم إنه فى فـترة هذا الغياب انتهى
قـرن وانتهت ألفيـة ـ وفى مسئولية الإدارة الجديدة
مَهـام تَنتَمى إلى القرن الواحد والعشرين ـ وإلى
الألفية الثالثة ـ وكانت إدارة كلينتون خِتـام زمَـن
ـ وإدارة «بـوش» عليها أن تكون بداية زمَـن. ولهذا
فإنه يُريد أن يَسمَع أكثر مما يَتَكلَّم، وقد جـاء
«طالباً للعِلـم» يَتَمَنَّى أن يَسمَع من زُعَماء
فى المنطقة «لم تَنقَطِع تجربتهم» و«زادت مَعارفهم»،
وأمَله أن يَعود إلى واشنطن ومعه مُحَصِّلة «أفكار»
تُريد الإدارة الجديدة أن تأخذها فى الاعتبار عندما
تُقَرِّر سياساتها لمرحلة جديدة.
> وهنا ـ وكما سَبقَ تَوَقُّعه ـ جاء السؤال
(المنتَظَر وجَوابه المقَدَّر سَلَفاً) عن تَصعيد
الغارات الجويـة على العـراق ؟ ـ وكان رَدُّ «كولين
باول» بما مَعناه «إظهار الأسـف لأن الولايات
المتحدة تَصَرَّفت قبل أن تَتَشاوَر مع أصدِقائها
وحُلفائها، ودون إخطارهم ـ لكن الطائرات المكَلَّفة
بتنفيذ القـرار (الأمريكى) بمنطِقَتَى الحَظـر
الجـوى على العـراق (واحدة فى الجنوب وثانية فى
الشمال) ـ وَجَدَت نفسها فى مواجهة تَصعيد عراقى
مُتَزايد ومُستَفِز يُهَـدِّد طائراتها بدِقَّـة فى
الرصد لم تكن موجودة من قبل، وبدِقَّـة فى تَوجيه
الصـواريخ يمكن أن تُصيب ـ وذلك مَعناه أن «النظام
فى العـراق» يُعيـد بنـاء قُدراته العسكرية مـرة
أخرى على نحوٍ يُهَـدِّد جيرانه ـ وهكذا فإن
«التَصعيد الأمريكى» كان رَدًّا دِفاعياً على
«تَصعيدٍ عراقـى» سبقـه.
ثم راح «كولين باول» يَشرَح والجنرال القديم فيه
أكثر بروزاً من الدبلوماسى الجديد فيه.
وقد دَخَـلَ تَفصيلاً فى عملية تَجديد شَبَكة
الصواريخ العراقية، وأضاف مَعلومات حَصلَت عليها
المخابرات المركزية الأمريكية من يوجوسلافيا التى
باعَـت للعـراق على أيام «ميلوسوفيتش» مُعِـدَّات
تَوجيه إلكترونية مُتَطَوِّرة ـ وزادَ عليها أن
الصين وَفَّـرَت خُـبراء لتَكثيف قـوة اندفاع
الصواريخ العراقيـة!
> وفى إحدى المقابـلات لم يَتَمالَك أحد المشاركين
فى الاجتماع نفسه من سـؤال «بـاول» بما مُـؤدَّاه :
«سيادة الوزير (Mr. Secretary) ـ إنك تَحَدَّثت الآن
ـ دون مُقاطعة ـ لمدة إحدى عشرة دقيقة، وفى هذه
الدقائق ـ وهى قليلة ـ فإنك ذكَرت اسم «العراق» أكثر
من عَشر مرات، وذكَرت اسم «صدام حسين» أكثر من عشرين
مرة ـ ونحن نَتَفَهَّم ذلك ـ لكننا فى نفس الوقت
نستَغرب أننا طوال حَديثـك لم نسمَـع ذِكـر
«إسرائيل» إلا مَرَّة واحدة، ولم نَسمَع اسم «شارون»
ولا مَـرَّة واحدة.»
وبعد مناقشات فى هذه النقطة كان تعليق «كولين باول»
أنه «تَحَدَّث بمَنطِـق أولويـات فَرَضَت نفسها
وخصوصاً أن إسرائيل وشارون «قـد» يكونان خطـراً من
«الخارج»، وأما «العـراق» و«صـدام» فإنهما خطـر من
«الداخل» يُهَـدِّد الاستقرار، ويُشَجِّع على
الفوضـى، و«يَعمَل على زيادة التَطَرُّف والإرهـاب»

> وفى القاهـرة وفى عَمّـان سـأل «كولين باول» عن
«حِكاية هذه الطائرات الذاهِبة والعائدة كل يوم إلى
بغـداد تَحَدِّياً للحِصار ـ مع أنه يَعرف أن الأمـم
المتحدة استُؤذِنَت فيها؟» !

فى القاهـرة سَمَّـى «كولين باول» سفير مصـر فى
إسـرائيل بالاسم «بسيونى»، مشيراً إلى «أن عَودته
بسرعة إلى هناك الآن مُهِمَّة كـ «عَربون حُسن
نِيَّـة» لرئيس الوزراء الجديد «آرييل شارون»،
وأيضاً لكى تكون الإدارة المصريـة على عِلم
بالتَطوُّرات الجارية فى السـياسة الإسرائيلية

وفى القاهـرة وعَمّـان أيضاً سـأل «كولين بـاول» :
«مـتى يَعود السفراء (سفير مصـر وسفير الأردن) إلى
مقـر عملهـم فى إسرائيل ؟» ـ وفى القاهـرة سَمَّـى
«كولين باول» سفير مصـر فى إسـرائيل بالاسم
«بسيونى»، مشيراً إلى «أن عَودته بسرعة إلى هنــاك
الآن مُهِمَّة كـ «عَربون حُسن نِيَّـة» لرئيس
الوزراء الجديد «آرييل شارون»، وأيضاً لكى تكون
الإدارة المصريـة على عِلم بالتَطوُّرات الجارية فى
السـياسة الإسرائيلية، وهى تَطوُّرات سـوف تَنعَكِس
بلا شك على القرار الإسرائيلى!»
وكان رأى «كولين باول» أنه لا يجب التَسَرُّع فى
الحُكـم على «شارون» بما «يقوله» العَـرَب عن ماضيـه
ـ وإنما الحُكـم عليه يجب أن يكون بتصرفاته. وفى
استطاعة العَـرَب بعُقولِهم وليس بعَواطِفهم أن
«يُقنِعوه» بالكثير، ومن صالِحِهم أن يَقتَنع
الرَجُل، وهو (أى «كولين باول») يَستَطيع تأكيـد أن
«شارون على استعداد للتفاوُض وليس له غير شـرط واحِد
هو تَوَقُّف العُنـف بطريقة لا لبـس فيها بحيث يَعرف
المواطِن الإسرائيلى أن «العُنـف انتهى دَوره» !»
> وفى دمشـق سـأل «كولين باول» عن النشاط الذى دَبَّ
فجأة فى خـط أنابيب بترول العـراق بعد أن كان
ساكِناً أو نائماً لقرابة عشرين سنـة ـ وكانت لدى
«كولين باول» أرقام مُحَدَّدة عن بترول عراقـى
يُضَـخ فى الأنبوب السـورى بالمخالفة لقرارات حِصار
العـراق ـ وكان تَلميحه واضحاً إلى أن ذلك قد يَسحَب
إجراءات الحِصار من الخليـج إلى البحر الأبيـض.
وعندما جـاء ذِكر البحر الأبيـض مَـدَّ «كولين باول»
إصبعا وضغَـط على مَوضِـع وَجَـع سائـلاً عن الوجود
السورى فى لبنـان ؟ هَدَفـه ؟ وكيف ؟ وإلى مـتى ؟ ـ
ورأيه أن الخروج واجبٌ، وأن البحـث عن أسلوب لتنفيذه
ضـرورةٌ لا تُمانع الولايات المتحدة أن تُساعِد فيها
حتى تَستَقِرَّ الأمور فى لبنـان ليُمارس حيـاة
طبيعية داخلـه، وعلى حـدوده، ومع جيرانه !
وكانت إحدى إيماءات «كولين باول» قذيفـة
«مُوَجَّهـة» حين تَساءل «كيف يُمكن أن يُعتَبَر
«شارون» مَجنوناً يَصعُب التعامُل معه ـ فى حين
يُعتَبَر «صدام حسين» «عاقِـلاً» يَسهـل التعامُل
معه ؟» !
وهنا كان ما استنتجه بعض سامعيه فى دِمشق من أن
«باول» يَعرض صفقة مُجمَلها : «نُساعِد مع «شارون»
إذا ساعَدتُـم مع «صـدام» !»
( وخَـرَج «باول» من دمشـق يقول: «إنه حَصـل على
وَعـدٍ بنوع من الرقابة الأمريكية على أنابيب
البترول ما بين العـراق إلى شواطـئ سوريـا». وبعد
عَودَته إلى واشنطـن نُقِـلَ عنه إحساسه بأن «المسار
السورى» يُمكن تَحريكه لمفاوضات سـلام بين سوريـا
وإسرائيل ـ وإذا حَدَثَ مثل هذا «الانفتاح» على
المسرح السـورى، فهو «يستطيع أن يرى انكشافا
إستراتيجياً على طـول المسافة عِبر العراق وإيران
حتى باكســتان وأفغانســتان» ! ـ ومن دمشـق لم
يَصــدُر أى تَعليــق، وهو ما يمكن فَهمـه لأن
«دمشـق» هذه اللحظـة مشغولة بـ«عملية تَقييم»
مُؤثـرة على خيارات وعلى مصائر !)
> وفى لقائه مع مُمَثلـى السُّلطة الفلسطينية انتهز
وزير الخارجية الأمريكى الجديد فرصة اللقـاء لمحاضرة
عن «وحـدة القيـادة».
بـدأ فطالَب بوَقـف العُنـف، ورَدَّ «ياسر عرفات»
بأن «السُّلطة فَعَلَت كل ما فى وسعِها لتَهيئـة
أجـواء مُناسِبـة للمفاوضات، لكن «الطرَف الآخر» لم
يَترُك وسيلة لتَعكير هذه الأجواء إلا انتهزها».
ورَدَّ الجنرال القديم بأن «إسرائيل تقول بشىء آخر،
ولدى أجهزتها معلومات مُفَصَّلة عن تشجيع ـ بل
وتَدبير ـ لعَمَليات إرهابية تُحَرِّض عليها وتقوم
بها عَناصِر من السُّلطة»
لكن الذى يشغله أكثر وينبغى أن يشغل «عرفات» كذلك
هو «أنه على الجانب الفلسطينى لا تُوجَد وحدة قيادة،
فهناك قيادة «يُفتَرَض أنها» ـ ! ـ شرعية، ولكن هناك
من ورائها ومن حولها «قيادات أخرى» تُنازعها شرعية
إصدار الأوامر، وذلك مُخالِف لأبسَـط مبـادئ
«القيادة والسَّيطرة»!»
وحَدَث مَوقـف درامى فى لقـاء «كولين باول» مع «ياسر
عرفات»، وكان ذلك حين طَلَـب الجنرال الدبلوماسى من
الرئيس الفلسطينى أن يَأمُـر بوَقـف العُنـف ـ وعـلا
صوت «ياسر عرفات» وتَهَدَّجَت نبرة عِباراته إلى
حَدِّ الدموع وهو يقول مُرتَجِفاً : «تُكلِّمنى أنا
عن وَقف العُنف ؟.. تَطلُب ذلك من القتيل ولا
تَطلُبُه من القاتل ؟!» ـ ثم راحَ «ياسر عرفات»
يحصـى عَـدَد القتلـى من الرجال والنساء والأطفال ـ
والبيوت التى تَهَدَّمَت ـ والمزارع التى خُرِّبَت ـ
والجَرحى فى المستشفيات ـ وكله إلى جانب اقتصاد
يَنهار، وسُلطـة تَعجَـز عن دَفـع مُرَتَّبات
موَظَّفيها «بمن فيهم رجال الأمـن وحتى حَـرَس
الرئيـس» !
<
ومن الملاحظات اللافتة أن الجنرال «كولين باول» قـام
بتوجيه الدَّعَـوات لموسِم زيارات الربيـع لواشنطن
وكأنه يريـد أن يُوحـى لسامعيه بأفضلية تأجيلهـا :
ــ من ذلك مثلاً إلحاحه على أن الإدارة الجــديدة
لديها عمليات مُراجَعة ضرورية لكل أولوياتها فى
الداخل والخارج. وفى الداخل فإنه أشـار إلى الاقتصاد
الأمريكى وما جـرى فى «أسواقه المالية»، وأحدَثَ
هَـزَّة فى المجتمع الأمريكى. وفى الخارج فإن «كولين
باول» أشـار إلى «الخِلافات مع أوروبـا» ومع
«روسيـا» ومع «الصـين»، وهى خِلافات تَرجع إلى
مُنافسات اقتصادية وسياسية ـ وإلى شكوك فى مشروع
شبَكَـة الصواريخ المضادة للصواريخ الذى يَتَبَناه
الرئيس «جورج بوش» وتَعمَـل له إدارته.
ــ ومن ذلك ما أضافه «كولين باول» بما معناه «أن
الرئيس «بـوش» (الابن) له أسلوب فى التعامُل مع
القضايا يَختَلِف عن أسلوب سَلَفـه «كلينتون» ـ بل
ويَختَلِف عن أسلوب والـده («بـوش» الأب) ـ ومن
اختلاف الأساليب أن الرئيس الجديد يُفَضِّل أن
تَظَـلَّ علاقته بالسياسات «علاقة تَوجيـه» وليست
«علاقة تنفيـذ»، وهو عَزوفٌ عن الدخول فى التفاصيل،
و«يُضايقه أن يُحاول أحد إدخاله فيها»، وهو على
اعتقاد أن سَلَفَـه أخطـأ فى الدخول بنفسه إلى
مُقتَرحات مُحَدَّدة حملت اسمه وتَعَلَّقت بها
«فاعِلية» الرئاسة فى الموضوع الفلسطينى، وقد
وَقَـعَ ذلك أثناء اجتماعات «كامب دافيد» وتَكَرَّرَ
فى اجتماعات «شرم الشيخ» وغيرها ـ والرئيس «بـوش»
(الابن) يـرى أن الأطراف وَحدهم هُـم الذين يجب أن
يَتَوَصَّلوا إلى أية مُقترحات يريدون طرحها من خلال
عملية التفاوض ـ ولذلك فإن الرئيس الجديد «ليست لديه
مُقتَرحات يُقدِّمها» و«لن تكون لديه مُقتَرَحات
يُقَدِّمها».»
ــ ومن ذلك أن الدبلوماسى كـادَ أن يَختَفى تماماً
وراء الجنرال حينما وَصَـلَ «كولين باول» إلى قَوله:
«إنه يَتَمَـنَّى أن لا يكون من شأن أية زيارات
عربيـة قادمة إلى واشنطن زيادة فى التَوَقُّعات لا
داعى لها، خصوصاً وهو يُلاحِظ «فيما سَمَـعَ الآن»
أن خطـر «العـراق» و«صـدام» ليس مَحسوساً فى المنطقة
بالقَـدر الكافى، فى حين أن هناك تَركيزاً أكثر من
اللازم على «إسرائيل» و«شارون» !
ثم يَستَطرد «بـاول» ليقول «إن قـادة المنطقــة
مَرجُــوُّون إذا ذهَبـوا إلى واشنطن أن يأخذوا فى
اعتبارهم أن الإدارة الجديدة تنظر إلى المنطقــة
ككُلٍ واحــدٍ لا يَتَجَـــزأ، وأن ســياستها فيها
رَبطة كاملة من الخليج إلى البحر الأبيــض، ولا
يســتطيع أحد أن يُرَكِّز على «خَطَـر» ويَنسـى
«خطَراً» غيره، ولا أن يطلب من أمريكا أن تَضغط هنا
على طَـرَف، وأن تُخفـــف هنــاك عن طَـرَف غيره!»
<
وكان ذلك كله يَجرى وذلك كله يُقال وهناك مؤتَمَـر
عربـى على مُستوى القِمَّـة على وَشَـك أن يَنعَقِـد
فى عَمّـان.
[وبرغم أنه عند كِتابة هذه السطور لم تَكُن
القِمَّـة العربية فى عَمّان قد انعقدت أصـلاً ـ
فإنه من الصَّعب تَصَـوُّر أن هذه القِمَّـة ـ عندما
تُعلِن قراراتها ـ سوف تستطيع الخروج على السياق
العام للحوادث كما هو جـار الآن. وبالتالى فإن
«الأمـر الواقع» بالفعل فَـرَضَ قائمـة أولويات
مُختَلِفـة ! ]
4 ـ وقفة سابقة مع «الصـديق الســوفيتى»:
لو جـاز لأحـد أن يُفكِّـر من خارج القيود والحدود
وعلى طريقة «عَواصِف العقول» brain storming ـ فقد
يَخطر ببالـه أن يَعـرض على القيادات العربيـة التى
حَضَرَت قِمَّـة عَمّـان أو التى تَخَلَّفَت عنها،
وتلك المسافِرة إلى واشنطن مع موسِم الربيع، أو التى
رأت تأجيل السَّفَـر ـ اقتراحا بإعادة قـراءة
ومُراجَعة فصـل من تجربة الرئيس «أنور السادات». لعل
قراءته أو مُراجَعته أن تَستَعيد صـدى صَيحة مشهورة
له أطلقها سنة 1972 ـ «عندما فـاضَ به الكَيْـل» كما
كان يقول ـ وإذا هو يُعلِنها «وَقفـة مع الصديـق».
كانت «الوَقفـة» أيامها مع «الصديق السوفيـتى» ـ
وربما أن صَداها الآن يَطـرَح إمكانية «وَقفـة مع
الصديق الأمريكـى» ـ دون أن تكون «الوَقفـة»
بالضرورة من القاهـرة، أو أن تكون «الوَقفـة» من
عاصِمة عَرَبيـة واحدة ـ فهذا مَوقِـعٌ يَتَّسِع
الآن لأكثر من طَـرَف ويَحتاج أكثر من طَـرَف
لـ«وَقفـة مع الصديق الأمريكى» !
والشاهِد أن تلك «الوَقفـة مع الصديق السوفيتى» سنة
1972 (قبل قرابة ثلاثين سنة) كانت مُخاطَرة ـ لكنها
مُخاطَرة حَقَّقَت طلبها رغم المحاذير. والواقع أنه
لولا هذه «الوَقفة» لكان من المتَعَيَّن تأجيل معركة
أكتوبر سنة 1973 إلى ظـرفٍ آخر يَصعُب تقدير موعده ـ
أو لكانت المعركة ـ فى أكتوبر 1973 ـ نَوعاً من
القُمـار الأحمَـق مُـؤدٍّيًا إلى إفـلاس مُؤكَّـد !

ومع أن الرئيس «السادات» أجـرى تلك «الوَقفـة مع
الصديق السوفيتى» بطريقته الدرامية، وبأسلوب الصدمات
الكهربائية ـ فإنه ليس من الضرورى أن تكون «الوَقفـة
مع الصديق الأمريكـى» بنفس الطريقة أو بذات الأسلوب.

لكن الواضح للعيان هذه اللحظة أن العلاقات العربيـة
ـ الأمريكية لا تستطيع أن تُواصِل المشـى على
«المَسارات» الحالية ـ وإلا فإن منطقة الشرق الأوسـط
تكون مُقبلة على مَرحلة فيها «دولة واحدة
مُستَقِلَّة» ـ هى إسرائيل!
<
ولعل الذاكِرة الرسمية العربيـة تستطيع أن تَستَعيد
فصـلاً من تَجربة «أنور السادات» ـ وليس من تَجربـة
غيره ـ بدون حَـرَج، لأن سياسات الرئيس «السادات» هى
الأصل الذى ما زال مُعتَمَداً حتى الآن، تَـدُلُّ
عليه الأفعال رغم التَبايُن فى الأقـوال.
وفى التمهيد لاستعادة تلك الصفحة فقد يَستذكِـر
القارئون والمراجعون أن العلاقات العربيـة ـ
السوفيتية تلك الأيام، بالتحديد فى الفترة ما بين
سنة 1967 وسنة 1973 ـ كانت لها أهميـة غير مَسبوقة
وغير مَلحوقة، لأنه فى تلك الأيام كان الاتحاد
السوفيتى أهَـمَّ نصـير دَولى لمطلب تحرير الأرض
العَرَبية، وكان ـ وقتها ـ مَصـدَر السلاح الوحيد
الذى يمكن للعَـرَب ـ بالفِعل ـ استعماله مع وسائل
سياسية واقتصادية إضافية ـ لتحقيق مَطلب تحرير
الأرض.
وفى تلك الظروف لم يكن السـلاح مُجَرَّد وسيلة ضِمن
وسائل ـ لكنه كان المفتاح، وبغيره يَظَـل الباب
مُغلقاً دون تحرير الأرض ودون العُبـور إلى مُستقبل
ـ لأن استمرار احتلال الأرض كان ارتهانا للمستقبل فى
أسـر الأمـر الواقع.
........................
........................
[وربما أجَـرِّب تَحويل صَـدى تلك «الوَقفـة مع
الصديق السوفيتى» إلى صـوت ـ وإلى صورة أيضاً. فقد
كنت تلك الأيام أقـرَب الناس إلى الرئيس «السادات»
(حسب وَصفه هو فى حديث صحفى أدلى به ـ شهر سبتمبر
1971 ـ نُشِـرَ وقتها على نطاقٍ واسع فى مصـر وفى
العالم العربـى) ـ ووقتها لم يكن ذلك الخـلاف الذى
قـام بيننا حول دور السياسـة بعد دور السـلاح فى
مرحلة ما بعد أكتوبر 1973 قد ظهَـرَ بَعد واستحكم.
وفى ذاكِرتى وأوراقى فإنه فى ربيع سنة 1972 كان
الرئيس «السادات» فى حالة تَوَتُّـر تَعَدَّدت
دواعيها :
1 ـ فيها تأخُّـر وصول صفقات سـلاح من الاتحاد
السوفيتى جرى التعاقُد عليها فعلاً من قبل، وبعضها
عقـود تَحمل توقيع الفريق «عبد المنعم رياض» ـ أى
أنها أواخر سنة 1967 وسنة 1968.
2 ـ وفيها أنه ألَـحَّ فى طلـب ما كان يُسَمِّيه
«طائرة الـردع» ـ ويَقصِد القاذفة المقاتلة بعيدة
المـدى من طراز «توبوليف 22» ـ لكنه لم يَحصُل على
رَدٍّ ـ فى الغالب فإن السوفييـت اعتبروا تَوريد هذه
الطائرات لمصـر «تَشجيعاً لتَهَـوُّر مُحتَمَل»
يَندَفِـع إلى ضـرب العُمـق الإسرائيلى (بذريعة
الرَدُّ على غارات إسرائيلية فى العُمـق المصـرى) ـ
وكانت للسوفييت فى ذلك حساباتهم، ومعظمها إزاء
الولايات المتحدة.
3 ـ وفيها شعوره بأن السوفييت يُقَدِّمون له «سلاحاً
دِفاعياً» وهو يُريد «سلاحاً هجومياً» (كذلك كانت
رُؤيَته) ـ والنتيجة أنه غير قـادر حتى على فِعـل
عسكرى مُؤثـر ـ يَخلـق أوضاعاً سياسية مُتوازنـة. ]
........................
........................
[وسافر الرئيس «السادات» مرات إلى موسكـو، وفى مرات
أخرى استقبل بعضاً من القادة السوفييت فى القاهـرة ـ
وفى كل مـرة كان يطلـب ويرجـو، لكنه تَوَصَّل فى
ربيع 1972 إلى أن «إخواننا» (على حسب تعبيره) جعلوا
«أذناً من طـين وأذناً من عجـين»، وأنه لا بد من
«هَـزَّة»، وكان ذلك وَصفـه قبل أن يَتَوَصَّل إلى
تعبير «وَقفـة» !
إن «الهَـزَّة» بدأت بمشهَد لم يسبق له (أو يَلحَق
به) مثيل فى السياسة العربية المعاصرة، وقد جرى هذا
المشهَـد (31 مايو 1972) قبل أسابيع من «الوَقفـة»
التى أدَّت إلى طـرد الخبراء السوفييـت من مصـر.
ولعل الرئيس «السادات» أراد «للهَـزَّة» أن
تُمَهِّـد «للوَقفـة»، وأن تكون نوعاً من لَفـت
النظر إلى نفـاد صـبره. وقد قـام بتأليف مَشهَد هذه
«الهَـزة» وإخراجه وتمثيله بنفسه، وقد سمعتُ وقائِعه
منه مُباشرة وبحضور الفريق «محمد أحمد صادق»، وأشرتُ
إليه كتابة (سنة 1977) فى حيـاة الاثنين : الرئيس
«السادات» والفريق «صادِق» ! ]
........................
........................
[وكانت بداية المشهَـد أن الرئيس «السادات» عَـرَفَ
أن الماريشال «إيجور باتيسكى» قائد الدفاع الجـوى
السوفيتى يقـوم بزيارة للقاهـرة بدَعوة من الفريق
«محمد أحمد صادق» وهو وقتها وزير الدفاع المصـرى.
واتصل الرئيس «السادات» بالفريق «صـادق» يطلب أن
يَتَضَمَّن برنامج الماريشال السوفيتى لقـاءً معه
«لأنه يريد أن يَسمَع منه مباشرة عن حالة الدفاع
الجـوى المصـرى».
وبالطبع جرى ترتيب مَوعِد للماريشال مع الرئيس،
واستغرب الفريق «صادق» حين تَـمَّ إخطاره بأن
«الموعِد فى قصـر عابديـن»، وأن الماريشال السوفيتى
«مَطلوبٌ فيه وحده» أى بدون حضوره وهو مضيفه
الرسمـى، فضلاً عن أن موضوع المقابلة وهو «حالة
الدفاع الجـوى المصـرى» داخِلٌ فى اختصاصه كوزير
للدفاع (بل إن الفريق «صادق» تَوَقَّع أن يُدعـى معه
اللواء «محمد على فهمى» قائد الدفاع الجـوى
المصـرى). ]
........................
........................
[ومساء نفس اليوم الذى وَقَـعَ فيه اللقـاء بين
«الرئيس المصـرى» و«الماريشال السوفيتى» كنت على
مَوعِد مع الرئيس «السادات» فى بيتـه، ودَخَلَ معى
فى نفس اللحظة الفريق «محمد أحمد صادق» الذى كانت
عَصَبيَّته بادية ـ وله الحـق ـ بسبب استبعاده من
مقابلة مع رَجُـلٍ هو ضَيفـه، ولشأنٍ هو من صَميم
اختصاصه.]
[وبـدأ الرئيس «السادات» وَصفـه لتفاصيل المقابلة
بينه وبين الماريشال، وكنت أسمـع فى «شَغَـف»، وكان
الفريق «صـادق» يَسمَـع بنوع من «القَـرَف» لم
يَستَطِع ذلك الجُنـدى الذى «مـاتَ مُحتَرقاً
بالوَطنيَّـة» أن يُداريـه.
وعلى نَحـوٍ ما فإن الرئيس «السادات» راح يَـروى
تفاصيل المشهَـد ويُؤدِّيه بطبَقات صوتـه وبتعبيرات
وجهـه وإشارات يَـدِه، وبـدا لـى (فى بعض اللحظات)
وكأنه يُحاول إغاظـة وزيـر دفاعه .. وقد أحَـسَّ
بعَدَم رضـاه عن استبعاده من المقابلـة.
وبـدأت رواية «السادات» ـ وبالحرف تقريباً ـ وبزيادة
التشويق قائلاً : «آه يا محمـد .. لو أنـك كنت
معـى».
[وكانت الملاحظة صالحة لاثنين يَسمَعان روايته
وكلاهما يبـدأ اسمه بـ : «محمـد» (محمد أحمد صادق
ومحمد حسنين هيكل)].]
........................
........................
ويَحكـى الرئيس «السادات» :
«قَصَدتُ أن يكون اللقـاء مع «باتيسكى» فى المقـر
الرسمى لرئاسة الدولة فى قصـر عابدين، وكنت أريده
وحده لكنه جـاء ومعه السفير السوفيتى (فى مصـر وقتها
«فلاديمير فينوجرادوف») ومعه أيضاً كبير الخبراء
السوفييت (فى الجيش المصـرى وقتها الجنرال «فاسيلى
لاشنكو») ومعهم المتَرجـم «إيَّـاه» (يَقصد «أليكسى»
المتَرجم الرسمى للسفارة السوفيتية وقتها). لم أستطع
مَنـع هؤلاء من دخول الاجتماع (ووَجَّـه الكلام إلى
الفريق «صادق») ـ وإلا تَحَوَّل اللقاء إلى أزمـة
(مُوَجِّهاً حديثه مرة أخرى إلى الفريق «صادق») ـ لو
كنت أعـرف لطَلَبتُك معهم ـ لكن ربما كان أفضل أنك
لم تَحضـر وإلا لوَجَدوا أنفسهم وَسَط فضيحة
«بجَلاجِل» وعليها شاهِد هو أنت بالذات!»
وبَـدا الفريق «صـادق» غير مُستَريح فى مِقعَده،
وملامح وَجهه تَتَكَلَّف أن تَبدو طبيعية ـ
ويُواصِـل الرئيس «السادات» حِكايتـه :
«قَـرَّرتُ أن تكون المقابلة فى قصـر عابدين
بأبَّهَته الملَكيـة ـ ورأيت أن أحضرها بالملابس
العسكرية والعلامات على كتفـى علامـات القائـد
الأعلـى للجيـش المصـرى ـ فيلـد مارشـال.
جَـوُّ عابديـن أثـر على الثلاثة وهُـم يَدخلون عندى
فى المكتـب ـ وبدلـة فيلـد مارشـال لفَتَـت نظرهـم
بالتأكيد !
قلـت للجميع «تفضلوا واجلسوا ـ جَلَسـوا ـ وقُمـتُ
معهم إلى صالون المكتَب. رَحَّبتُ بالماريشال
«باتيسكى»، وبعد أن جاءت القهـوة وبـدأ اللقـاء
«الجَـدّ» قُمـتُ من مكانى وَسَطهم فى الصالون
وذهبـتُ وراء المكتب وجلستُ على مِقعَده، وقلـت
لـ«باتيسكى» : «هـل تَعـرف مَن أنـا ؟»
«الراجِل اتلخبط» (كذلك روى الرئيس «السادات»،
وسَجَّلتُ عنه ـ بَعدها ـ ما روَى). (يَستَكمِل
الرئيس روايته) رَدَّ («باتيسكى») علىَّ باستغراب :
«أنت الرئيس أنـور السادات»!
قلـت له : «غير صحيح ـ نَظَـرُك ضعيـف يا ماريشال» !

زادَت «الحـيرة» على وَجِـه ماريشال الاتحاد
السوفيتى وعلى وَجـه «فينوجرادوف» (السفير)
و«لاشنكـو» (كبير الخبراء). وقلتُ له : «انظـر إلىَّ
جَيِّداً، مَن تـراه أمامك ؟ وما هذا الرداء الذى
ألبسه ؟» ـ لم يَفهَـم «باتيسكى» قصـدى، واعتدل
بجسمـه الضخـم البدين فى مِقعَدِه وقـال : «لا
أفهَـم يا سيادة الرئيس ـ أنت الرئيس «أنور السادات»
وزيُّـك هذا هو زىُّ «ماريشال» إذا لم أكن
مُخطِئاً؟» !
ورَدَدتُ عليه وقلتُ : «نعـم ـ أمامك ماريشال، ولكن
ليس الماريشال أنور السادات .. دَقِّـق النَّظـر
جيداً .. أمامك هذه اللحظة الماريشال جوزيف ستالين
بنفسه بلَحمِـه وشَحمِـه» !
ونظـر «باتيسكى» إلى رفاقه و«بُـرج من عَقلِـه على
وشك أن يطير» ورَدَّدَ مُتسائلاً : «جوزيف ستالين ..
كيـف ؟ هو مـات من زمَـنٍ طويل ؟ و«أنـت هو أنـت» ـ
قالها المتَرجم «سيادتكم هو سيادتكم».»
ورَدَدتُ عليه بشِـدَّة : «لا يا ماريشال باتيسكى،
الماريشال ستالـين هو الذى يُكَلِّمك الآن. لك أن
تَعتَبر أن الماريشال الذى يُكَلِّمك الآن هو «جوزيف
ستالين»، وهو يَطلُب منك ويأمُرُك أن تنقـل إلى
موسكـو الإسراع فى تَوريد سـلاح الردع الذى طلبناه
منكم و«نِشِـف ريقنـا» فى تِكرار الطلب، وأنتم لا
تسمعون.»
(ويَستَطرد الرئيس «السادات») :
«فينوجرادوف نَبيـه، «فِهِـم الفولـة» قبل أن يفهمها
«باتيسكى» وقال لى ضاحكاً : «سيادة الرئيس، خَلَعت
قلوبنا من الخوف ؟» ـ ورَدَدتُ عليه : «سوف أخلَع
قلوبكم فعلاً إذا لم نَتَلَـقَّ منكم ما طلبناه من
سـلاح .. بَلـغ موسكـو بما سَمِعـت الآن مـنى» !»
واصَـلَ الرئيس «السادات» روايته :
«فَكَّرتُـه بالقديم والجديد ـ فَكَّرته أن «لِسانـى
اهـترَأ» وأنا أتَكَلَّـم مع الزعماء السوفييت
الثلاثة.
بريجنيـف (زعيم الحِزب الشيوعى السوفيتى) كَلَّمتُـه
مائـة مـرة.
وبادجورنـى (رئيس الدولـة) كَلَّمتُـه مائـة مـرة.
وكوسيجـين (رئيس الوزراء) كَلَّمتُـه مائـة مـرة.
قلـتُ لهم جميعاً : «يا ناس أنا حليـف إستراتيجى
للاتحاد السوفيتى، لكنكم تتركوننى خطوة أو خطوتين
إلى الوراء دائماً بعد إسرائيل ـ الأمريكان يَضمَنون
لإسرائيل خطوة أو خطوتين قبلنا، وهذا يضعنا فى موقـف
صعـب سوف يُؤثـر علينا وعليكم».
بعد أن تَكَلَّمتُ مع كل الزعماء فى الاتحاد
السوفيتى لم يَعُـد أمامى إلا أن أجـىء إليكم
بـ«ستالين» ـ وها هو «ستالين» أمامكم يُكَلِّمكم،
وأنتم تعرفون «ستالين» لا يَطلُب ولكن «يأمُـر» ـ
ولا يَنتَظِر ولكن «يَذبَـح» !»
تَوَقَّـف الرئيس «السادات» عن الرواية لأن صَوت
قرينته السيدة «جيهان السادات» جاءنا من الردهة
الخارجية للصالون الذى كنا نجلس فيه نَسمَع روايته ـ
ثم دَخَـلَ سكرتيره السيد «فوزى عبد الحافـظ»
يُقَدِّم إليه ورقـة، وقـام إلى خارج الصالون
قائلاً: «إنه سوف يعود فى دقيقتين» ـ وفور خروجه
التفت الفريق «صـادق» إلىَّ وسألنى : «هـل هذا كـلام
جَـدّ ؟ هل أعجَبَتكَ هذه التمثيلية ؟» ـ وحاولتُ أن
أخفِّـف عنه، ولم يَبـدُ أننى أقنَعته كى يُفسـِحَ
صَدره للأسلوب ويُركِّـز أكثر على المعـنى. لكن
الفريق «صادق» مَضـى يُكّرِّر وعلامات التَعَجُّب
كلها على وَجهِه : «ستالـين إيه «ياعَـم» .. هـل
مَعقـول هذا الكَـلام ؟!» ـ ولم يَبـدُ الفريق
«صادق» سعيداً حين رَجَوتُـه مرة أخرى أن يَتَقبَّـل
الرواية على عِلاتهـا، وأن يَنتَظِر حتى نـرى
«النتيجـة».
وعـاد الرئيس «السادات» إلى الصالون الذى كنا فيه
(الفريق «صادق» وأنـا) ـ وأحَـسَّ بالغريزة أن هناك
تَبايُناً فى «تَقبُّـل» روايته بين الفريق «صادق»
وبينى، وكان تعليقه مُوَجِّهاً الكلام لى : «صـادق
عسكرى مَكـوى بالنشـا ولن يَفهَم «الدراما» فى
الموقف الذى حكيتـه لكما ـ لكنك أنت سوف تَفهَم».
وانتقلنا إلى موضوع آخر. ثم خَرَجتُ مع الفريق
«صادق» وقد قاربَ الليل مُنتَصَفه، كلانا عائـد إلى
بيتـه، لكن الفريق «صادق» لم يَنـسَ قبل أن يُفارقنى
أن يَسألنى : «هل فهمـت الدرامـا فى الموقف؟» ـ ثم
أضاف ساخِطاً : «ستالين قال !!» ـ وكانت علامات
«الغَـم» مرسومة بخطوط ثقيلة على مَلامِـح وزيـر
الدفاع المصـرى والقائد العام للقوات المسلحـة.
وكانت تلـك بدايـة عمليـة طـرد الخـبراء السوفييـت
التى بَلَغَت ذروَتها بعد ذلك بخمسة أسابيع بالضبط !

........................
........................
وقد سَمعتُ من الرئيس «السادات» بعد ذلك (ومُباشرة
أيضاً) تفاصيل إبلاغ السوفييـت بقـراره طـرد
خبرائهم، وقد وَقَـعَ هذا الإبلاغ أثناء لقائه
بالسفير السوفيتى («فلاديمير فينوجرادوف») عندما
استدعاه يوم 9 يونيـو 1972.
........................
........................
والذى حَدَث أنه فى صباح اليوم التالى، كنت على شاطئ
«المنتَزَه» بالإسكندرية، ودَقَّ جَـرَس التليفون،
والطالِـب هو السيد «فوزى عبد الحافظ» سكرتير الرئيس
«السادات» يقول أنه سوف يُوَصِّلنى بالرئيس لأنه
يُريد أن يَتَحَدَّث معى. وجاءنى صوت الرئيس
«السادات» بغير ما انتظرت، فقد تَوَقَّعتُ أنه سوف
يعود مرة أخرى إلى إبـداء عَدَم رضـاه عن سِلسِلة من
المقالات كنت أكتبها فى ذلك الوقت تحت عنوان «حالـة
اللا سِلـم واللا حَـرب»، وكنت قد ألمحتُ فى إحدى
حلقاتها إلى أن الاتحاد السوفيتى هو المستفيد الأول
من حالة اللا سِلـم واللا حَـرب، وشرَحتُ أسبابى،
ولم يكن الرئيـس «السادات» مُوافِقاً على الطـرح ولا
على أسبابه، فقد ظَـلَّ على يَقين برغم إنـذاره
الدرامى للسوفييـت عن طريق الماريشال «باتيسكى» بأنه
إذا كان على العَـرَب أن يًحاربوا فليس أمامهم
مَصـدَر للسلاح غير الاتحاد السوفيـتى، ومن هنا فإنه
لم يكن مُتَحَمِّساً لأى «كـلام فى العَلَـن»
يُؤخَـذ على مَحمَل «لَـوم السوفييـت».
وبتَحَسُّبٍ مُسبق لانتظار ما سوف يقوله بادَرتُه فى
التليفون ـ ونحن فى يوم جمعـة، ومقال «بصراحة»
مَنشورٌ (كالعادة أسبوعياً) على الصفحة الأولى من
عَـدَد «الأهـرام» الصادر يومها :
«أظـن أن لديك مُلاحَظة على ما كتبته اليوم؟» ـ
ورَدَّ بأنه لم يقـرأ المقـال بَعد ! ـ ثم سألنى :
«ما الذى أخَـذك إلى الإسكندرية دون أن تَقول لى ؟»
ـ ولم يَنتَظِر رَدًّا وإنما واصَلَ كَلامه :
«يقولون: إنك صحفـى لا يَفوتك خَـبَر ؟ سافَرتَ إلى
الإسكندرية وفـات عليك خَـبَر يُساوى نصف عُمرك ؟» ـ
ولم يَنتظر وإنما استكمل : «تعال إلى عندى فى
القناطِر وتَغدَّى معى (فى الساعة الرابعة بعد
الظهر) وسوف تَسمَـع ما فاتَـك» !
وفى الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر وَصَلتُ إلى
حيث كان فى استراحة القناطر، وجَلَستُ إليه أسمَـع
منه، ومُعظم تفاصيل القصـة بعد ذلك مَعروفة، وقد
نَشَـرتُ تفاصيلها من قبل، ونَشَـرَ غيرى ما وَصَـلَ
إليهم منها. ]
........................
........................
على أن الأهَـمُّ من رواية التفاصيل فى هذا الحديث
هو استخلاص وتَركيز الأسباب التى دَعَـت الرئيس
«السادات» إلى تلك «الوقفـة مع الصديق السوفيتى» سنة
1972 ـ وكانت تلك الأسباب كما رآهـا الرئيس
«السادات»، وبكلماتـه تقريباً ـ على النحو التالى:
1 ـ إن الاتحاد السوفيتى «لا يُعطينا ما يَكفى
لتحرير أرضنـا». فهو يُعطينا بالقطَّارة، ونحن لا
نَستَجدى وإنما «نشـترى». وصحيح أننا نتأخَّر أحيانا
فى التسديد، لكن الصحيح أيضاً أننا فى النهاية
«نَدفَـع» !
2 ـ إن الاتحاد السوفيتى يَحجُـب عنا «سلاح الردع»،
وهذا يزيـد طَمَـع إسرائيل فينا إذ تَعلَـم أنها
«تطولنـا» ونحن لا «نطولهـا».
3 ـ إن القيادة السوفيتية لا تَتَفَهَّم ضرورات
وحقائق موقفنا، وأسوأ الجميع هو رئيس الوزراء
«أليكسى كوسيجين» الذى يَنعَكِس فى كلامه إعجـاب
خفـى بإسرائيل ـ وبالتالى فهذه القيادة لديها
مَشاعِر نحونا لا بد من جلائها. ثم أنه على الناحية
العقائدية فى قيادة الحِزب رجـالٌ مثل «سوسلوف»
(عُضو المكتب السياسى السوفيتى لشئون الحِزب) ومعه
مُساعِدوه «بانامارييف» و«مازاروف» ـ يَرون أن
تَعاون بلادهـم معنا استثمار سياسـىٌّ ضائع. وفى
الحقيقة (يَظُـن الرئيس «السادات») أن بين أعضاء
اللجنة المركزية عَـدَداً من اليهود يَعمَلون
سِـرًّا لصالح إسرائيل، ويَفتَحون معها اتصالات تحت
الأرض رغم أن العلاقات الدبلوماسية بين موسكـو وتل
أبيب مَقطوعة منذ سنة 1967.
4 ـ وأخيراً (يُضيف الرئيس «السادات») أنه فوجـئ
بالبيان المشترك الذى صَـدَرَ بعد اجتماع الرئيس
الأمريكى «ريتشارد نيكسون» والزعيم السوفيتى «ليونيد
بريجنيف» فى موسكو قبل ثلاثة أسابيع، وضايَقَته
عبارة جـاء فيها أن الطرفين اتفقا على ضرورة
السَّعـى إلى حالة من «الاسترخاء العسكرى» فى الشرق
الأوسـط، وهذا معناه «أن الـروس اتفقوا مع الأمريكان
علينـا».
........................
........................
[وعندما سمعـتُ من الرئيس «السادات» ذلك السبَـب
الذى ضايَقَه فى البيان الأمريكى السوفيتى حاولت
لَفـت نظـره إلى أن وَصـف «الاسترخاء العسكرى» جـاء
فى سِياق البيان لاحِقاً ومُتَرَتِّباً على «الوصول
إلى تسوية عادلة لأزمـة الشرق الأوسط» ـ لكن الرئيس
«السادات» أصَـرَّ على أن الكلام «مائـع». ومع
تَسليمه بأن ترتيب السياق كما شرحته له صحيح ـ فقد
كان من الواضح أنه ليس على استعداد للوقوف الآن
والتَدقيق لأنه اتخذ قـراره، وتَصَـرَّف فِعلاً
بمُقتَضـاه. ]
........................
........................
والحاصِل أيامها أن عَدَداً من مُستشارى الرئيس
«السادات» وأصدقائه (وكنت بينهم) كانوا على مَعرفة
بأسباب ضيقـه، لكنهم (وبغير استثناء تقريباً)
تَحَفَّظوا على خطوَتـه التى بـدت لهم «رَهاناً بكل
الرصيد على المكشوف» (حسب وَصـف مستشاره القانونى
وقتها الدكتور «محمد عبد السلام الزيات» وهو يومها
فى مَنصِب نائب رئيس الوزراء) ـ وكان تَقدير الجميع
(تَقريباً) أن ذلك «الرهـان» يمكن أن يُؤدِّى إلى
خسائر فادِحة ـ إلا أن الرئيس «السادات» ظَـلَّ على
ثِقـة بأن مُناوَرَته ضرورية «حتى يَعرف رأسه من
رجليه» و«حتى نحسب حسابنا على نور».
وربما أن ذلك كان ما دَعـا عَدَداً من كبار مساعديه
ـ وبينهم (فى تلك الأيام) رئيس وزرائه الدكتور «عزيز
صِدقى» ونائبه السيد «محمد عبد السلام الزيات» ووزير
دِفاعه الفريق «محمد أحمد صادق» (رغم حساسيته
الشديدة للسوفييت) ووزير خارجيته الدكتور «مراد
غالب» (وكان قبلها ولسنوات طويلة سفيراً فى موسكو)
واللواء «أحمد إسماعيل على» (وهو وقتها مدير
المخابرات العامة) ـ أن يبذلوا جهوداً خارقة للعادة
كى يمسِكوا بالزمـام ويَحولـوا دون قَفـزة إلى
المجهول لا تُضمَـن عَواقبهـا.
وهكذا سافر وفــدٌ كثيف منهم إلى موسكو لجهـد خارق
تَحَـوَّل به مَجرى الحوادث فعلاً ـ وعـاد الوفـد
الذى رأسـه الدكتور «عزيز صِـدقى» ومعه برنامِج
تفصيلي ومُحَدَّد بطلبات سـلاح سبق التَّعاقُـد
عليها وتأخَّرَ تَوريدها، وهى الآن جاهِزة للشحـن،
ومعها موافقة على طلبات جديدة قَدَّمَها الوفـد
المصـرى إلى موسكـو، وقد جَرى تَحديد مواعيد نهائية
مُتلاحِقة لتسليمها فى الإسكندرية.
ونَجَحَت مُناورة «السادات» فى «المقامَرة على
المكشوف» بصرف النظر عما إذا كان النجاح رَهاناً
مَضموناً من الأصل، أو أن سفـر وفـد مصـرى رفيـع
المستوى أنقـذ الموقف فى موسكـو.
وفى كل الأحوال فإن تلك «الوَقفـة مع الصديق»
بأسبابها الموضوعية، ووقائعها المثيــرة،
و«مَشــاهدها الدراميــة» ـ أدَّت إلى تَوافُـــر
«حَجـم وقُـدرة» السـلاح الذى حَقَّـقَ ما تَحَقَّق
فى أكتوبـر سنة 1973 من أوَّلـه إلى آخـره ـ ولم يكن
هناك سِـلاحٌ غيره يستطيع مُحاربة إسرائيل ـ ولم يكن
هناك غيره على الإطلاق فى ميادين القتال !
<
5 ـ 1972 ـ 2001 :
والتاريخ لا يُعيـد نفسه ـ لكن الحقائق المتشابهة
تخلـق أحياناً ضرورات مُتَقاربـة.
والحاصل أن حقائق اليوم تجـىء وكأنها عملية استنساخ
لحقائق الأمـس، وعلى نَحوٍ شديد التشابه إلى درجة
التماثل ـ وفى الغالب فإنه يَستَدعى نوعاً من رَدِّ
الفِعـل يَأبَـى الوقــوف أسـير سُـــكون تَتَآكَـل
فيــه المواقِف بالضعف إلى حَـدِّ السقوط ـ ولعله
على نَحو ما يَستَدعى ـ وإن بأسلوب مُختلف ـ «وَقفـة
مع الصديق الأمريكى» هذه المـرة.
ولقد كانت حقائق الأمـس مُثـيرة للقلـق وَسَط «حالة
حـرب» ـ وحقائق اليوم الجديدة «بالاستنساخ» وَسَط
حالة سِلـم لا تثـير القلـق فقط ـ لكنها تُحَوِّل
السلام إلى «إهانـة» لا يَقِـلُّ أذاها عن الوقوف
على حافة الخطـر. ذلك أن «حالة الخطـر» فيها كرامة
اليَقَظة والتَحَفُّـز ـ وأما «حالة الإهانـة» فليس
لديها غير الانكسار والهـوان !
<
ولإعادة التأكيد فإن الدواعى الرئيسية لتلك
«الوَقفـة مع الصديق السوفيتى» سنة 1972 ـ كانت
ثلاثة :
ـ السـلاح الذى نشتريـه ونَدفَـع ثَمَنـه ـ وعَـدَم
كفايتـه.
ـ والتَفَهُّـم الذى ننتظِـره من «صديـق» ـ لكنه
يَتَلَكَّـأ فى تناوُل الأمور ويَتَسَكَّع.
ـ والشَـكُّ فى عناصـر على مُستوى القيـادة هناك أو
فى بعضها ـ ومَبعَثه ظنـون حول وجـود «يهـود» هناك
مُتعاطفين مع إسرائيل.
ـ وبَيانات وَقَّـعَ عليها «الصديق» ـ أو شارَك فى
التَّوقيع عليها ـ وفيها «ميوعَـة يَصعُب قبولها».
وبقياس الدواعى السابقة لـ«وَقفـة مع الصديق
السوفيتى»، مع الدواعى المستَجَدَّة التى قد
تَستَدعى «وَقفـة مع الصديق الأمريكى» ـ فإن الفـارق
يُصبح مَهـولاً !
1 ـ فى موضوع السـلاح ـ أولاً ـ فإن العَـرَب الذين
اشتروا السـلاح السوفيتى والذين كان فى مقدورهم ـ
ولو نظرياً ـ استعماله لـرَدِّ عُدوان إسرائيل أو
تَوَسُّعِها ـ كانوا ثلاث دُوَل : مصـر وسوريـا
والعـراق.
وفى الفترة ما بين سنة 1955 ـ عند عَقـد أول صفقـة
سِـلاح بين مصـر والاتحاد السوفيتى ـ وحتى سنة 1975
ـ حين ظَهَـرَ ما أطلِـق عليه فى ذلك الوقت سياسة
«تَنويع مَصادِر السلاح» ـ بَلَغَـت عقـود التسليح
بين القاهـرة وموسكو ما قيمته 1400 مليون روبـل ـ أو
نفس الرقم بالدولار ـ طِبق سِعر الصرف الرسمى
أيامها. وبَلَغَت قيمـة ما سَدَّدَته مصـر من قيمـة
هذه العقـود نصف بليـون فقط ـ وقد تَـمَّ سَـداد
معظمه فى إطار اتفاقيات دفـع ـ أى أنه كان سلاحـاً
فى مقابل سلـع (ضِمنها قطـن وأثـاث ومُستَحضرات
تجميل!)
وفى نفس الوقت فإن سوريـا تَعاقـدَت ـ حتى سنة 1975
ـ على ما قيمتـه 800 مليـون روبـل ـ سَـدَّدَت نصفها
تقريباً.
وتَعاقَـد العـراق ـ حتى سنة 1975 ـ على ما قيمتـه
600 مليون روبل (وكانت مُشترياته من السـلاح ـ فى
تلك المـدَّة ـ أكثر، لكن جـزءاً منها كان من مصادِر
غير سوفيتيـة).
وفى السنوات الممتَـدَّة ما بين 1955 إلى 1975 ـ أى
مسافة عشرين سنة ـ بَلَـغَ حجـم المشتريات العربية
كلها من السلاح السوفيتى ـ وفق بيانات مَعهَد
«سيبرى» SIPRI السويدى الذى يَتَوَلى مُتابَعة نفقات
التسليح فى العالـم ـ ما قيمتـه الإجمالية 2800
مليـون روبل ـ أى 8ر2 بليون دولار بسِعر الصرف
الرسمـى وقتها.
وفى هذه السنوات العشرين خـاضَ العَـرَب وفى
ترساناتهم وفى أيديهم هذا السـلاح السوفيتى ـ حرب
السويـس سنة 1956 ـ وحرب سينـاء سنة 1967 ـ وحَـرب
الاستنزاف من 1967 إلى 1970 ـ ثم حرب أكتوبر 1973.
أى أن السلاح السوفيتى ـ وَضَـعَ فى ترسانات العَرَب
وفى أيديهـم ما يُمكن أن يُقاتلوا به. وقد خسـروا
بعض معاركهم، وانتصروا فى بعضها الآخر ـ على أنهم فى
كل الأحوال لم يَستَسلِموا ـ وإنما ظلـوا على
أقدامهم يُقاومون رغم أن جراحَهم كانت بليغة فى بعض
الأحيان.
وقد تَطلَّـب الأمـر «وَقفـة مع الصديق» السوفيتى ـ
بَدَت ضرورية عندما أحَـسَّ «السادات» بتَرَدُّد هذا
«الصديق» فى تَوريد السـلاح كَمًّـا ونَوعاً، وعلى
نَحوٍ «جَعَلَه خطوة أو خطوتين وراء إسرائيل» ـ حسب
تعبـيره.
<
مع «الصديق» الأمريكى فإن السـلاح قِصَّـةٌ غريبة
وعجيبة ـ ومُحزنة أيضاً !
ذلك أنه طِبقاً لتقارير مَعهَد «سيبرى» SIPRI
السويدى نفسه ـ وآخرها تقريره عن سنة 2000 ـ بشأن
التكاليف العسكرية فى السنوات العشرة الأخيرة فقط ـ
فإن العَـرَب دَفَعوا فى شِـراء الأسلحـة ما قيمته
505600 مليون دولار (أى مائتين وخمسين مَـرَّة
تقريباً أكثر مما دَفَعـوه فى السِلاح السوفيتى على
مَدى عِشرين سنة وأربع حروب آخرها أكتوبر 1973 !) ـ
والعُقود فى غالبيتها الساحقة أمريكية والدفع فَـورى
وأحياناً مُقَدَّماً، والدليل أن نصيـب السعودية
وحدها فى هذه العقـود 184000 مليـون دولار. ثم إن
تقرير مَعهَـد «سيبرى» يُلاحِظ أنه لم يَجـد
أرقامـاً يَتَحَمَّل مسئولية نشرها فى تَقاريره عن
مُشتَريات السـلاح فى ثلاثة بُلدان عربيـة هى :
العـراق ـ وليبيـا ـ وقطـر (!).
<
ومن المفارقات اللافتة للنظـر أن حجـم مُشتَريات
«سَلطَنـة عُمـان» من الأسلحة (طبقاً لتقرير مَعهَد
«سيبرى») عن سنة 1999 وحدها تبلُـغ قيمتـه 1614
مليون دولار، وهو مَبلـغ يُساوى ضِعـف ما دَفَعَتـه
مصـر وسوريـا من السـلاح السوفيتى طوال الفترة من
سنة 1955 إلى سنة 1975 ـ (على مَـدى عشرين سنـة
وأربع حُـروب آخرها أكتوبر 1973).
يَزيـد على ذلك أن السلاح العَرَبـى الحالى لا يبـدو
من مُجمَل ما تقوله ـ وتَتَصَرَّف به ـ السياسة
العَرَبية الراهنة ـ كافيـاً أو مُستَعِداً ـ وذلك
كلام مَسموعٌ بالتصريح وبالتلميح، ومَنشورٌ عَلَنـاً
ومَنسوباً إلى مَسئولين كِبار ـ وبرغم ذلك لا
يَتَوَقَّف أحـد ليَسأل ويَتَساءل، ولا يُفَكِّـر
أحـد فى أن تلك كلها دَواعٍ لـ«وَقفـة مع الصديق
الأمريكـى» سنة 2001 ـ تَستَلهِـم ـ وليس بالضرورة
تُكَـرِّر ـ تلك «الوَقفـة» التى اتخذها «أنور
السادات» مع «الصديق السوفيتى» سنة 1972 !
( والقضية ليست قضيـة سِـلاح يُسـاق إلى مَيادين
القتال، ولكن القضية بالدَّرَجَة الأولى قُـدرات لها
مِصداقِيَّة إلـزام كل طَـرَفٍ بحَـدِّه ! )
<
2 ـ بين الأسباب الرئيسية التى دَعَت «أنور السادات»
إلى «وَقفـة مع الصديق السوفيتى» ـ وهذا هو السبب
الثانى بينها ـ «التَلكُّـؤ فى تَناوُل قضايانا
والتَسَكُّع فى فَهمهـا !
ومن المفارقات أنه كان يُقـال للعَـرَب باستمرار :
ـ «إن الولايات المتحدة لن «تُساعِد» ما «دُمـتُم»
أصدِقاء للسوفييت». وقد انتهت الصداقة العَرَبية
السوفيتية ـ ولم يَعُـد هناك اتحاد سوفيتى من الأصـل
ـ بل إن العَـرَب شاركوا عَمَلياً فى سُقوطـه (وتلك
قصـة أخرى مثـيرة).
ـ وأن الولايات المتحدة لن «تَسمَـع» منهم ما داموا
«مُصِرِّين على إلقـاء إسرائيل فى البحـر» ـ ومع أن
مَقولة «إلقـاء إسرائيل فى البحـر» لم تَـرد على
لسان مسئول عَرَبـى واحد ـ فإن الولايات المتحدة
واصَلَـت الادِّعاء بها، برغم أن بعض العَـرَب
وَصَلوا إلى اعتبار 99 % من أوراق الحَـل فى يَـدِ
الولايات المتحدة، كما وَصَلوا جميعاً ـ تقريباً ـ
إلى اعتماد السلام «خِياراً إستراتيجياً» لا رَجعَة
عنه ـ وبالفِعل فإنهم مارسوا ذلك الخِيار
الإستراتيجى فى وَضـح النهار على امتداد طريق طويل ـ
واصِـل من أسـوان إلى واشنطـن، ومن كامب دافيد إلى
أوسلـو. (هذا غير ما يَجرى على طُـرُق أخرى تحت
جَنـح الظـلام !)
وبالزيادة على ذلك فإن النُّظُـم العَرَبية نَزَلَت
بالصراع العَرَبى الإسرائيلى دَرَجات، فلم يَعُد
الصراع صراعاً، وإنما تَنازَل ليُصبح «مشكلة» ـ ولم
تَعُـد المشكلة عَرَبيـة ـ إسرائيلية، وإنما
تَنازَلت لتُصبح «فلسطينية» ـ إسرائيلية ـ ثم
تَدَهوَرَت أحوالها فلم تَعُـد «قضيـةً»، وإنما
أصبَحَت «عُنفـاً» لا بد من وَقفـه قبــل الجـلوس
إلى مَوائِـد الدِبلوماسية من جديد بعد ســنوات من
الدِبلوماسية قديمة وعَقيمـة تَوَصَّـل بعضها إلى
اتفاقيات وَضَـع «الصديق الأمريكى» توقيعه ضماناً
لها!
ثم كانت مُحَصِّلة ذلك كله أن وزير خارجية الولايات
المتحدة الأمريكية ـ «الدبلوماسى الجنرال» ـ جاءهُم
سنة 2001 ليطِـلَّ على المنطقة وهى تَستَعِد لمؤتمـر
عَرَبـى على مستوى القِمَّـة ـ لإبلاغ من يلقاهُـم :
«أن عَدوَّهُـم هناك فى بغـداد وليس هنا فى تل أبيب»
!
ومع ذلك لا يَحدُث شـىء ـ ويَبـدأ موسِم الربيع فى
واشنطن ولا يَخطُر على بال أحد أنها الآن بالضرورة
لا بُدَّ أن تكون «وَقفـة مع الصديق الأمريكى» سنة
2001 ـ مثلما كان مع «الصديق السوفيتى» سنة 1972 !
<
3 ـ تجـىء ـ ثالثاً ـ مسألة الاشتباه فى وجود تأثير
يهودى على قـرار «الصديق السوفيتى».
وكان ذلك التأثير اليهودى الذى لَمَحَـه الرئيس
«السادات» ـ ومعه الملِك «فيصـل» مَلِـك السعودية
وقتها ـ نوعاً من الظنـون والرَّيْـب.
لكنه فى حالة «الصديق الأمريكى» ـ فإن التَّأثير
اليهودى على واشنطـن تَجاوَز الظنـون والرَّيْـب
ليُطالِـع الجميع بحقائق لا تَحتَمِل الإنكـار !
وعلى سبيل المثال فقد قيـل ـ ! ـ أن «بيل كلينتون»
كان أكثر رئيس أمريكى فى تاريخ الولايات المتحدة ـ
اهتم بأزمة الشرق الأوسـط، وكَـرَّس أكبر جهـد
لحَلِّها، وشارك بنفســه فى تقــديم مُقترحــات
لفَـــكِّ عُقَـدِهـا، وكان وجــوده فى البيت
الأبيـض فرصة ما بعدها فرصة ـ لكن الحقيقة أن قائمـة
اليهود فى القيادة العليـا الأمريكية فى عهـد
«كلينتون» لابد لها أن تُلفِت النظـر، وتُخَفِّـف
ولو قليلاً من حماسة المتَحَمِّسين لـ«كلينتون»
ومُقتَرَحاته، وفى القائمة مُثُـلاً وعند المستوى
الأعلـى:
«مادلين أولبرايت» وزيرة الخارجية ـ «روبرت روبين»
وزير الخزانة ـ «ويليام كوهين» وزير الدفاع ـ «جورج
تنيـت» مدير المخابرات المركزية الأمريكية ـ «صمويل
بيرجر» مُستَشار الرئيس للأمن القومى ـ «رَهـم
إيمانويل» كبير مُستشارى الرئيس ـ و«جون بودستا»
رئيس أركان البيت الأبيض ـ «آلان جرينسبان» رئيس
بنـك الاحتياطى الفيدرالى ـ «أيفلين ليبرمان» المشرف
على الإذاعات الخارجية بما فيها صوت أمريكا ـ «سوزان
توماسيس» كبيرة مُساعِدى «هيلارى كلينتون».

هناك قوائـم بكبار المسئولين اليهود فى الإدارة
الأمريكية تشمـل مئـات من رؤساء الوكالات، ومساعدى
الوزراء، ورؤساء الإدارات، ومديرى الهيئات. هذا
غير السفراء فى وزارة الخارجية، جميعاً من اليهود،
وفوقهم السفير «دنيس روس»

وهناك قوائـم بكبار المسئولين اليهود فى الإدارة
الأمريكية تشمـل مئـات من رؤساء الوكالات، ومساعدى
الوزراء، ورؤساء الإدارات، ومديرى الهيئات. هذا غير
السفراء فى وزارة الخارجية، حيث تَذكُر أوراق
الخارجية الأمريكية نفسها أن سُفـراء الولايات
المتحدة فى ألمانيا ـ وفرنسا ـ وبولندا ـ والدانمرك
ـ وهنجاريا ـ ورومانيا ـ وبلجيكا ـ وبـلاروس ـ وجنوب
أفريقيا ـ والهنـد ـ وتركيا ـ ونيوزيلندا ـ ومصـر ـ
وإسرائيل ـ والسويد ـ والمغـرب ـ وسنغافورة ـ
وزامبيا ـ والبرازيل ـ والمكسيك ـ وكنـدا ـ وكوبـا ـ
والنرويج ـ وسويسرا ـ جميعاً من اليهود، وفوقهم
السفير «دنيس روس» المسئول لأكثر من عشـر سنوات عن
إدارة «مسـيرة السـلام» فى الشرق الأوسـط !
ويَستَوجب التأمُّل والدَّرس أنه فى مؤتمر «كامب
دافيد» سنة 1978 (الذى حضره الرئيس «السادات» مع
الرئيس «جيمى كارتر» لم يكن فى الوفـد الأمريكى غير
يهـودى واحد هو «صَمويل لويس» (سفير الولايات
المتحدة فى إسرائيل)، وبَقِيَّـة الأعضـاء مسيحيون.
وفى «كامب دافيد» الفلسطينية («كلينتون» و«ياسر
عرفات» سـنة 2000) كان الوفـد الأمريكى كلـه يهوداً
إلا مسيحـى واحـد هو «بيــل كلينتون» نفسه !!
وفى سنة 1972 فإن الرئيس «السادات» حين ساوَرَته
شكـوك فى تأثير يهودى على القادة السوفييت الملحِدين
ـ جَعَلَها «وَقفـة مع الصديق». وفى سنة 2001
والشكوك حقائق ثابتة، واليهودية فى الحالة الراهِنة
ليست مُجَرَّد دِيانـة وإنما هى صهيونية لا تُدارى
هَواها ولا وَلاءها ـ ومع ذلك فإن أحداً لا يَجدها
داعية «لوَقفـة مع الصديق» !
<
وربما أن هذه النقطـة تَتَّسِـع لملاحَظة ضرورية ـ
داعيها تَصَـوُّرٌ له أنصاره يَـرى أن هذا العَـدَد
من اليهود الذين كانوا فى إدارة «كلينتون»، والذين
كان مُحتَمَلاً أن يزيـد عَدَدُهم أكثر لو أن «آل
جـور» فـاز بالرئاسة ـ عَهـدٌ مضـى وانتهى حِسابه
لأن «جـور» سَقَـط، ونَجَـحَ بَدَلاً منه «جورج
بـوش» (الابن) الذى لا يُوجَد فى إدارته وزير يهودى
ـ هكذا يُقـال ـ ! ـ لكن هذا التَصَـوُّر يَنسـى
فارقاً أساسياً بين التأثير اليهودى على الحِزب
الديمقراطى ـ وذات التأثير على الحِزب الجمهورى.
والواقع أن كِـلا الحِزبـين مَفتـوحٌ لإسرائيل
وعليها بنفـس الدَّرَجـة الحَميمـة.
> لكن الحِـزب الديمقراطى مَفتوحٌ لها وعليها عن
طريق يهود الولايات المتحدة (وبينهم مَن هو مَحسوب
على اليسار الليبرالى المعتَدِل) ـ ولذلك فإن وجودهم
فى واشنطن يَظهَـر ويَمـلأ مِساحة كبيرة من الصـورة
مع أى رئيـس ديمقراطى هناك.
> والحِزب الجمهورى مَفتوحٌ لها وعليها مُباشرة عن
طريق الدور الإستراتيجى لإسرائيل فى الشرق الأوسـط ـ
ولذلك فإن الوجود اليهودى فى واشنطن قد لا يَبدو
ظاهـراً، لكنه يَمـلأ مِساحة كبيرة من خريطـة
المنطقة هنا فى الشرق الأوسـط.
أى أنه اختلاف فى طُرُق الاقتراب من واشنطن لإسرائيل
فى حالة ـ أو من إسرائيل إلى واشنطن فى الحالة
الثانية، وفى الحالتين فإنه ليس زيادة أو نقصاً فى
التأثير. ويَكفى للبُرهان على هذه الحقيقة استعادة
تَوَجُّهات الحِوار الرئاسى ـ والذى كان بمثابة
افتتاحية لإدارة «بـوش» (الابن)، وبمُقتَضاه
تَغَيَّرَت أولويات الشرق الأوسط، وضِمنها : تَصعيد
بَنـد العراق ـ تَنزيل بَنـد فلسطين ـ وإعلان
التغيير بضـرب بغـداد. ومن هنا ـ على حسب تعبير «بول
وولفويتز» ـ «يكون على العَـرَب أن يَسألوا، وعلينا
أن نُجيب بأنه تغيير فى الأولويات وليس أمامهم غير
قُبولـه» ـ وبالفعل فإن العَـرَب سَمعوا من الجنرال
«كولين باول»، وسألوه، وأجاب ـ وكان الرَّجُـل
واضِحاً على غير عادة «الدبلوماسية»، وكان قاطِعاً
على عـادة «السـلاح» !
<
كل ذلك وليست هناك «وَقفـة مع الصديق الأمريكى» ـ
ولا تَفكير فى «وَقفـة» بصورة أو أخرى ـ ولا أحـد
يَطلُـب أن تكون «الوَقفـة مع الصديق الأمريكى» ـ من
نفس عِيار تلك «الوَقفة مع الصديق السوفيتى» ـ لأن
واقع الحال لم يَعُـد يَسمَح (فى وقت «السِلـم») ! ـ
بذلك «النـوع» من «حَـقِّ القـرار» الذى مارَسَه
العَـرَب يوماً (وَسَط «الحَـرب») ـ ومع ذلك فإن
دَواعى الأمـن القومـى والاستقلال ـ وحتى الكبرياء ـ
الوَطَنى ـ تَفرض أنه فى لحظة ما ـ بوَسيلة ما ـ
بأسلوب ما ـ لا بُـدَّ من «وَقفـة مع الصديق
الأمريكى» !
وإذا لم يَحـدُث ذلك ـ وعلى الأرجح لن يَحدُث ـ
فربما كان على كل مُواطِن عَرَبـى أن يَسأل نفسه :
لماذا أصبح مُستَحيلاً سنة 2001 (مع الصديق
الأمريكى) ـ ما كان مُمكِناً حتى سنة 1972 (مع
الصديق السوفيتى) ـ أو شـىء منه ؟
ومـاذا جـرى ؟ ومـتى جـرى ؟ وكيـف جـرى ؟
ثـم ـ إلى أيـن من هُنـا ؟!
 

محمد حسنين هيكل
2001