كان الحزب الاشتراكي قبل الوحـدة وبالذات في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات
في ذروة سلطته .. وكان شيئ مرعـب للي محتـاجين شوية واسطة أو قليل من الاستثناء
في معاملاتهم ... وكنا نسمع عن عبارة المسئولين المشهورة التي قيل انها كانت تتردد
في كل مرفق ومنزل ومكان تجمع امام هؤلاء المحتاجين ... " أرجوك لا تحـرجني "
قمة في احترام القانون ودروس جبارة للجاهلين للقانون .. والله أعلم هل كان كل ذلك
ايمانا بالقانون أم خوفا من الاقتراب من نار الدسائس الحزبية ..
سافرت إلى الوطن بأمر من الوالد لكي يكملوا لي ديني .. وكان ذلك قبيل أحداث 86 ،
قضيت أيام حلوة .. دخلـت وخرجت بالدوائر الحكومية وأنهيت كل معاملاتي بنفسي
وبرفقة أصدقائي وبدون أن أخسر سوا أجرة المواصلات وقيمة كاسة اليمون الباردة
امام بوابة الادارة وقليل من الرسوم والدمغة.. كان إذا قال لي الموظف هذا المستند
ناقص كنت أصدقه واذا قال لي تعال بعدين لا أجرئ على الزن عليه والتلميح له بحق
القات لاني لم أرى بعيونه جرائة الطمع وخبث التعطيل استثمارا لوظيفته ..
قبل هذه الفترة كان هنـاك مغامرات المغتربين ... عندما كان يعود المغترب إلى أرض
الوطن .. كانوا يعتبروه رفاق الغربة مغامرا جسورا يعرض غربته للموت .. لان احتجاز
جوازه (الشمالي) بالمطار بمقابل استلام يعتبر بالنسبة لهم من أفجع سخريات القدر
التي تعكر على العائد فرحة اللقاء بالاهل والولد .. وعندما يذهب حسب تعليمات الاحالة
بمستند الجواز إلى ادارة الهجرة والجوازات كان ببساطة تفكيره يحس ان تلك المعلومات
التي يدلي بها للموظف بالزي العسكري وكأنه امام أحد جبابرة " ابو غريب" بما فيه
من تقليع! .. بينما هي لا تعدوا عن كونها بيانات تلزم ملفه الاغترابي .. ..
في كل الاحوال .. مش مهم اذا كانت هذه هيبة القانون أو ارهابه ... المهم تلك الهيبة
لذلك الموظف الحكومي العادي التي منحها له القانون والتي يصعب عليه المقايضة
بها بعدما رأى انعكاسها بوجه ذلك المواطن المغترب ..
في نفس البلد وفي نفس المدينة وبزمن مختلف ... وفي احدى زياراتي .. قُدر لي أن أزور
إدارة الشهرالعقاري بمعاملة روتينية .. والظاهر من سوء الحظ رأوا فيَّ عفوية المغترب
صاحب اللاندكروز الجديدة اللي يشتي يخلص أمورة بأي ثمن .. الجماعة وكأنهم اتفقوا علي
..... أول موظف الذي مهمته التحقق من أوراق الملف ... تفحص الأوراق ثم أغلق الملف
.. وبحركة المداعب دكى بمرفقيه على الملف وطلب حق القات ... عيني عينك! ..
ولكي لا أطيل .. الموظفة التي بعده تدون المعاملة وتملأ الاستمارة .. اكملت مهمتها بكل
أدب (لها كل احترامي) .. ثم انتقلـت الى المبتسم اللي بعده ثم اللي بعد بعده .. ثم ما بعد بعد
(هيفا) .. ثم المهندسين والله يعين من المهندسين الميدانيين .. وهكذا حلقة طويلة وأكمام متبرئة ..
الغريب أن أحد الموظفين تجاوزته من حق القات .. وعندما وصلت بالملف إلى عند رئيس
المهندسين الذي المفترض توقيعه ثم توقيع المدير العام والختم الرسمي والنهاية.. هذا
المهندس المدير قلب أوراق الملف ثم قام بوضع اشارة توجيه عنونها باسم أحد الموظفين
.. رجعت ابحث عن هذا الموظف .. فوجدته ذلك الذي أجتزته بحق القات .. الراجل من
المؤكد رتب أمره مع مديرة ...... بس هذه المرة مش قاته لوحدة بل وصاحب المقام
الاعلى والقات الاحسن والمبلغ المضاعف .. وإلا الاشارة الموجهة بالملف تأخذ مجراها !!
ولاني أحيل أمانة ما أقول إلى عالم الغيب والشهادة .. لم يكن كل هذا بيوم واحد انما لازم
نختصر الاحداث هنا... وأما مرحلة المدير العام... فقد كثرت فيها اجتماعاته خارج مكتبه ...
لكني وبفضل أحد المرتشين الذي قدمني إلى السكرتيرة ... تصرفت بحر مالي وعبودية حالي
وأنا مغادر كان الوقت تقريبا نهاية الدوام بدأت أتعجب من هوائل الرشوة .. وبينما أنا أتخيل
محطاتها وابطالها ... انتبهت لموظفتان قمن بواجبهن من خلال حجابهم الاسود دون ان
تسمح لهن عفتهن بابتزازي مثل الآخرين.. فسألت نفسي .. هل يستأهلين الاكرام ... على
الأقل من ساوى (بالغلط) ما ظلم .. لا أدري هل كان ذلك امتعاضا من أولائك الابتزازيين
أم تعاطفا مع منظرهن وهن يؤدين واجب وظيفتهن بكل أمانة وأدب .. أو حتى بخجل الانثى
مسـكين الموظف النزيه .. يا يمــن اليــوم !!
عنوان هذا الموضوع ناديت به تلك الأيام ... فبأي عنـوان ننادي به أيامنا هـذه ...........؟!