عدن نيوز - وجهات نظر - 14-8-2006
نهايات طرق العربي التائه 2001

هذه فصولٌ مما كتبت سنة 2001، وهى سنة طلع على
الدنيا فيها قرن جديد، ومن المفارقات أن البداية
فيما كتبت كانت حديثا عن مؤتمر القمة العربى فى عمان
ـ مارس 2000، وكان عنوانه: «نهايات طرق». ثم إن هذه
الفصول ـ اليوم على شكل كتاب ـ تصل إلى قارئها،
والأمة تتطلع إلى مؤتمر قمة عربى فى بيروت ـ مارس
2002. والظاهر ولسوء الحظ أن الطرق تبدو عند
نهاياتها وكأنها وصلت إلى تيه لا يظهر عليه أفق.
ومع بداية هذا القرن الجديد ـ القرن الحادى والعشرين
ـ فإنه يبدو أن «العربى» أصبح هو «التائه» ـ وهو صدى
بالمقلوب لتعبير شاع قبل ذلك قرونا عن «اليهودى
التائه».
وفى قرن سبق ـ وهو القرن العشرون ـ فإن ذلك «اليهودى
التائه» وجد لنفسه مكانا حَط فيه رحله، وحَصَّن
موقعه ـ وفى نفس الوقت فإن «العربى» اختلطت عليه
الأمور، وبدا وكأنه ضيَّع عالمه وفيه تراثه
ومستقبله، ثم إنه ارتحل بحاضره تائها بين الحقيقة
والوهم، وبين الرؤية والسراب، وبين الحلم والعجز.
وهكذا بدأ القرن الحادى والعشرون واليهودى الذى كان
«تائها» متحصنا فى المشروع الصهيونى على أرض فلسطين،
فى حين أن العربى الذى كان راسخا فى الطبيعة
والتاريخ أصبح هو الشارد فى التيه: قد يعرف من أين؟
ـ لكنه لا يعرف إلى أين؟!
وكان ذلك هاجسى وأنا أعيد قراءة هذه الفصول حتى تظهر
بين دفتى كتاب.
ورجائى ودعائى ألا أكون قد أسرفت فى القلق على
الحاضر وأهله، وعلى المستقبل وأصحابه، ثم يكون
الهلال قد أصبح بدرا فى كماله أمام الناس، فى حين
عطلتنى الوساوس أمام الوجه الآخر ـ المظلم ـ للقمر!
محمد حسنين هيكل
***
”
بدأ القرن الحادى والعشرون واليهودى الذى كان
«تائها» متحصنا فى المشروع الصهيونى على أرض
فلسطين، فى حين أن العربى الذى كان راسخا فى
الطبيعة والتاريخ أصبح هو الشارد فى التيه: قد
يعرف من أين؟ ـ لكنه لا يعرف إلى أين؟!
”
وَقفة مع الصديق الأمريكى
1 ـ زيـارات الربــيـع إلـى واشــنطن !
مع بَشائِر الربيع يبـدأ موسِم السَفَـر العربـى إلى
واشنطن، والسَفَـر على مُستوى القِمَـم العربيـة ـ
أو بعضها ـ غايته الحِوار والتشاور مع «الصديق
الأمريكى» ـ وذلك تقليدٌ مُستَحدَث جاءت به
مُتَغَيِّرات أساسية فى السياسة العربية بَدأت منذ
سنة 1975، ومازال ذلك التقليد مُستَمِراً، مَرعِياً،
مُحافَظاً عليه وزيادة، بدليل أن عُروضه فى العاصمة
الأمريكية تَـزداد تَنَوُّعاً كل موسِـم،
وتَتَوَسَّع مَظاهِرها كل زيـارة.
الموسِـم هذه المرة له أهميـة يَختَلِف بها عن أى
موسِـم سبـق، لأنه يجـىء بعد سِلسِلة من الوقائع
بَدَّلَـت المشهَـد فى الشرق الأوسـط، وغَيَّرَت
أجواءه، وفاجأته بما لم يكن يَتَوَقَّع
(1) أولى المفاجآت (قبل موسِم زيارات الربيع إلى
واشنطن) ـ هى نتيجة انتخابات أمريكية للرئاسة خـرج
بها «بيـل كلينتون» من البيت الأبيـض، ولم يجــئ
بعـده «نائبـــه آل جـور» كما كانت مُعظم العواصِم
العربيـة تَتَوَقَّع ـ إلى ما قبل أسبوعين على
الأكثر من يوم الاقتراع. وكان ظـن مُعظم العواصِم
العربيـة أن «آل جـور» ـ ! ـ عندما يجـىء سوف
يُكْمِـل «المسيرة» من حيث تَرَكها «بيل كلينتون»،
وهو فى اعتبار عَدَدٍ من الملوك والرؤساء العَرَب
أول رئيس أمريكى قضـى «كل هذا الوقت» مع «قضايانا
الكبرى» وخصوصاً فلسطـين، وكان رهان هذا العَدَد من
الملوك والرؤساء العَـرَب عالياً على «كلينتون»، وقد
تَمَـنَّى بعضهم ـ أو ألَحَّ ـ على السُّلطة
الفلسطينية أن تَنتَهِز فرصـة وجوده فى البيت
الأبيـض وتَقبَل ـ ولو فى الدقيقة الأخيرة من إدارته
ـ حِزمَـة المقتَرَحات التى طرَحَها للقفز فوق
السدود الأكثر وُعورة فى القضيـة الفلسطينية
(القـدس، واللاجئين، وحدود الدولة، وخريطة
الاستيطان). وعندما بَـدا أن السُّلطة الفلسطينية
مُتَرَدِّدة زادَت الغوايات والضغوط ـ تُحَرِّض على
«قفـزة جريئة» تقـوم بها السُّلطة الفلسطينية
بحجَّـة أن وجود «كلينتون» فى البيت الأبيـض فُرصة
لا تَتَكَرَّر، ولأن «المعتَدِلين العـرب» اعتمادا
على ذلك سوف يُساعدون، وإذا لم يكن فى مَقدورهم
قبـول شـىء نيابـة عن السُّلطة الفلسطينية، فإنهم
يَتَعَهَّدون ـ عندما تَقَـع «القفـزة الجريئـة» ـ
بتَوفـير «شَبَكـة أمـان» تَتَلقَّفها فى الهـواء
قبل أن تَرتَطِم بالأرض !
لكن الوقـت نَفَـد قبل أن تَقتَنِع السُّلطة
بـ«القفزة الجريئة». فهى من الأصل لم تَـرَ الحوض
الذى كان عليها أن تَقفِـز إليه، وعندما دَقَّقَت
النظـر وَجَدَت قـاع الحوض فارغاً بلا مـاء يَكفيها
لتَغطَس فيه وتَقِـب ـ وهى فى الغالب لم تَشعُر أنها
مُستَعِدَّة لكسـر رأسها على بـلاط حـوض فارغ ! ـ
وهى على الأرجَح لم تكن مُتَأكِّدة أن هناك «شَبَكـة
أمـان» جاهِزة ـ وحتى إذا كانت جاهِزة فإن كفاءتها
بـدَت مَوضِع شـك من اتساع الخروق. ولم تَفقِـد
العواصِم العربية ـ أو بعضها ـ ثقتها فى صِحَّة
رهانها بمَنطِق أن «جـور» استمرار لـ«كلينتون» ـ
فهما إدارة واحدة رغم اختلاف الطبائع والأمزجـة.
وعندما نَجَـحَ «جورج بـوش» الابن ـ فإن العواصِم
العربيـة تَرَكَت رهانها فى الساحة ولم تَسحَبه، ذلك
أنه إذا كان المنتَظَر من «جـور» أن يُواصِل سياسة
«كلينتون» ـ فإن المؤَكَّد أن «بـوش» الجديد هو ابن
«بـوش» القديم ـ «عَرَفناه صَديقاً»، و«تَعامَلنا
معه وتَعامَل معنا»، و«أحببناه وأحَبَّنا» ـ
وبالتأكيد فإن الابن مُلتَزمٌ بتَوَجُّهات الأب،
أكثر من التزام أى خَلَـف سياسـى بسَلَـفٍ له
سَبَقَه فى منصِبه (أى «جـور» بعد «كلينتون»، وقد
أصبحا عَدُوَّين لَدودَين بعد أن كانا صَديقَين
حَميمَين ـ وإذن فإن المقادير التى أسقَطَـت «جـور»
كانت كَريمة مع العَـرَب حين جـاءت لهم بـ«جورج
بـوش» !)
(2) وكانت المفاجأة الثانية (قبل موسِم زيارات
الربيع إلى واشنطن) هى نتيجة انتخابات رئاسة الوزارة
فى إسرائيل، وكانت تلـك عملية تابَعَتها العَواصِم
العربيـة ـ كلها ـ دون أن يَبـين فى رَدِّ فِعلِها
إشـارة تَـدُلُّ على قَـدر كـافٍ من الفَهـم
لمعناهـا !
كان التَصَوُّر الشائع ـ فى العواصِم العربية ـ أن
«باراك» دَعـا إلى انتخابات رئاسة الوزارة كجنرال
أجـرى تَقديراً إستراتيجياً لموقفه، وحَسَب الحِساب
دقيقاً لاحتمالاته، وهَدَفه من الدَعوة لانتخابات
قبل أوانها أن يُدَعِّـم مركزه ويُحاصِر الأحزاب (أو
الطوائف ؟!) التى تَزدَحِم بها الكنيست، ويَحصُل على
تَفويض واسع وكامل لإنقـاذ «مَسيرة السـلام» (على
طريقته) ـ وهذا التفويض يَجعَل منه فى الشكل وفى
الفِعـل ـ «نابليون إسرائيلى» مُكَلَّفًا بإنقـاذ
الدولة من أعدائها ومن نفسها أيضاً !
وكما حَـدَث فى حالة «كلينتون» و«بـوش» ـ حَـدَث فى
حالة «باراك» و«شارون» ـ فقد ظلَّـت العواصِم
العربيـة ـ كلها تقريباً ـ وإلى ما قبل أسبوعين
اثنين من يوم الاقتراع ـ تَظُـن أن القادِم إليها
«بـاراك» وليس «شـارون».
وبَدَأت الصَدَمات تَجـىء ليلة ظهور نتائـج
الانتخابات الإسرائيلية، فقد سَقَـطَ «باراك» ـ
ونَجَـحَ «شارون» ـ وكان نجاحه بأغلبية لم يَسبق لها
مثيل فى انتخابات سَبَقَـت (على مُستوى الكنيست أو
على مُستوى رئاسة الوزارة) ـ أى أنه تَفويض واسِـع
من الناخب الإسرائيلى للسياسة الإسرائيلية الأخطَـر
فى تَشَـدُّد مواقفها، والأعنَـف فى إدارة هذه
المواقِـف !
أضيـف إلى ذلك أمام عَواصِـم عربيـة مأخوذة
بالصَدَمات أن «الأصدقاء» ـ ! ـ فى حِـزب العَمَـل
(المعتَبَر فى تقدير هذه العواصِم «حِزب السـلام»)
تَمَـزَّق وخَـرَج منه جيـل الشباب ـ ! ـ الذى كان
عليه المعَـوَّل (!) مُهاجراً أو مَنفياً، ناقِماً
فى الحالتين، وشديد الإحساس بالإهانة إلى دَرَجَة أن
واحِداً من شباب هذا الجيـل («حاييم رامون» ـ 55
سنة!) ـ قـال لـ «باراك» فى اجتماع لمركـز الحِـزب:
«إن كل ما فَعَلته طول رئاستك للوزارة هو أنك وَقَفت
فى مكانٍ أعلى من الحِزب ثم..... (وَصفُ فِعـل
تَصعُـب كتابته على الوَرَق) ـ وقُلـت لنا : هذا هو
المطَـر فازرعوا واحصُدوا واشكروا «الـرب» الذى
أفـاضَ عليكم نِعَمَـه!»
وبرغــم هــذه الصَدَمات كانت العواصِــم العربيـــة
(أو بعضهــا) تَرفُـــض تَصديق ما تراه، وتَبحَث
لنفسها عن ذرائع للطمأنينة، وقد عَـثرَت عليها،
وأولها «أن مجـىء شارون سوف يُثبت للإدارة الأمريكية
عجـز إسرائيل عن مسـيرة السـلام، وبالتالى فهى
الطـرَف الذى يَقَـع اللـوم عليه وليس العـرب،
«وكذلك فإن الأصدقاء القدامـى ـ العائدين من جديد ـ
أوْلـى بالفهـم ـ وسوف يُقَـدِّرون» ! ـ وأقـدَر على
«الضغـط» ـ وسوف «يَضغطـون» ـ بالطبع على إسرائيل !»
(3) وكانت المفاجأة الثالثة (قبل موسِم زيارات
الربيع إلى واشنطن) هى تَصعيد الغارات الأمريكية على
بَغـداد دون إخطـار مُسبق أو تَشاوُر مع الحكومات
العربيـة «الصديقة» ـ التى وَجَدَت نفسها مُحرَجة
أمام جماهير غاضبـة : أقلقها ما وَقَـع فى إسرائيل،
ثم أثارَها تَصاعُد الغارات فجـأة على العـراق.
وتَفَشَّـى فى العواصِم العَرَبيـة ـ كلها تقريباً ـ
نـوعٌ من الارتباك لا يَعرف ماذا يَفعـل؟ ـ بل ولا
يَعرف ماذا يَقـول ؟!
وعندما خَـفَّ وَقـع الصَدمـة تَصَوَّرَت العواصِم
العربية ـ بعضها ـ أن هناك خطـأ فى تَرجَمة إشارات
مُبَكِّرة بينها وبين واشنطـن، وهى إشارات جرى
تبادُلها عبر رُسُـل أو عن طريق رسائل من هنا إلى
هناك، ومن هناك إلى هنـا.
> وعلى سبيل المثال فمن بين هذه الإشارات ـ أنه
ظهَـرَ فى بعض العواصِم الخليجيـة مَبعوثٌ يُمَثل
نائب الرئيس الأمريكى «ديـك تشينى» الذى قيل أن
وَضعَـه فى إدارة «بـوش» يَختَلِف عن وَضـع أى نائب
رئيس سبقه، فهو فى واقع الأمـر رئيس الوزراء
الفِعلـى مع رئيـس دولـة (لا) يَملـك و(لا) يَحكُـم.
وفى إحدى هذه العواصِـم الخليجية (وذلك طِبقاً
لإيجاز حَضَره عَدَدٌ من الصحفيين المختارين، فى
اجتماع بالمقـر التنفيذى للرئاسة وهو مُواجِه للبيت
الأبيض) ـ سَمـعَ المبعوث الأمريكـى ما يُمكن
اعتباره رسالة لَـوْم إلى السياسة الأمريكية بسبب
«تَقاعُسِها فى حِصار العـراق، مما جَعَلَ هذا
الحِصار يَتَداعى ويتآكل ـ ويُوشِك على السقـوط !» ـ
ومَثـار اللـوْم «أن ذلك «التَقاعُس» غير مَفهوم
«لأصدقاء أمريكا من العَـرَب» ـ ونتيجته أن النظام
العراقـى يَقـوى ولا يَضعف». ـ وكان هناك من البداية
انقسام فى الـرأى بين هؤلاء «الأصدقاء العَـرَب
لأمريكا» ـ فيهم من يـرى أن أمريكـا عازمة على إسقاط
النظـام، وفيهم من يَشُـك فى «صِحَّـة نواياها أو
صِـدق عَزمهـا» ـ والآن ثَبَـتَ للجميع ـ الذين
صَدَّقوا والذين شَكُّـوا ـ أن «الولايات المتحدة
لها قَصـدٌ فى الباطن يَختَلِف عما تقول به فى
الظاهِر».
ويَبـين مما طُـرح فى ذلك الإيجاز الصحفى فى المقـر
التنفيذى للرئاسة ـ وفى صَدَد مُهِمَّـة المبعوث
الأمريكى ـ أن هذا المبعوث أشار إلى «تَصعيد
الغارات» باعتباره شاهِداً على «حَزم السياسة
الأمريكية تجاه صـدام». وكان الـرَدُّ عليه «أن هذه
الغارات وحدها لن تُسقِـط النظام العراقـى، بَل على
العَكس سوف تُكسِبـه تَعاطُفـاً ـ ثم إن شَعبيَّتَه
سوف تَـزداد عندما تثبـت مَقـدِرة احتماله !»
وقيل فى ذلك الاجتماع أن المبعوث الأمريكى سَمـعَ
بعد ذلك من مضيفيه تعبيراً صريحاً عن التَوَجُّـس
يقول له : «إنكم بما تَفعَلون ـ أو بما لا تفعلون ـ
تَضَعوننا بين نارين : نار أن سياسة النظام فى
العراق خطـر على حُدودِنا، ونـار أن سياستكم تجاه
هذا النظـام خطـر على حكوماتنا !»
وطِبقاً لمعلومات طُرحَـت فى نفس الإيجاز فى المبـنى
التنفيذى للرئاسة ـ فإن المبعوث الأمريكى أشـار إلى
«أن الإدارة الأمريكية الجديدة، وإدارة «كلينتون»
قبلها ـ كلتاهما مُصابة بخيبة أمَـل من عَجـز
المعارَضة العراقية عن إسقاط النظام» ـ وكان
الـرَدُّ الذى سَمِعَـه بنفاد صَـبر :
«لا تُحَدِّثونا فى هذا الموضوع. الناس كلهم يَعرفون
أنكم إذا أردتم الخلاص من «صدام حسين» فلن تُعجزكم
الوسائل ـ وأنجعها أن وكالـة المخابرات المركزية لا
بُد أن تكون قادِرة فى أى وقـت على الخلاص منه
بوسيلة ما ـ ! ـ ودون انتظار مُساعَدة من مُعارَضة
عِراقية مُفَكَّكة ومَعزولـة؟!»
> وعلى سبيل المثال كذلك أنه ضِمن تلك الإشارات
أيضاً وَصَلَت إلى واشنطن رسالـة حملها زائـر عربـى
قَصـدَ إليها فى «مُهِمَّـة خاصـة» ـ مُؤدَّاهـا :
«أن مَجـىء «شارون» إلى رئاسة الوزارة فى إسرائيل
أحدَثَ استنفارا شديداً فى العالم العربـى مع أن
مَجيئه كان فى الأسابيع الأخيرة مُتَوَقَّعاً» !
والمأزق الذى يُواجه كل الأطراف أنه يَصعُـب «تَسويق
شارون» بوَصفِه «أمَـلاً» يَستَحِق أن يُعطيه
العَـرَب فُرصـة تَسمَح لمسـيرة السـلام أن
تَتَواصَل ـ والاقتراح (هكذا بالتحديد) : «أن
«شارون» جُرعَة شديدة المـرارة ويَلزمها كِساء خارجى
من السُكَّـر حتى يُمكن بَلعهـا. وكساء السُكَّر
المعقول الذى يمكن التفكير فيه أن يَجىء «شيمون
بيريز» وزيراً للخارجية، بحيث يَتَصَدَّى هو ـ وليس
«شارون» ـ لقيادة «عملية التفاوُض على الناحية
الإسرائيلية، والسَبَب أن «بيريز» وَجـهٌ مألوف فى
المنطقة، ومَلامِحه مُقـتَرنة بالدَعوة لاستمرار
مسيرة السـلام» !».
وبالفِعل فإن هذا «الرجـاء العربـى» تَـمَّ نقلـه
إلى اثنين من المبعوثين الإسرائيليين ذهَبـا
مُبَكِّراً باسم «شارون» إلى واشنطن لشرح طلباته
وسياساته ـ هما «زالمان شوفال» و«دورى جولد» ـ
وكلاهما كان سفيراً لإسرائيل لدى الولايات المتحدة
على عهـد حكومات سابقة لتَجَمُّع أحـزاب الليكود.
وحَـدَث أيضاً أن الرئيس الأمريكى الذى انتهت إدارته
وهو «بيل كلينتون» عَرَف بهذا «الرجاء العربـى» بعد
أن غادَر واشنطـن، ووَجَدَها فُرصة لعَودةٍ إلى
الأضواء يَحِـنُّ إليها، وهكذا فإنه عَـزَّز
«الرجـاء العربى» بمَجىء «بيريز»، وأضاف إليه من
عنده «تَزكيـة» بدُخول «باراك» وزيراً للدفاع فى
حكومة «شارون»، وبذلك يَطمَئِن العَرَب إلى أن
«مَسيرة السـلام مُستَمِرَّة كما كانت فى إدارتى»،
وأن «حِزمَة المقترحات التى قَدَّمتُها» ما زالت على
المائدة». ولم يُبـق «كلينتون» اقتراحه سِـرًّا،
وإنما أذاعه فى حديث صحفـى قال فيه أنه «بنفسه»
أبلَغَ «شارون» «مُباشرة» به).
........................
........................
[وليس مَعنى ذلك أن دخول «بيريز» فى وزارة «شارون»
كان «رجاء» عَرَبياً أو «وَساطة» عَرَبية ـ لأن
الحقيقة أن دخول «بيريز» (حتى وإن كانت فِكرة كِساء
السُكَّر ـ ! ـ لعَلقَـم «شارون» واردة فيه) كان
داعيه الأكبر والأهَـم داخلياً إسرائيلياً ـ ولعله
كان مَطلَبَ مُؤسَّسة عسكرية تريد وزارة تُعطيها
غطاءً سياسياً واسعاً، وفترة ثبات فى السُّلطة
تَحتاجها لمواجهة مَهام أمنية لازمة. وكان من
العناصر المساعِدة على دخـول «بيريز» أنه صديق
حَمـيم لـ«شارون» وزميل فِكر مُتقارب معه، حتى وإن
غطـى أحدهما تقاطيع وَجهه بالسُكَّر، ووَجَدَ الآخر
أنه فى غِـنى عن حَلاوة مَـذاق (صِناعى) وخِداع
بَصَـر (بالألوان).
وهكذا دَخَـلَ «بيريز» وزارة «شارون» ـ ولم يَدخُل
«باراك» رغم أن «شارون» كان يريده ـ لكن حِـزب
«باراك» نفسه كان ساخِطاً على رئيسه السابق،
مَمروراً منه ـ وكان على رئيس الوزراء الجديد أن
يَختار الرَجُل أو يَختار الحِـزب. وتَحَقَّقَ ما
أرادَته بعض العواصِم العَرَبيـة ودَخـلَ «بيريز» ـ
ولم يَتَحَقَّق رجـاء «كلينتون» وتَأكَّـدَ استبعاد
«باراك» ! ]
........................
........................
وعلى أىة حال فقد ظَـلَّ الارتباك ظاهِراً،
والإشارات مُتَناقِضة ـ والاتصالات مُتَقَطِّعة
ومُتَعَثرة بين واشنطن وبين العواصِم العربيـة (أو
بعضها) ـ وهى أحياناً بالرمـوز، وأحياناً عن طريق
الرسائل والرُّسُـل.
ولعله كان أفضـل للجميع لو أن موسِـم زيارات الربيـع
إلى العاصِمة الأمريكية بـدأ مُبَكِّراً ـ دون
تَداخُلات ـ من رسائل ورُسُـل ـ زادَت فى خلـط
الأمور بَدَل أن يُساعِدوا على جَلائها. لكن موسِـم
الربيع فى واشنطن كان عليه أن يَنتَظِر عَقـد مؤتمر
عربى على مُستوى القِمَّـة فى عَمّان، وهو مؤتمـر
فَـرَضَ نفسه وتَوقيته منذ شهور، ولم يكن فى اعتبار
أطرافه حين قبلـوا به وعَيَّنوه أوانـاً لبداية
الانتظام السَّنَوى للقِمَّـة العربيـة ـ أنه سوف
يَحِـل مُتوافِقاً مع ما وَقَـع من مُتَغيِّرات.
على أنه فى فترة الحَيرة ما بين التَوَقُّعات
الأوَّلية والمتَغيِّرات الطارئة ـ تَعَلَّل رجاء
الجميع بزيارةٍ كان مُقَـرَّراً أن يقوم بها الجنرال
«كولين باول» وزيـر الخارجية الأمريكى الجديد ـ إلى
منطقة الشرق الأوسـط فى مُهِمَّـة استطلاعية.
وكان تَقدير العواصِم العربيـة ـ أو بعضها ـ أنها
سوف تَسمَع وتَفهَـم من الجنرال الدبلوماسى ما لم
يَستَطع الرُّسُـل والرسائل نقلـه بدِقَّـة،
وتَرجَمة إشاراته بأمانة فى اللغـة وفى الدلالـة !
وبمُجمَل الظروف فإن انتظار وزيـر الخارجية الأمريكى
الجديد اكتسب أهميـة كبيرة فى الموضوع وفى الشـكل :
ــ فى الموضوع لأن «الوزير الجنرال» لديه ـ بالتأكيد
ـ ما يُقَدِّمه لمضيفيه شرحاً وإيضاحاً.
ــ وفى الشكـل لأن مَجـىء «الوزير الجنرال» ـ بعد
الخلـط فى الإشارات ـ تَبَـدَّى مُحَيِّراً
ومُشوِّقاً، مُتَشابهاً مع أسلوب «صمويل بيكيت» فى
مَسرحيته الشهيرة : «فى انتظار جـودو» ـ وكان «جودو»
المتَحَرِّك على المسرَح فى المشهَد الجديد نَجماً
لامِعاً من نجوم واشنطن لأكثر من رُبع قـرن عـاش
فيها الدخائل، واطلع على الأسرار، وخـبر حروب السلاح
وحروب السياسة من أرفع الدَّرَجات، وهو الآن وزيـر
للخارجية الأمريكية قادِماً إليها بعد تَجربة
سَبَقَت له ـ رئيساً لأركان الحرب فى البنتاجون ـ
وكذلك فإنه جَمَعَ «المجد» من طرَفيه ! ـ ثم هو يجىء
إلى المنطقة مُمَثـلاً لإدارة جديدة فى الولايات
المتحدة، تُواجه مَوقِفاً بالِـغ التَعقيد فى منطقة
بالِغة التَوَتُّر ـ والأجوبة التى يحملها تَـرُدُّ
على أسئلة حَرجة ـ تُواجه قِمَّـة عَرَبية على وشك
الانعقاد (جمهور مُتَلَهِّف)، وموسِماً من مَواسِم
الربيع فى واشنطن لم يَبـقَ عليه غير شهر واحد !
2 ـ إخطـار الأصدِقاء على الطريقة الأمريكية:
إذا كان صحيحاً ـ وهو صحيح ـ ما صَـدَرَ رسمياً من
تصريحات فى عَـدَدٍ من العواصِم العربيـة وأولها
القاهـرة ـ بما مَعنـاه أن الولايات المتحـدة لم
تَستَشِـر أحداً من أصدقائها العَـرَب ـ ولا
أخطرَتهم ـ بتصعيد الغارات الجَوِّيـة على بغـداد ـ
فذلك مَعناه «الأسهَل» أن الولايات المتحدة ضُبطَـت
مُتَلَبِّسـة بخيانة أصدقائها والتَّقصير فى
حَقِّهـم ـ لكن المعنى «الأهـم» (بصرف النظر عن
الصداقات والحقوق) أن العواصِم العربيـة المهتَمَّـة
كانت فى حالة غيـاب عن حِـوار سياسى يَخصها دارَ فى
واشنطن ـ وكان حِواراً نِصف سِـرِّى فى الواقع لأنه
وإن دارَ فى غُـرَفٍ مُقفَلة ـ تَسَـرَّب منه كثير
إلى بعض العارفين الواصلين من كِبار الخُـبَراء
والمحَلِّلـين، وبينهم «آرثر شليزنجر» و«لورانس
كابلان» و«جيمس تراوب» و«جون بارى» ـ وكذلك فإنهم ـ
وربما غيرهم أيضاً ـ تابَعـوه وخاضـوا فى تفاصيلـه،
وكتبـوا عنه وهُـم يُتابعون ويَدرسون خطـوط السياسات
المتَوَقَّعة من إدارة «بـوش» الجديدة.
ويَبـين مما تَسَـرَّب أنه أثناء فترة الريبـة التى
انقضت من إعـلان نتائج الانتخابات الأمريكية يـوم
الثلاثاء 7 نوفمبر، إلى تَثبيت هذه النتائج فى
مُنتصف ديسمبر سنة 2000 ـ أى فـترة خمسة أسابيع أو
أكثر ـ كان الحِزب الجمهورى واثِقـاً من فَـوز
مرَشَّحـه. ولأنه لم يكن فى مَقدور «جورج بوش» الابن
أن يُشكِّل ـ على الفور ـ وزارة أو يُعلِن سياسة،
فقد وَجَـدَ أركان حُكمـه وأولهم نائبه «ديك تشينى»
أنه لا داعى لقضاء فـترة الريبـة فى انتظار عَـدِّ
الأصوات، وأوْلـى من ذلك الاستفادة بفُسحَة الوقت فى
عَقـد اجتماعات «تَخطيـط سياسى» يكون جاهِزاً
للعَمَل فى مناطق لها حساسية خاصة بالنسبة للولايات
المتحـدة وأولها الشرق الأوسـط. وعلى هذا الأساس
تَكَوَّنت «مجموعة رئاسية» تَضُـمُّ شخصيات كان
مَعروفاً «أنهم رجال ونساء قادمون» إلى المواقع
الرئيسية للإدارة الجديدة، وكانت المجموعة تَضُـمُّ
نائب الرئيس المنتَخَب «ديك تشينى» ومعه صديقه
المَوثوق به «دونالد رومسفيلد» (أصبح عند التشكيل
الرسمى للإدارة) وزيـراً للدفاع ـ والسيدة
«كوندوليزا رايس» (أصبحت عند التشكيل الرسمى
للإدارة) مُستَشارة الرئيس للأمـن القومى ـ والجنرال
«كولين باول» (أصبح عند التشكيل الرسمى للإدارة)
وزيراً للخارجية ـ و«ريتشارد أرميتاج» (أصبح عند
التشكيل الرسمى للإدارة) نائباً لوزير الخارجية ـ
و«بول وولفويتز» (أصبح عند التشكيل الرسمى للإدارة)
نائباً لوزير الدفاع ـ و«ريتشارد هاس» (أصبح عند
التشكيل الرسمى للإدارة) مَسئولاً عن التَخطيط
السياسـى للإدارة الجديدة.
<
ويَبـين مما تَسَـرَّب ـ وبالتحديد فيما كَتَبَه
«آرثر شليزنجر» و«لورانس كابلان» و«جون بارى» ـ أن
مَجموعة التَخطيط الرئاسية تَوَصَّلَت فى شأن أزمـة
الشرق الأوسط إلى خُطوط مُحَدَّدة :
(1) أوَّلها أنه ضِمن مُراجَعة عامة للسياسة
الأمريكية ـ وهى مُراجَعة تقوم بها كل إدارة جديدة،
خصوصاً إذا كانت قادِمة من قاعِدة حِزبية مُختَلِفة
عن سابقتها ـ وهَدَف المراجَعة هو التأكُّد من أن
«أفكارها» وليس أفكار الإدارة السابقة هى النافِذة
والمنفَّـذة، وإعادة النَّظَـر فى الأولويات .
وبالطبع فإن منطقة الشرق الأوسـط كانت مَدار استقصاء
واسع ودَقيق، ليس فقط بسبب أهميـة المصالح الأمريكية
فيها ـ وإنما أيضاً لأن شكل التطوُّرات على ساحاتها
المختلفة بـدا وكأنه يأخذ مُنحَنى خطراً ـ أو على
الأقل غير مُلائـم.
وجَـرَت مُراجَعة عادَت ـ كما يجب أن يَكون ـ إلى
أصول المسائل، وهنا فلم يكن هناك خِـلافٌ بين أفـراد
المجموعة الرئاسية على أن المصلحة الأمريكية العُليا
لها فى المنطقة ثلاثة مَطالِـب : السيطرة على
البترول ـ وضمان أمـن إسرائيل ـ وتَوسيع النفوذ
الأمريكى فى المنطقة بصفة عامـة.
وتَبَدَّى للمجموعة الرئاسية أن البترول العربـى ـ
بترول الخليج بالدرجة الأولى ـ لا يَتَعَرَّض
للتَهديد، فهو فى حماية وجود أمريكى عسكرى قـوى على
الأرض ـ وفى عُهدة نُظُـم محلية موالية. ثم إن أمـن
إسرائيل ليس مَكشوفـاً، بل العكس فإن إسرائيل لم تكن
فى يـوم من الأيام مغطاة بدَرَجة التَفَـوُّق التى
تَتَمَتَّع بها الآن.
وبرغم ذلك كان واضحاً للمجموعة الرئاسية أن هناك
مَخاطِر تَتَحَفَّـز فى المنطقة ـ وتَزحَف إلى حيث
تستطيع أن تمـس أمـن الخليج وأمـن إسرائيل ـ وتُؤثر
سلباً على النفوذ الأمريكى ـ والسبب أن مشكلة
فلسطـين التى كانت «تَفاعُلاتها مضبوطة» منذ مؤتمر
مدريد سنة 1991 ـ والتى جَرى وَضعها على طريق الحَـل
والتصفية بعد اتفاق أوسلـو سنة 1993 ـ تَبَدَّت
مُعَرَّضة للانفلات، وهو انفلات راحَ «يَفيض» على ما
حَوله بنوعٍ من «الانسكاب» spill-over ـ وبسَبَبه
استيقظت مَشاعِر كَراهِية لإسرائيل كانت مَحجوزة ـ
ومَشاعِر عَـداء للولايات المتحدة كانت كامنة ـ
ومُجمَله أدى إلى وضـع نُظُـم صديقة للولايات
المتحدة على «مَوقِف دِفاع» يَخشـى من الاختراق
ويَتَخَوَّف من تَحَـوُّل هذا الاختراق إلى تَطويق،
وتلك أحوال يُضاعِف من خطرها أنها تجـىء فى ظروف
اقتصادية واجتماعية حَرجـة، لا يَظهَر لها عـلاج
قريب أو سَهـل، وفى مَوعِـد يمكن انتظاره والصَـبر
عليه حتى يجـىء !
(2) وفيما بـان من الخطوط المحَدَّدة التى تَوَصَّلت
إليها مجموعة العَمَل الرئاسية أن السياسة الأمريكية
وَصَلَت إلى هذا المنزلق الوَعر فى الشرق الأوسـط
لأن «بيل كلينتون» اندفع بَعيداً وراء حُلـمٍ
راوَدَه بصُنـع سـلامٍ كامل ونِهائى للقضية
الفلسطينية، مُخالِفاً فى ذلك كل الإدارات السابقة
جُمهورية وديمقراطية ـ وبالتحديد من زمَـن الرئيس
السابق «ريتشارد نيكسون» ووزير خارجيته «هنرى
كيسنجر» (1974 ـ 1975) ـ إلى زمَـن «بـوش» الأب
ووزير خارجيته «جيمس بيكر» (1990 ـ 1992).
”
اختارت كل الإدارات الأمريكية السابقة مُعالجة
أزمـة الشرق الأوسط بأسلوب «خطوة خطوة»، مُدركة أن
طلـب السـلام الكامل والشامل سوف يَطرَح قضايا
مُستَحيلة الحَـل: أولها: القـدس وثانيها:
اللاجئـون إلى جانب قضايا أخرى لا تَقِـل خطورة
واستعصاء على الحـل
”
والحاصِل أن كل الإدارات السابقة اختارت مُعالجة
الأزمـة بأسلوب «خطوة خطوة»، مُدركة أن طلـب السـلام
الكامل والشامل سوف يَطرَح قضايا مُستَحيلة الحَـل:
أولها: القـدس (وهى صراع آلِهـة ورُسُـل ـ كذلك
قيـل) ـ وثانيها: اللاجئـون (وقضيتهم بالنسبة
لإســرائيل ســـؤال مَصـير: يَطرَح عليها أن تكون
دَولة يهودية أو لا تكون ؟) ـ إلى جانب قضايا أخرى
لا تَقِـل خطورة واستعصاء على الحـل (وبينها
الاستيطان والحـدود).
والواقع أن هَـدَف «كلينتون» من مُقاربة الحَل
الكامِل والنهائى ـ كان هَدَفاً شخصياً، وقد جاراه
رئيس الوزراء الإسرائيلى «إيهود باراك» على أمـل أن
الرئيس الأمريكى المُتَشَوِّق لصُنـع السلام
(والمتَلَهِّف على جائزته) ـ قادِرٌ بقـوة مَنصِبه
على الإتيان بمُعجزة تاريخية تستطيع إسرائيل أن
تَتَعَلَّق بها وتَفوز بتسوية ختامية لكل الحِسابات
المعَلَّقة بينها وبين العَـرَب على أساس الأمـر
الواقع وبلا تَنازل يأخـذ منها شيئاً تَحوزه الآن أو
تطلبه قبل إغـلاق الدَّفاتِـر !
........................
........................
[كان هناك بين أعضاء المجموعة الرئاسية مَن ذهَبـوا
إلى أن «باراك» لم يكن يُجارى رَغبَـة «كلينتون»،
وإنما الحقيقة أن «كلينتون» هو الذى استسلم للغواية
مرة أخرى ـ وهى هذه المرة غوايـة «إيهود باراك»
وليست غوايـة «مونيكا لوينسكى» ـ وقد رَجَـحَ هذا
الظـن عندما تَبَـيَّن أن الرَّجُلين ـ «كلينتون»
و«باراك» ـ كانا على اتصال تليفونى مُنَظَّـم كل يوم
فى ساعة مُحَدَّدة (قبل أن يَنام «كلينتون» فى ليل
واشنطن، وفـور أن يَصحو «باراك» فى فَجْر تل أبيب.
وفيما يقول به «بودِستا» رئيس أركان البيت الأبيض
على عهد «كلينتون» ـ أن الرئيس الأمريكى السابق كان
مَبهوراً بـ«باراك» لسَبَبين :
أوَّلهما : إنه كان العسكرى الذى حَمـل أرفع الأوسمة
فى الجيش الإسرائيلى (المقاتِل) ـ و«كلينتون» (فى
نَظَر الكثيرين) لديه عُقـدة المتَهَرِّب من
الجُندية فى فيتنام.
والثانى : إن «كلينتون» كان مأخوذاً بنفوذ رئيس
وزراء إسرائيل وَسَط الجالية اليهودية فى أمريكا
بتأثيرها النافِذ فى الإعلام ـ وكان ذلك سَبَب قبوله
لوَساطة «باراك» فى عَفـوٍ رئاسى وَقَّعَه فى اللحظة
الأخيرة عن بليونير يهودى أمريكى («مارك ريتش»)
هَرَبَ إلى سويسرا بعيداً عن مُتَناوَل القضاء
الأمريكى الذى كان يُطارده فى تُهَم فَساد، وكانت
«دِنيز ريتش» (زوجة البليونير الهارب وشريكته حتى
بعد طلاقهما) واحِدة من أكبر المتَبَرِّعين لحمَلات
«كلينتون» ولمكتَبَته التذكارية فى ولايته الأصلية
«أركنسو» ـ وكانت تلك آخر فضيحة خَـتَم بها
«كلينتون» رئاسة حافِلة بالفضائح ! ]
........................
........................
وفى المحَصِّلة (وهذه عَودة بعد استطراد إلى ما بـان
من مُداوَلات المجموعة الرئاسية) فقد كان الـرأى
الذى عَرَضَـه «ريتشارد هاس» واحتل مِساحة واسعة فى
الحِـوار الرئاسى ومال